محاولة انقلاب 6 فبراير 1982 : بين الرواية الرسمية والأسئلة العالقة/ محمد سالم ولد لكبار

تُعد أحداث السادس من فبراير 1982 واحدة من أكثر الملفات غموضا في التاريخ السياسي الموريتاني الحديث، فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على الواقعة، ما تزال تفاصيلها الحقيقية محل نقاش بين المهتمين بتاريخ البلاد، بسبب محدودية المعلومات الرسمية المتاحة، وغياب الوثائق المنشورة التي تسمح بإعادة بناء الحدث بصورة دقيقة.

ففي تلك الليلة، كان رئيس الدولة المقدم محمد خونا ولد هيداله يستعد للتوجه إلى العاصمة الكينية نيروبي للمشاركة في قمة منظمة الوحدة الإفريقية، قبل أن تعلن السلطات عن إحباط محاولة انقلابية استهدفت اختطافه من مطار نواكشوط، ومنذ ذلك التاريخ ظل السؤال مطروحا: هل كانت البلاد أمام محاولة انقلاب حقيقية أم أمام ملف سياسي استخدم في إطار الصراع على السلطة داخل النظام العسكري؟

أولا: المتهمون والرواية الرسمية للأحداث

بحسب ما أوردته صحيفة السفير اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 6 مارس 1982 نقلا عن مصادر في العاصمة السنغالية دكار، فقد أصدرت محكمة موريتانية خاصة أحكاما بالسجن عشر سنوات مع مصادرة الممتلكات بحق عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، من بينهم العقيد المصطفى ولد محمد السالك، قائد انقلاب 10 يوليو 1978 وأول رئيس للجنة العسكرية للخلاص الوطني، وسيد أحمد ولد ابنيجاره رئيس الوزراء السابق، وابحام ولد محمد الأغظف وزير الداخلية السابق، إضافة إلى المساعد ولد ابنيجاره الذي اتهم بأنه المنفذ الرئيسي للمخطط، كما صدر حكم بالسجن خمس سنوات على الضابط سيد أحمد ولد خو.

و تمحورت الاتهامات حول المشاركة في مؤامرة تهدد أمن الدولة، وبشكل خاص التخطيط لاختطاف رئيس الدولة من مطار نواكشوط قبيل إقلاع طائرته، غير أن السلطات لم تنشر للرأي العام تفاصيل دقيقة حول الوقائع أو الأدلة التي استندت إليها الاتهامات، وهو ما جعل الرواية الرسمية تظل ناقصة من الناحية التوثيقية.

ثانيا: خلفيات سياسية وصراع داخل أجنحة السلطة

لفهم السياق الذي ظهرت فيه هذه القضية، ينبغي العودة إلى السنوات التي أعقبت انقلاب 10 يوليو 1978 الذي أطاح بالرئيس المختار ولد داداه، فقد شهدت اللجنة العسكرية التي استولت على السلطة سلسلة من الخلافات والتجاذبات الداخلية حول إدارة الدولة والعلاقات الخارجية والحرب في الصحراء الغربية، ومع مرور الوقت تراجع نفوذ العقيد المصطفى ولد محمد السالك الذي كان قائد الانقلاب الأول، بينما برز المقدم محمد خونا ولد هيداله كأحد أقوى رجال النظام.

وبعد استقالة ولد محمد السالك في يونيو 1979، ثم استقالة المقدم محمد محمود ولد أحمد لولي يناير 1980، تولى المقدم محمد خونا ولد ولد هيداله الحكم جامعا بين عدد من السلطات السياسية والعسكرية الأساسية، و في ظل هذه الظروف لم يكن مستبعدا أن تتشكل معارضة داخل بعض دوائر السلطة، سواء بدوافع سياسية أو شخصية أو أيديولوجية، خاصة أن تلك المرحلة عرفت تنافسا حادا بين عدة توجهات داخل المؤسسة العسكرية والنخبة الحاكمة.

ومن هنا ظهرت تفسيرات متعددة للحدث؛ فهناك من رأى فيه محاولة انقلابية فعلية، وهناك من اعتبره مخططا محدودا جرى تضخيمه، فيما ذهب آخرون إلى التشكيك في الملف برمته بسبب غياب المعلومات المعلنة للرأي العام.