من الشعوبية إلى ولاية الفقيه: كيف صيغت سردية التفوق الفارسي؟ جمال عبيدي

يصعب فهم كثير من التحولات الفكرية والثقافية والسياسية التي شهدتها إيران الحديثة من دون التوقف عند مفهوم "الشعوبية" ومسارات تطوره التاريخي. فهذا المصطلح، الذي ظهرت إرهاصاته في أواخر الدولة الأموية وبرز بصورة أوضح خلال الدولة العباسية بوصفه رد فعل على السيادة السياسية العربية، لم يبق، في نظر شريحة واسعة من الكتاب والمفكرين الإيرانيين، مجرد حركة تطالب بالمساواة بين الشعوب داخل الدولة العربية الإسلامية، بل تحول تدريجياً إلى إطار فكري وقومي أعيد توظيفه، في مراحل لاحقة، لإنتاج سردية تمجد الذات الفارسية، وتروج فكرة تميزها على محيطها، وتمنح هذه الفكرة غطاءً تاريخياً وثقافياً وسياسياً.

وقد ارتبطت الشعوبية، في أحد أبرز تجلياتها، برد فعل سياسي وثقافي على صعود الدولة العربية الإسلامية واتساع فتوحاتها شرقاً، بما انتهى إلى إسقاط الدولة الساسانية، وتحرير العراق ثم الأحواز من السيطرة الفارسية، وانتقال مركز الثقل السياسي فيهما من الفرس إلى العرب. وبدأت ملامح هذا المسار تتشكل في أواخر العهد الأموي، قبل أن تتسع بصورة أوضح في العصر العباسي بعد انتقال مركز الخلافة إلى العراق، بما مثل ذلك من اقتراب سياسي وجغرافي مباشر من فارس.

ومع هذا التحول، عملت بعض الأوساط الفارسية على بناء سردية مضادة تستعيد ما تقدمه بوصفه "ماضياً فارسياً" سابقاً على الإسلام، وتعيد توظيفه في مواجهة الصعود العربي. ومع مرور الزمن، لم يعد الأمر مقتصراً على المطالبة بالمساواة بين الشعوب داخل الدولة الإسلامية، بل تحول لدى كثير من الاتجاهات الشعوبية إلى خطاب يقوم على الانتقاص من العرب والطعن في تاريخهم وثقافتهم، في مقابل تمجيد الإرث المنسوب إلى فارس وتقديمه، في الوعي الشعوبي، بوصفه نموذجاً أعلى. وقد وجدت هذه النزعة تعبيراتها الأوضح في الأدبيات الشعوبية التي ازدهرت في العصر العباسي وما بعده، وأسهمت في تكوين وعي قومي فارسي أخذ يتبلور تدريجياً في مواجهة المجال العربي الإسلامي.

ولم يكن الأدب بعيداً عن هذا المسار، بل تحول في بعض مراحله إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ من منظور فارسي مضاد للعرب. وفي هذا السياق، يذهب عدد من الباحثين والمفكرين إلى أن "الشاهنامة" لم تكن مجرد عمل شعري يحتفي بماض أعيدت صياغته وتضخيمه لخدمة بناء سردية قومية فارسية، بل كانت جزءاً من مشروع ثقافي شعوبي أوسع استهدف تمجيد الفرس، والطعن في العرب وتاريخهم وثقافتهم، وإعادة بناء صورة "فارس" في الوعي الشعوبي بوصفها مركزاً أعلى من محيطها العربي الإسلامي.

ووفق هذه القراءة، فإن رعاية السلطان محمود الغزنوي للفردوسي جاءت في سياق الحاجة إلى إنتاج ملحمة قومية كبرى تمنح المجال الفارسي ما كان يفتقر إليه في ميدان السرد الملحمي، في مقابل الحضور العربي التاريخي الطاغي في الشعر والخطابة والبيان، وتعيد تشكيل الذاكرة التاريخية على نحو يخدم بناء هوية فارسية متعالية على المجال العربي الإسلامي.

وإذا كانت الشعوبية قد وجدت في الأدب، في مراحل مبكرة، وسيلة لإعادة بناء الذاكرة الفارسية في مواجهة المجال العربي الإسلامي، فإنها وجدت في العهد الصفوي إطاراً سياسياً ومذهبياً أكثر اتساعاً وفاعلية، مكنها من الانتقال من المجال الثقافي إلى مشروع دولة مكتمل الأركان.

وفي إيران، يعد علي شريعتي من أبرز من تناولوا هذا المسار بالنقد والتحليل، ولا سيما في كتابه "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، حيث رأى أن الصفوية لم تكتف بتحويل التشيع إلى مذهب رسمي للدولة، بل أعادت توظيفه داخل مشروع سياسي وقومي فارسي أوسع. فالتشيع، في نظره، لم يعد في العهد الصفوي مجرد تعبير عن قيم العدالة والاحتجاج على الظلم، بل تحول إلى أداة لإعادة صياغة الهوية الإيرانية على أسس تمزج بين العصبية القومية والشرعية الدينية.

