العفو الرئاسي.. والبعد الشرعي- أحمد أبو المعالي

ما إن صدر المرسوم الرئاسي الأخير بالعفو عن السجناء المدانين باعتناق الفكر المتطرف، وارتكاب عمليات قتل بعد رجوعهم عن الأفكار المنحرفة، نتيجة مسار طويل من الحوار العلمي مع بعض علماء ومشايخ البلد، حتى ضج البعض بالنكير والاستغراب معتبرا العفو الرئاسي خارج سياق الشرع والمنطق باعتباره صدر من الحاكم وليس له العفو عن حق شخصي يرتبط بعفو أولياء الدم بالنسبة لمن شاركوا في بعض العمليات التي راح ضحيتها بعض العسكريين وهم في ميادين الدفاع عن حمى الأرض والعرض.
  وهنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك فرقا بين حكم القاتل حسب المقام كما تنص عليه الشريعة،  ولكل حالة حكمها الخاص بها، وفي جميع الحالات ف"ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ"، لأن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق خطيئة كبرى " ومن السبع الموبقات "ومن قتل نفسا بغير نفس  أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"، وقد توعد الحق سبحانه وتعالى القاتل المتعمد بالوعيد الشديد" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما"  وفي الحديث الشريف "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث  الثيب الزاني ، والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" وهذا مرجعه للحاكم لا لغيره، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله"، وقال صلى الله عليه وسلم "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق" والنصوص الصريحة الصحيحة في ذلك جلية المبنى والمعنى زجرا تغليظا.
 ويكمن التمييز بين ثلاث مستويات في هذا السياق:
-  فمن قتل مؤمنا متعمدا في شحار أو خلاف شخصي أو لحميه جاهلية، غير محارب ولا متأول  بشبهة تتعلق بتصرفات الحاكم، فالنص صريح في قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة" وهي أبلغ وأوجز وأفصح م من العبارة التي كان  العرب يتداولونها في هذا السياق" القتل أنفى للقتل" وتفصيل ذلك التفضيل مبثوث في مظانه في علم البلاغة، و ليس لولي الأمر أن يخفف أو يعفو عن مرتكب  هذه الجريمة، وإنما الكلمة الفصل في  ذلك لأولياء الدم " فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"   وإن طلبوا القصاص لزم الحاكم تنفيذه وليس لغير الحاكم أن يباشر التنفيذ.
- المحاربون: وهم الذين يقطعون الطرق ويقتلون ويغتصون الأموال جهارا في الصحراء بل وحتى في المدن عند طائفة من العلماء، والفرق بينهم وبين السراق أن هؤلاء يقومون بالأعمال خفية، وأولئك يقومون بها جهارا استنادا إلى القوة واستخدام السلاح، وقد نص القرآن الكريم على كيفية معاملتهم المستحقة "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ " وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا قتلوا وأخذوا المال  قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال  قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم  وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالا  نفوا من الأرض " وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحد  في قوم من عرينة  في القصة المعروفة حين قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم  في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا" ومن قتله المحارب ليس لوليه العفو وإنما ذلك للإمام لأنه من حدود الله تعالى فالمحارب يخيف “الرعية" وليس بخارج اعتراضا على الحاكم  وإنما خرج بغيا وعدوا على الناس.
- البغاة: و هم الذين خرجوا على ولي الأمر بتأويل ولديهم شبهات يركنون إليها ويعتمدون عليها في الخروج على الحاكم وقتاله، وقد قال تعالى في شأنهم "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه" وهؤلاء وإن كانوا مسلمين يقاتلون ولا يدخلون في حديث "قتال المؤمن كفر" وقد قال النبي صلى الله عليه إن عمارا رضي الله عنه "تقتله الفئة الباغية" وإن رجعت تلك الفئة إلى الصواب لم يطالبوا بما قتلوا من الأنفس وما أتلفوا من المال، وقد عمل فيهم المسلمون بما طبقه الخليفة الراشد علي رضي الله عنه حيث قاتل الخوارج مع قوله "إنهم من الكفر فروا" ولم يقاتلهم حتى أقام عليهم الحجة وناظرهم ابن عباس رضي الله عنه فرجعت معه ألفان بعد أن تبين لهم الحق، وقد حكم علي رضي الله ونادى مناديه  "لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن" وإذا طلبوا الأمان فقد فاءوا إلى أمر الله تعالى وهي ٨الغاية التي أذن الله بالقتال إلى حصولها " وحاصل الأمر فيهم أن أمرهم يؤول إلى الحاكم فإن شاء عزرهم وإن شاء عفا عنهم ولا يطالبون بتعويض ما أتلفوا من المال ولا بالقصاص لمن قتلوا وكذلك من المعروف أنه  ليس في الهيشات قود وهو القتيل الذي لا يعرف من تولى قتله، وقد قالت العرب وصدقت " والبغي مرتعه وخيم"
ومقتضى الأمر أن ادعاء البعض أن العفو الرئاسي غير وارد وليس في محله وأنه لا بد من عفو أولياء الدم عن البغاة الخارجين على الحاكم قول غير مؤسس شرعا فالأمر في هذه القضية يعود للحاكم وليس لأولياء من قتل في الفتنة وأثناء عمليات البغي والخروج على الحاكم
وهؤلاء السجناء إنما كان خروجهم على الحاكم بتأويل فاسد وشبهة داحضة فلاهم  من الفئة الأولى فلم يقتلوا في خصام أو شجار أو حمية جاهلية وما ضارع ذلك ولا هم محاربون بل هم "بغاة" فتبن أن العفو الرئاسي وقع في محله ومن اعترض عليه فقد أخطأ الحفرة وجانب الحز في المفصل وآوى آلى ركن غير شديد وجاهر برأي غير سديد
ولا شك أن الجهات المعنية قد قدرت الأمر  واحتاطت قبل اتخاذ القرار
نسأل الله التوفيق للجميع