رسالة إلى رئيس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد/ د. عبد السلام حرمه

الأستاذ جمال اليدالي، رئيس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد المحترم،

 

أكتب إليكم بوصفي مواطنًا موريتانيًا يتنامى داخله شعورٌ ممض بالألم لما يجري في بلده، قبل أن أكون زميلًا شارككم التجربة البرلمانية في المأمورية السابقة، وجزءًا من الحالية، وقبل اختياركم لرئاسة هيئة أُنيط بها التصدي لآفةٍ قوّضت مؤسساتٍ كثيرة في الدولة، وما تزال تنخر ما بقي منها.

السيد الرئيس،

أُقدّر فيكم الكفاءة والاعتدال والضمير الوطني الذي عرفته فيكم شخصيًا، وأكدته مواقفكم في محطات وطنية دقيقة سابقة.

تدركون أن العراق عاش ثلاثة عشر عامًا تحت الحصار، ثم تعرض لغزو دمّر شبكات الكهرباء، ومحطات المياه، والجسور، والمنشآت الحيوية، وأحرق آبار النفط، واستهدف مراكز القيادة والاتصالات، والمقرات الحكومية، والمستشفيات، والمؤسسات التعليمية، ومراكز البحث العلمي. ومع ذلك، وتحت القصف وقاذفات B-52، استمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والأمن وتوفير السلة الغذائية حتى عام 2003.

وبصرف النظر عن أي تقييم سياسي لذلك النظام، فإن التشدد في مكافحة الفساد كان أحد العوامل التي حافظت على الحد الأدنى من قدرة الدولة على الاستمرار.

لكن بعد الغزو، ومع اعتماد نظام المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب، استفحل الفساد والنهب، وأُهدرت الثروات، وتضاعفت العقود الوهمية، واتسعت عمليات غسل الأموال وتهريبها، وتآكلت قدرة الدولة على أداء أبسط وظائفها.

واليوم تتحدث التقارير عن حملة واسعة تخوضها الحكومة العراقية، دون خطوط حمراء، لمكافحة الفساد، أسفرت حتى الآن عن توقيف عشرات المسؤولين والنواب الحاليين، وتفكيك شبكات فساد اتضح أن حجمها يفوق كثيرًا ما كان يُتصور، مع مواصلة السعي لاسترداد الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج.

إن تجربة العراق تستحق منا في موريتانيا التأمل والإنصات، واستلهام ما يصلح من إجراءاتها، في مواجهة فسادٍ ونهبٍ يتسعان في ظل تراجع هيبة الدولة، وتصاعد شعور المواطنين بأن شبكات الفساد قد أحكمت قبضتها على مفاصل الحياة العامة، حتى غدت مفردات الفساد والمفسدين تثري قاموسنا اليومي كل يوم بمصطلحات جديدة.

السيد الرئيس،

إن المهمة التي أوكلت إليكم وإلى زملائكم في السلطة الوطنية لمكافحة الفساد قادرة، إذا أُنجزت بما تستحقه من جدية واستقلالية وحزم، على وقف النزيف المتواصل في ثقة المواطنين بدولتهم. أما إذا اكتفت بالشعارات والوعود، فإنها لن تكون سوى حلقة جديدة في سلسلة التجارب التي منحت الفساد مزيدًا من الوقت لترسيخ نفوذه، حتى كاد الشعار غير المعلن يصبح: «دع الفساد يعمل… دع الفساد يمر.»

وواقعنا اليوم يذكر بما عبّر عنه الشاعر الراحل فاضل أمين في قصيدته «عروة الصعاليك» قبل نحو نصف قرن:

سبعٌ عجافٌ وفي الآفاق سنبلةٌ

فهل لرؤيا بني الشهباءِ تفسيرُ؟

لا خبزَ، لا ماءَ، لا مرعى، ولا كنفٌ

يلمُّنا، كلُّ وادينا مواخيرُ

وما تبقّى لنا في الجدب من وكنٍ

إلا السوافي، وبابُ الكهفِ مكسورُ.

السيد الرئيس،

ما يرجوه الموريتانيون منكم هو أن تمارسوا صلاحياتكم بكل صرامة وحزم، وأن تلاحقوا رؤوس شبكات الفساد، وتحاسبوا المتورطين، وتعملوا على وقف النزيف واسترداد الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، أيًا كانت الأسماء أو المواقع أو الواجهات التي تختبئ خلفها.

أما ما يخشاه الموريتانيون فهو أن تعيد السلطة من خلالكم إنتاج تجارب سابقة لم تكتفِ بالإخفاق في مكافحة الفساد، بل ألحقت بالمجتمع ضررًا نفسيًا ومعنويًا بالغًا، حين منحت الفاسدين شعورًا دائمًا بالإفلات من العقاب، وحولت الفساد، عمليًا، إلى طريقٍ للنفوذ والسلطة والجبروت.

إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة ضد أشخاص، وإنما هي معركة من أجل بقاء الدولة، وصون كرامة المواطن، واستعادة الثقة في القانون، وحماية مستقبل الأجيال القادمة.

وتفضلوا، السيد الرئيس، بقبول فائق التقدي

عبد السلام ولد حرمة

2026/07/05