
قبل أيام، وتحديدًا في السادس من يونيو، حضرت حفل توقيع رواية «لامبيدوزا.. المهاجر صفر» للدكتور محمد السالك ولد إبراهيم، وكتاب «قلمي التائه» للكاتب البارز والعقيد السابق البخاري محمد مؤمل، في أمسية أدارها باقتدار الدكتور محمد إسحاق الكنتي. كنا في مكتبة "جسور،" بين رفوف الكتب، نستنشِق عبَق الأدب والمعرفة، ونتبادل أحاديث الفكر والثقافة بعيدًا عن صخب السياسة وضجيجها. وهناك لفت انتباهي حضور الفتى الشاعر والكاتب المختار السالم أحمد سالم، وهو شاب يحظى بمكانة خاصة في قلبي، وما فتئ يحثني على الكتابة والتأليف، شأنه في ذلك شأن عدد من الإخوة والأصدقاء الذين ألحّوا عليّ مرارًا أن أدوّن بعض ما عشته وشهدته من أحداث وتجارب، وأن أُسهم بما أملك من ذاكرة في إثراء النقاش العام. حينها سألت نفسي: ماذا أكتب؟
ترددت قليلًا، ثم وجدتني أعود إلى موضوع رافقني ورافقته منذ نعومة شبابي؛ السياسة الموريتانية بما فيها من مشاهد وتحولات ومفارقات. قررت، ريثما تُروى القصة كاملة، أن أدوّن في هذه السطور شذرات من تجربتي في مراقبة هذا المشهد الطويل، لا بصفة قاض يصدر الأحكام، ولا شاهد يدّعي امتلاك الحقيقة، وإنما بصفة متابع أتاح له الزمن أن يرى هذا المسرح من زوايا متعددة؛ مرة من المقاعد الخلفية، ومرة من الصفوف الأمامية، ومرات من هوامش المشهد. ولذلك، لا أطلب من القارئ أن يوافقني أو يصدقني، وإنما أن يمنح هذا النص فرصة للقراءة والتأمل. فهو ليس مراجعة لحقبة سياسية بعينها، ولا محاكمة لأشخاص أو أنظمة تعاقبت على السلطة، بقدر ما هو سعيٌ لفهم بعض طبائع المجتمع الموريتاني العميقة، وما يشوب علاقته بالسياسة من ازدواجية متجذرة منذ الاستقلال
تقريبًا.
* إدارة الانطباع في المسرح السياسي الموريتاني
إذا كانت السياسة، في معظم تجارب العالم، تُقدَّم بوصفها تنافسًا على السلطة وتدافعًا بين البرامج والرؤى المختلفة، فإن المشهد الموريتاني يبدو أقرب إلى عرض مسرحي ممتد، تتغير فيه الديكورات أحيانًا، وتتبدل أسماء الممثلين أحيانًا أخرى، لكن النص يبقى محفوظًا عن ظهر قلب.
تؤدي السلطة دورها بإتقان؛ فتخرج إلى الخشبة مرتدية ثياب الجدية والمسؤولية، وتعلن عن مشاريع عملاقة، وإصلاحات تاريخية، وبرامج استثنائية، توحي بأن البلاد تجاوزت محيطها في كل المجالات. ثم تنصرف وهي مقتنعة بأنها نجحت مرة أخرى في إدارة الانطباع العام، وأن الجماهير صدّقت الرواية، وصفّقت للمشهد، وابتلعت الطعم كما ابتلعته في الفصول السابقة.
أما الطبقة السياسية، فتجلس في القاعة مبتسمة. لكنها ليست الابتسامة التي تظنها السلطة، بل ابتسامة المُشاهد الذي حفظ المسرحية أكثر من الممثلين أنفسهم. يصفق حين يجب التصفيق، ويهتف حين يجب الهتاف، ويزغرد حين تستدعي المناسبة الزغاريد، ثم يعود إلى بيته ليخبر أهله أنه كان يمثل هو الآخر، وأن كل ما فعله لم يكن سوى إيهام السلطة بأنه مقتنع.
وهكذا يخرج الطرفان من القاعة كل مساء وهما يشعران بالانتصار. فالسلطة مقتنعة بأنها راوغت الطبقة السياسية، والطبقة السياسية مقتنعة بأنها راوغت السلطة. أما الحقيقة الوحيدة المؤكدة، فهي أن المسرحية مستمرة.
