عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الأولى: تحديات الانطلاقة)- محمد الأمين الفاضل

بعد أربعة وأربعين يوما فقط، وتحديدا في السابع من أغسطس 2026، ستكمل حملة "معا للحد من حوادث السير" عشر سنوات من العمل التطوعي المتواصل خدمة للسلامة الطرقية في موريتانيا.
عشر سنوات كاملة من الأنشطة التوعوية، والوقفات التحسيسية، والزيارات الميدانية لمواقع الحوادث، وإطلاق القوافل، وتنظيم الندوات، وتقديم المقترحات، والمتابعة اليومية لحوادث السير والنشر عنها، وفي حالات نادرة جدا عقد شراكات أو تعاون، كل ذلك كان من أجل إنقاذ الأرواح وصيانة الممتلكات، من خلال الحد من حوادث السير في موريتانيا. 
عشر سنوات من العمل الميداني، استطعنا خلالها ـ وإلى حدٍّ ما ـ أن نجعل من ملف السلامة الطرقية قضية رأي عام وطني يتحدث عنها الجميع، وكان ذلك أحد أهدافنا الأساسية، فقد انطلقنا في فترة لم يكن فيها هذا الموضوع البالغ الأهمية يجد ما يستحق من اهتمام لدى الرأي العام الوطني.
عشر سنوات من العمل الميداني، في ظروف بالغة الصعوبة، لم نجد فيها من يدعمنا في أنشطتنا التوعوية الهادفة إلى الحد من نزيف الطرق الذي تضرر منه الجميع، فيصعب أن تجد اليوم أسرة موريتانية إلا ولها ذكريات أليمة مع حوادث السير، ومع ذلك ظل الإسهام المجتمعي في هذا الجهد محدودا للغاية، فنحن في الحملة لم نتمكن من عقد تعاون أو شراكة مع أي مؤسسة عمومية أو خصوصية إلا في حالات نادرة جدا، وفي نطاق محدود جدا.
 عشر سنوات من العمل في ظل تحديات قاسية، من حيث توفر الوسائل، ومن حيث تعاون الجهات المعنية بالسلامة الطرقية، وسأكتفي هنا بأن أكشف لكم أن الحملة منذ انطلاقها وحتى كتابة هذه السطور، لم تمتلك مقرا، ولكنها مع ذلك حاولت بوسائلها الذاتية أن تترك أثرا. 
إن هذه الحملة التي أصبح يعرفها آلاف الموريتانيين، والتي نزلت إلى الميدان في فترة كان الحديث فيها عن السلامة الطرقية محدودا جدا، لا تمتلك منذ تأسيسها وحتى اليوم، مقرا ـ حتى ولو متواضعا ـ يجتمع فيه أعضاؤها، ويحفظ أرشيفها، وتُحضر فيه أنشطتها.
الراجح أننا لو وجدنا خلال السنوات العشر الماضية دعما أكبر، وشراكات أوسع، ووسائل أكثر، لكانت نتائج الحملة أكبر بكثير مما تحقَّق على أرض الواقع. ومع ذلك، فإننا على قناعة تامة بأن للنجاح الذي يتحقق في ظل شح الوسائل طعما خاصا لا يعرفه إلا من عاش التجربة. فحين تنجح في تحقيق أثر ملموس رغم قلة الإمكانات، فإنك ستشعر بأنك انتصرت مرتين: مرة على المشكلة التي كنت تسعى لمعالجتها، ومرة على الظروف التي كانت تحاول أن تمنعك من القيام بواجبك.
لم يكن غياب المقر هو التحدي الأصعب الذي واجهته الحملة، بل كانت هناك تحديات عديدة أخرى، سنتوقف مع اثنين منها في هذه الحلقة الأولى، من هذه السلسلة التي سأنشرها بمناسبة التحضير لتخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، وإطلاق موسمها التوعوي العاشر.
لم يكن بإمكان التحديات أن توقفنا مهما تنوعت وتزاحمت عن مواصلة هذا العمل العظيم، فكيف نتوقف، ونحن نعلم يقينا بأن حوادث السير لن تتوقف عن حصد الأرواح وإتلاف الممتلكات بشكل يومي؟
إن من أصعب تحديات الانطلاقة، أن العديد من السائقين كان يتعامل معنا بسلبية كبيرة، بل وبغضب في بعض الأحيان، عندما نسلمه قصاصة إرشادية أو نتحدث معه عن إجراءات السلامة الطرقية. كان العديد من السائقين، يطلب منا ترميم وإصلاح الطرق المتهالكة، بدلا من انشغالنا بالتوعية، بحجة أن تهالك الطرق هو السبب الأول في حوادث السير.
