خلف أطباق الكسكس: متعلمات يشهرن سلاح الحرفة في وجه الفقر (تقرير)

 بين أحلام الدراسة والوظائف المرموقة كانت فاطمة ترسم ملامح مستقبلها بهدوء وطموح، حيث كانت فتاة مثابرة في دراستها، اجتازت مرحلتي الابتدائية والإعدادية، في مسقط رأسها بمدينة مقطع لحجار غير أن هذه المدينة الصغيرة لم تعد تتسع لطموحاتها وآمالها الكبيرة ولم تعد قادرة على احتواء أحلامها التي كانت تكبر يوما بعد يوم.

معركة في اتجاهين 

في مطلع الألفية انتقلت فاطمة مع أهلها للعاصمة نواكشوط وبدأت تشحذ همتها لخوض غمار البكالوريا، فلم تعد فتاة صعيرة تعيش أحلام الطفولة ، وتكاليف وأعباء الحياة هنا أكثر تعقيدا وصعوبة، لتجد الفتاة نفسها تخوض معركتين في آن واحد وإن اختلف فارق التوقيت..وميدان المواجهة أو بالإحرى صراعين: صراع لاستكمال دراستها، وصراع آخر لكسب القوت والعيش بكرامة ! واختارت المواجهة في الاتجاهين حيث كانت تبدأ مع تباشير الصباح معركتها مع البكلوريا تزاحم الطلاب في مقاعد الدراسة وتنهي يومها على الرصيف تساعد أختها في بيع "الكسكس". 
لم تكن الظروف سهلة ولا خيار المواجهة في حلبتين مفروشا بالورود، فكان انتقالها اليومي من الفلوجة إلى تقاطع طرق العمود 19 في عرفات والعوةدة أكثر تكرارا من ذهابها وإيابها إلى المدرسة وبين هذا الطريق الطويل ومشقة الحياة اليومية خاضت معركة قاسية مبكرة قبل أوانها حاولت فيها أن تتمسك بحلمها في أن تكتحل عيناها بشهادة الباكولريايوما ما، وأن يكون الراتب الوظيفي طريقا للانفاق على أسرتها ورغم الإصرار والمثابرة كان خيار الدراسة يتلاشى أمامها كخيط دخان في الهواء، وآمالها الحبلى بالأمنيات تذوي كزهرة سجينة، لم تمسك عبراتها، بعد ما لم تجد أسمائها بين الناجحين، وبعدما تبخر آخر أمل لها في النجاح الدراسي، فلم يبق لها سوى أن تكون بائعة "كسكس" على قارعة الطريقة كما تقول- وهو طريق كان لها أن تسلكه ومن أول خطوة وفي وقت مبكر ، وهكذا وجدت فاطمة نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها مسؤوليات أكبر من سنها ويغير مسار أحلامها التي كانت تنتظر مستقبلا مختلفا فأحيانا تكبر المسؤوليات قبل أن تكبر البنات، وفي حالة فاطمة كانت ظروفها المادية تجبرها على مناوبة أختها في المرابطة ليلا على جنبات الطرق وأن  تقاسم معها الأدور بالعدل. وكما تقول فإن "الكصران لا ينتظر الآخرة" وفق المثل الشعبي.

بين القدور والأطباق
لم تمض سنوات كثيرة حتى تزوجت فاطمة وظنت أن مشقة الحياة ستخف وطأتها، غير أن الأعباء ازدادت مع اتساع الأسرة. وقدوم الأبناء ولم يعد بإمكانها الاكتفاء بدور المساعدة لأختها، فتحول بيع الكسكس من عمل مؤقت تفرضه الظروف إلى مصدر رزق أساسي تتقاسم من خلاله مع زوجها مسؤولية الأسرة وتوفير حاجاتها اليومية.
تبدأ فاطمة يومها من التاسعة صحابا تعد العجين "لبريم" حتى الثانية عشر ظهرا ثم تأخذ قيلولة وتعود للمطبخ مساء تنتقل بين القدور والاطباق بخفة اعتادتها سنوات العمل الطويلة وقبيل غروب الشمس تبدأ حكاية أخرى من حي الفلوجة بثلاث أطباق مختلفة (الكسكس – العيش – باسي) تستقل فاطمة سيارة أجرة تحملها إلى حيث تنتظر زبائنها كل مساء ومعاناة أخرى لا تقل شأنا عن تلك التي تعانيها في المطبخ عند تقاطع طرق العمود 19 في عرفات ترتب زاويتها من الطريق تنظفها وترش الماء عله يقلل من الغبار ثم ترص أطباقها على قطعة قماش مفروشة على الأرض في انتظار قدوم أول زبون.  
تمكث فاطمة في ركنها حتى الساعة الواحدة صباحا شاهدة على حركة المارة تنتظر رزقها بصمت وصبر لا ينفدان

شبح الفقد  
 من عرق جبينها تساعد بائعة الكسكس زوجها في إعالة أبناءها تقاوم الإحباط ونكد العيش بنظرة متفائلة تجد فيها الأبناء أكملوا دراستهم وتقلدوا مناصب سامية في الدولة..
 ورغم قسوة العمل وطول ساعاته يبقى أكثر ما يؤرقها هو شبح فقدان السكن الذي تقطنه فقرار هدم المنزل من وزارة الإسكان قبل برهة من الزمن تحت طلب الإخلاء في غضون 72 ساعة جعلها تعيش قلقا دائما على مصير أبنائها خشية أن يصبحوا يوما بلا مأوى على قارعة الطريق..
ورغم قسوة الظروف تأبى فاطمة إلا أن تتحدى أمواج الحياة وتتجاوز ضيق العيش ترتسم على محياها ابتسامة الواثق بغد مشرق لأبنائها موقنة أنه مهما طال ليل المعاناة فإن للأمل متسعا وبزوغ الفجر الجديد آت لا محالة