يقول علماء الاجتماع إن السلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بإدارة الانطباعات؛ أي إنها تحاول باستمرار أن تجعل الناس يرون الواقع بالصورة التي تريدها هي. لكن التجربة الموريتانية أضافت شيئًا جديدًا إلى هذه النظرية؛ فإدارة الانطباع هنا لا تقتصر على السلطة وحدها، بل أصبحت ممارسة عامة يتقنها مختلف الفاعلين في المجال السياسي والإداري، حتى بدا المشهد وكأنه شبكة متبادلة من الصور الذهنية التي يسعى كل طرف إلى ترسيخها لدى الآخر. وكأن البلاد كلها تحولت إلى مهرجان وطني لتجميل الحقائق خلف واجهات أنيقة.
تبدو التقارير ممتازة،
والأرقام مطمئنة،
والبرامج ناجحة،
والجماهير راضية،
والمستقبل مشرق،
إلى درجة أن المرء يتساءل أحيانًا: إذا كانت كل هذه الأشياء صحيحة، فمن أين تأتي شكاوى المواطنين؟
في هذا المسرح العجيب، لا يخشى المسؤول الحقيقة بقدر ما يخشى وصول الحقيقة إلى مَن فوقه. ولا يخشى السياسي الكذب بقدر ما يخشى أن يُحرم من فرصة المشاركة في الكذبة الجماعية. الجميع يعرف. والجميع يعلم أن الجميع يعرف، لكن الجميع يتصرف كما لو أن أحدًا لا يعرف. إنها رقصة جماعية من المجاملات السياسية؛ رقصة لا يجرؤ أحد على إيقافها لأن الجميع تعود على إيقاعها.
وربما لا يمكن فهم هذه الظاهرة السياسية بمعزل عن الثقافة التي تحتضنها وتعيد إنتاجها. فالمجتمع الموريتاني، بحكم تركيبته التقليدية وتشابك دوائر القربى والاعتبار الاجتماعي، منح قيمة كبيرة للمجاملة، وحفظ التوازنات، وتجنب الصدام المباشر، حتى أصبحت إدارة الانطباع مهارة اجتماعية راسخة قبل أن تكون أداة سياسية. ففي كثير من الأحيان لا يقول الفرد كل ما يعتقده، ولا يسمع الآخر كل ما يُقال له، بل يكتفي كل طرف بالقدر الذي يحفظ الود ويجنب الإحراج. وعندما تنتقل هذه الثقافة من المجال الاجتماعي إلى المجال العام، تتحول السياسة بدورها إلى مساحة واسعة للرسائل المبطنة، والتوافقات الشكلية. وتبدأ الحقائق تنجلي حين يأتي الفصل الأكثر إثارة.
ترحل السلطة.
فتنطلق الاحتفالات.
ويتنفس الناس الصعداء.
ويعتقد الجمهور أن المسرحية انتهت. لكن الستار لا يُسدل. كل ما يحدث هو أن الممثلين يغادرون من الباب الخلفي، ثم يعودون من الباب الأمامي بعد تدويرهم بعناية ليبدوا وكأنهم اكتشاف جديد.
أما النص، فيبقى في مكانه.
الخطب نفسها تقريبًا.
والوعود نفسها تقريبًا.
والتصفيق نفسه تقريبًا.
والزغاريد نفسها تقريبًا.
وحتى خيبة الأمل نفسها تقريبًا.
وكأن البلاد لا تنتقل من نظام إلى نظام، بل من عرض أول إلى عرض ثانٍ للنص ذاته.
ولعل المأساة الحقيقية ليست أن السلطة تعتقد أنها أذكى من الطبقة السياسية، ولا أن الطبقة السياسية تعتقد أنها أذكى من السلطة، بل أن الطرفين خسرا معًا. فالسلطة، في انشغالها بإدارة الانطباع، تهمل إدارة الواقع، والطبقة السياسية، في انشغالها بمراوغة السلطة، ترضى لنفسها بدور المتفرج بدلًا من دور الشريك.
وعندما ينتهي العرض، ويغادر الجميع القاعة، لا يبقى على الخشبة سوى الشعب؛ ذلك الممثل الصامت الذي لم يبح بكلمة واحدة طوال المسرحية، لكنه وحده من يدفع ضريبة التذاكر في كل مرة.