كان يطلب منا ذلك، معتقدا أن لنا صلة بالقطاعات الحكومية المعنية، وخاصة منها وزارة التجهيز والنقل، وفاته أن وزارة التجهيز والنقل ـ وهذا هو التحدي الثاني الذي واجهناه عند الانطلاقة ـ حاولت أكثر من مرة، أن توقف أنشطتنا عند نقطة تفتيش الدرك بتيفيريت (طريق الأمل)، وطلب بعض موظفيها من عناصر الدرك أن يطردونا ويوقفوا أنشطتنا التوعوية عند تلك النقطة، بحجة أن التوعية في مجال السلامة الطرقية يجب أن تبقى عملا رسميا حكرا للوزارة المختصة، والجهات الحكومية ذات الصلة بالملف.
العمل في دائرة المتاح
إن من أهم الدروس التي تعلمنا في الحملة بعد عشر سنوات من العمل الميداني في ظروف غير مواتية، هي أن العمل في دائرة المتاح سيبقى هو الطريق المضمون لتحقق إنجازات ملموسة. وهنا أود أن أوجه رسالة إلى نشطاء المجتمع المدني، مفادها أن الوسائل مهمة، ولكنها إذا غابت فذلك لا يبرر الانسحاب من الميدان، فنحن في الحملة لم ننسحب رغم غياب المقر وشح الوسائل، بل على العكس، واصلنا العمل في دائرة المتاح. وكما أقول دائما للشباب في الدورات التدريبية، إن من يشتغل منهم في دائرة المتاح، سيجد أن هذه الدائرة ستتسع أمامه شيئا فشيئا مع مرور الوقت، ومع بذل المزيد من الجهد، إلى أن يصل اتساعها إلى ما كان يعتقد عند الانطلاقة بأنه يدخل في دائرة المستحيل، وحينها سيجد أنه أصبح قادرا على التأثير في المجتمع، وبأنه قد أصبح بإمكانه أن يطرق باب المستحيل.
وفي المقابل، فإن عدم استغلاله للمتاح حاليا، اعتقادا منه بأن دائرته أصغر من طموحه، ومن الحد الأدنى المطلوب، فإن ذلك سيؤدي مع الوقت إلى انكماش دائرة المتاح، والتي ستظل تضيق وتنكمش حتى تختفي تماما، وحينها سيجد بأنه لم يعد له أي دور أو أي قدرة على التأثير في المجتمع، وأنه لم يعد من المتاح له إلا أن يبقى داخل دائرة العجز الكامل، يندب حظه، ويتفرج على ما يدور حوله دون أبسط تأثير.
وحتى لا أطيل عليكم، فسأكتفي بهذا القدر في الحلقة الأولى من هذه السلسلة التي ارتأيت أن أنشرها في إطار تخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، والتي نحلم بأن نخلدها بأنشطة نوعية، إن وجدنا دعما أو شراكات تمكن من ذلك:
•    تثبيت ثلاثة مجسمات توعوية جديدة على المحاور الطرقية: نواكشوط – روصو، ونواكشوط – نواذيبو، ونواكشوط – أكجوجت، على غرار المجسم التوعوي المقام على طريق الأمل قرب واد الناقة.
•    إطلاق تطبيق في السلامة الطرقية يوفر للسائق تنبيهات صوتية عن الحفر والمطبات والألسنة الرملية والأشغال والمقاطع المتهالكة، التي تواجهه في طريقه، وهذا التطبيق يعمل دون الحاجة إلى الإنترنت.
•    إطلاق نسخة جديدة من قافلة "معا من أجل خريف آمن" تجوب مختلف ولايات الوطن، وتمر بمختلف المحاور الطرقية طوال شهر كامل من التوعية الميدانية.
•    تنظيم سلسلة ندوات حول "نداء جوك للسلامة الطرقية" باعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا.
عشر سنوات مضت على الحملة بلا مقر، وبإمكانات محدودة، وبشراكات نادرة جدا، ولكنها مع ذلك تركت أثرا طيبا، ونعتقد أن ذلك الأثر كان يمكن أن يتسع أكثر لو حصلنا على شراكات ودعم. ما نرجوه اليوم هو شراكات ذات نفع عام، ودعما لرسالة توعوية هدفها، أن يعود المسافر إلى أهله سالما، وأن لا تفجع أسرة في أحد أفرادها، وأن يتناقص عدد حوادث السير في بلادنا بنسبة كبيرة جدا. 
يتواصل إن شاء الله..
السلامة الطرقية مسؤولية الجميع..
معا للحد من حوادث السير..
حفظ الله موريتانيا...