موريتانيا: روصو تتحول إلى مرآة معقدة للهجرة على حدود السنغال

في أقصى الجنوب الغربي من موريتانيا، وعلى الضفة اليمنى لنهر السنغال، تبرز مدينة روصو كأهم معبر حدودي رسمي يربط موريتانيا بجارتها السنغال. وبفضل موقعها المقابل مباشرة لمدينة سنغالية تحمل الاسم نفسه، أصبحت روصو نقطة عبور إستراتيجية، لا تقتصر على حركة التجارة فحسب، بل تمتد لتشمل أحد أكثر المسارات نشاطًا للهجرة في المنطقة.

وتعتمد المدينة في اقتصادها المحلي على الزراعة المروية داخل وادي النهر، إلى جانب تربية المواشي، والصيد، والتجارة عبر الحدود، وهو ما جعلها فضاءً جاذبًا لعمالة وافدة من مختلف دول غرب إفريقيا، خصوصًا من السنغال ومالي. ومع هذا النشاط الاقتصادي المتنوع، تحولت روصو إلى نقطة تقاطع حيوية بين الجغرافيا والاقتصاد وحركة البشر عبر الحدود.

معطيات عن المهاجرين 

تكشف دراسة حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) يوم 10 يونيو  الجاري، أن المهاجرين في المدينة يغلب عليهم الطابع الشبابي والذكوري، إذ يشكل الرجال نسبة 83%، بينما ينتمي 72% منهم إلى الفئة العمرية بين 18 و34 سنة، بمتوسط عمر يبلغ حوالي 30 سنة. ومن حيث الأصول، يشكل السنغاليون النسبة الأكبر بـ54%، يليهم الماليون بنسبة 28%، ثم الغينيون بنسبة 6%، والغامبيون بنسبة 5%.

وفيما يتعلق بطرق الدخول إلى الأراضي الموريتانية، يعتمد 73% من المهاجرين على الطرق البرية، في حين يعبر 27% عبر نهر السنغال، ما يعكس الطبيعة المزدوجة لهذا المعبر الحدودي بين اليابسة والمجرى المائي.

ورغم وضعهم كقوة مهاجرة، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء الأفراد منخرطة في النشاط الاقتصادي، حيث تصل نسبة النشطين اقتصاديًا إلى 94%، منهم 64% يعملون كموظفين، و28% كعمال مستقلين، بينما لا تتجاوز نسبة أصحاب المشاريع 2%. ومع ذلك، فإن هذا الاندماج الاقتصادي لا يعكس بالضرورة استقرارًا، بقدر ما يعكس هشاشة ظروف العمل واعتمادًا كبيرًا على الاقتصاد غير الرسمي.

تحديات كبير 

على الرغم من هذا الحضور الاقتصادي، يواجه المهاجرون تحديات كبيرة تتعلق بالمعرفة والاندماج، حيث إن 50% منهم لا يعرفون الإجراءات القانونية الخاصة بالحصول على بطاقة الإقامة، في حين يفتقر 49% إلى أي مصدر رسمي للمعلومات حول الهجرة. كما أن فرص التكوين المهني تكاد تكون شبه غائبة، إذ لم يحاول سوى 2% الالتحاق بها، بينما استفاد أقل من 1% فعليًا منها.

وتزداد تعقيدات الوضع مع التباين الواضح بين الجنسيات المختلفة في دوافع الهجرة وأنماط العمل. فالسنغاليون، الذين يشكلون الأغلبية، تدفعهم أساسًا دوافع اقتصادية، حيث يعزو 34% منهم هجرتهم إلى نقص الفرص في بلدهم الأصلي، ويتركزون بشكل رئيسي في الزراعة بنسبة 32% والتجارة بنسبة 18%.

أما المهاجرون الماليون، فيحملون واقعًا مختلفًا تمامًا، إذ تشير البيانات إلى أن 57% منهم فروا نتيجة عدم الاستقرار والنزاعات، ما يجعلهم أقرب إلى فئة الهجرة القسرية، ويعملون غالبًا في الزراعة بنسبة 33% وبعض الحرف بنسبة 12%.

في المقابل، يتميز المهاجرون الغينيون بأنهم أصغر سنًا، ويغلب عليهم الدافع الاقتصادي بنسبة 49%، مع تركيز واضح في مهن محددة مثل الحلاقة بنسبة 23% والميكانيك.

وبهذا التنوع في الخلفيات والدوافع، تتحول روصو إلى فضاء يلتقي فيه نوعان أساسيان من الهجرة: هجرة اقتصادية تبحث عن العمل، وهجرة قسرية تفر من النزاعات وعدم الاستقرار. وهو ما يجعل المدينة نقطة عبور معقدة تتداخل فيها المسارات الإنسانية بشكل يومي.

وتبرز الدراسة أيضًا جملة من التحديات الاجتماعية، أبرزها صعوبة اللغة، والشعور بالتمييز الذي يواجهه 42% من المهاجرين، إلى جانب ضعف الوصول إلى المعلومات، وقلة فرص التدريب، والاعتماد الكبير على العمل غير الرسمي.

مجموعة من التوصيات 

في هذا السياق، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى تحسين إدارة هذا الواقع المتعدد الأبعاد، بدءًا من تحسين الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالإقامة القانونية، مرورًا بتطوير برامج تكوين مهني تراعي اللغات المحلية مثل الفرنسية والولوف والبامبارا والفولاني، إضافة إلى احتياجات سوق العمل في مجالات الزراعة والتجارة والبناء والحرف.

كما تدعو إلى تعزيز قنوات التواصل، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي يعتمد عليها 25% من المهاجرين، إلى جانب التواصل المجتمعي المباشر الذي يمثل وسيلة مهمة لنقل المعلومات، خاصة بين الجاليات.

وتوصي الدراسة كذلك بإيلاء اهتمام خاص بالمهاجرين القادمين من مالي، نظرًا لأن أغلبهم نزحوا بسبب النزاعات، ما يتطلب إجراءات حماية ودعم نفسي ومسارات لجوء مناسبة، إلى جانب تحسين فرص الوصول إلى العمل والمعلومات الاقتصادية التي لا تصل إلا إلى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 8% من المهاجرين.

وأخيرًا، تشدد الدراسة على ضرورة تنظيم القطاع غير الرسمي الذي يشكل الإطار الرئيسي لعمل العديد من المهاجرين في الزراعة والتجارة الحدودية والحرف، بهدف تحسين ظروف العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية.

عموما، تقدم روصو نفسها اليوم كأكثر من مجرد مدينة حدودية؛ فهي مساحة تتقاطع فيها الهجرة الاقتصادية مع النزوح القسري، وتنعكس فيها التحولات العميقة لحركة البشر في غرب إفريقيا، لتصبح بذلك مرآة حقيقية لتعقيدات الهجرة في المنطقة.

رابط المقال:
https://reliefweb.int/report/mauritania/mauritanie-rapport-sur-le-profil...