وفي هذا السياق، يتوقف شريعتي عند الرواية الشهيرة المتعلقة بزواج شهربانو، ابنة يزدجرد الثالث، آخر ملوك الدولة الساسانية، من الإمام الحسين بن علي، ويعدها من الروايات التي اختلقها رجال الدين العاملون في البلاط الصفوي. وفي نظره، لم تكن هذه الرواية مجرد قصة تاريخية، بل جزءاً من محاولة أوسع لربط آل بيت النبي بالإرث الساساني، بما يخدم إضفاء بعد قومي فارسي على التشيع، وإعادة تأصيله داخل الوعي الفارسي بوصفه امتداداً رمزياً لذلك الإرث.

وبحسب شريعتي، فإن الرسالة التي جرى تمريرها إلى الجماهير الفارسية كانت واضحة: إن الارتباط بأئمة الشيعة لا يقوم فقط على قضية الخلافة أو المظلومية التاريخية، بل أيضاً على امتداد نسبهم إلى الملوك الساسانيين. ومن هنا، رأى شريعتي أن الصفوية لم تعد إنتاج التشيع بقدر ما أعادت إنتاج الشعوبية داخل التشيع نفسه، حين جرى دمج النزعة القومية الفارسية بالمذهب الديني لتأسيس هوية سياسية جديدة تخدم الدولة الصفوية وصراعها مع العثمانيين ومحيطها السني.

وإذا كانت الصفوية قد استخدمت المذهب لإحياء النزعة الشعوبية، فإن الدولة البهلوية سلكت طريقاً مختلفاً، عبر إحياء القومية الفارسية بصورة مباشرة. ففي عهد رضا شاه ثم محمد رضا شاه، شهدت إيران حملة واسعة لإعادة بناء الهوية الوطنية على أساس الإرث الإمبراطوري الفارسي، مع إحياء الرموز الأخمينية والساسانية، والعمل على تقديم الشخصية الفارسية باعتبارها امتداداً لأصل "آري" مزعوم ذي صلة بأوروبا، في مقابل محيط عربي وإسلامي صور في الخطاب الرسمي بوصفه أدنى مرتبة أو أقل تحضراً.

ولم يقتصر المشروع البهلوي على تمجيد الماضي الفارسي، بل تعداه إلى إعادة صياغة التاريخ نفسه بما يخدم بناء قومية فارسية حديثة. فقد سعت الدولة البهلوية إلى تقديم نفسها بوصفها الامتداد الطبيعي للإمبراطوريات الفارسية القديمة، وإلى ترسيخ صورة إيران باعتبارها دولة قومية فارسية متجانسة، لا فضاءً متعدد الشعوب والهويات. وانسجم ذلك مع السياسات التي سعت إلى دمج مفهومي الأمة والدولة في هوية إيرانية مركزية واحدة، تقوم عملياً على أولوية العنصر الفارسي واللغة الفارسية بوصفهما الإطار الجامع للدولة.

وفي هذا السياق، لم يكن استدعاء كورش وداريوس ويزدجرد مجرد احتفاء بالماضي، بل جزءاً من عملية سياسية وثقافية هدفت إلى صناعة ذاكرة رسمية جديدة، تضخم فيها العناصر المنسوبة إلى "فارس" وتهمش في المقابل الشعوب غير الفارسية داخل إيران.

وقد رأى منتقدو هذا التوجه أن البهلوية لم تكتف بإحياء الخطاب القومي الفارسي، بل مارست أيضاً شكلاً منظماً من إعادة كتابة التاريخ، عبر تقديم كثير من المنجزات الحضارية في المنطقة بوصفها امتداداً مباشراً لعبقرية فارسية متصلة، على الرغم من أن قسماً مهماً من الإرث الحضاري الذي جرى ضمه إلى هذه السردية يرتبط في الأصل بحضارات وشعوب أقدم من الفرس أنفسهم، من بينها العيلاميون والبابليون وغيرهم.
وبذلك، لم تكن البهلوية مجرد قومية حديثة، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة تركيب الماضي وتسييسه، من أجل إضفاء شرعية تاريخية على الدولة المركزية الحديثة، وترسيخ هيمنتها على الداخل الإيراني، وتقديم الشخصية الفارسية في الخطاب الرسمي بوصفها مركزاً أعلى من محيطها وأكثر استحقاقاً للقيادة.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى المرحلة البهلوية بوصفها طوراً جديداً من أطوار الشعوبية، انتقلت فيه النزعة الفارسية من التوظيف المذهبي إلى التوظيف القومي المباشر، مع بقاء الفكرة المركزية نفسها: ترسيخ مركزية العنصر الفارسي، وتقديمه بوصفه الأحق بالقيادة داخل إيران ومحيطها.

مع قيام نظام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اعتقد كثيرون أن المشروع القومي الفارسي سيتراجع لمصلحة مشروع إسلامي عابر للقوميات، وأن الدولة الجديدة ستقطع مع النزعات القومية التي طبعت العهد البهلوي. لكن ما جرى لاحقاً أظهر أن الجمهورية الإسلامية لم تتخل عن تلك المركزية الفارسية، بل أعادت إنتاجها داخل إطار ديني وثوري جديد.

فخطاب "ولاية الفقيه" قدم نفسه بوصفه مشروعاً إسلامياً عالمياً، لكن الممارسة السياسية كشفت، مع مرور الوقت، عن تداخل واضح بين الطموح الجيوسياسي الإيراني وبين الموروث القومي الفارسي. وبات من الصعب الفصل بين البعدين القومي والمذهبي في سياسات إيران الإقليمية، ولا سيما مع تقديم نفسها بوصفها مركزاً لقيادة "محور المقاومة"، في حين ظلت المركزية الفارسية حاضرة في بنية الدولة ومؤسساتها وخطابها السياسي، بل وفي الكيفية التي عرفت بها مصالحها القومية العليا.

وبخاصة، لم تبد الجمهورية الإسلامية قطيعة مع الصفوية أو البهلوية بقدر ما بدت امتداداً جديداً لهما بصيغة مختلفة. فمن الصفوية ورثت توظيف المذهب في خدمة السلطة وإضفاء الشرعية على مشروع الدولة، ومن البهلوية ورثت مركزية العنصر الفارسي والنظر إلى إيران بوصفها مركزاً أعلى من محيطها. أما ما أضافته الجمهورية الإسلامية، فتمثل في الجمع بين هذين البعدين داخل مشروع واحد، يزاوج بين سلطة الولي الفقيه والطموح التوسعي الفارسي، ويجعل من الدين أداة لتبرير التوسع السياسي والنفوذ داخل الإقليم العربي وخارجه.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الجمهورية الإسلامية بوصفها نظاماً ثيوفارسياً، أي نظاماً يمزج بين العقيدة الدينية والمركزية القومية الفارسية، ويوظف المذهب لا باعتباره مرجعية روحية أو أخلاقية فحسب، بل بوصفه أداة سياسية لتكريس السلطة في الداخل وتوسيع النفوذ في الخارج. وبهذا المعنى، لم تعد الثيوفارسية مجرد امتداد للصفوية أو البهلوية، بل أصبحت الصيغة الأوضح والأخطر في مسار إعادة إنتاج فكرة التفوق الفارسي داخل مشروع ديني وسياسي ذي نزعة توسعية واضحة.

وعليه، لا يبدو نظام الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد مرحلة سياسية عابرة أو نظام حكم قابل للإصلاح من داخل بنيته، بقدر ما تبدو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التراكمات الفكرية والسياسية التي أعادت، في كل مرحلة، إنتاج المركزية الفارسية بصيغ مختلفة. فمن الشعوبية التي صاغت سردية مضادة للعرب، إلى الصفوية التي ألبست هذه السردية لبوساً مذهبياً، إلى البهلوية التي أعادت بناءها في قالب قومي حديث، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية التي مزجت بين المذهب والمركزية الفارسية والطموح التوسعي، ووظفت النفوذ السياسي والعسكري في الإقليم لخدمة هذا المشروع.

وفي ضوء هذا المسار، يتضح أن ما يحكم إيران اليوم ليس مجرد خلاف سياسي مع جوارها العربي، بل بنية ذهنية وهوية سلطوية مشبعة بأوهام تاريخية عفا عليها الزمن، لكنها ما تزال تتحكم في نظرة النظام إلى نفسه وإلى محيطه، وهو نظام غير منفتح على الغير.

ومن هنا، فإن الرهان على إصلاح هذا النظام من الداخل، أو على انفتاحه الحقيقي على جواره، يبدو رهاناً ضعيف الأساس، لأن الأزمة لا تكمن فقط في سلوكه السياسي، بل في تصوره لذاته ومكانته ووظيفته في الإقليم. وما دام هذا النظام ينظر إلى نفسه بوصفه مركزاً أعلى شأناً من محيطه العربي، ويصر على توظيف الدين والتاريخ والهوية في خدمة هذا التصور، فإن أسباب الصدام مع دول الجوار العربي ستظل قائمة، حتى وإن تأجلت لحظة الصدام، ما لم يتخل النظام السياسي في إيران عن بنيته القائمة على المزج بين القومية الفارسية والمذهبية التوسعية، ويعيد بناء علاقته بجواره العربي على أساس الندية لا على أوهام التفوق التاريخي.