
منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن مقتل المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي في غارة أميركية-إسرائيلية مشتركة يوم 28 فبراير 2026، لم تكن المسألة المطروحة أمام النظام الإيراني هي كيف يُدفن مرشده الأعلى، بل كيف يُروى موته. والفارق بين الفعلين هو بالضبط ما تكشفه هذه الجنازة الممتدة على ستة أيام وخمس مدن بعضها يعتبر مقدسة لدى الشيعة بين إيران والعراق.
من الاغتيال إلى الاستشهاد
التأخر الكبير بين الوفاة في مارس والتشييع الفعلي في يوليو لم يكن عارضاً تقنياً، بل فسحة زمنية استُثمرت لإعادة صياغة الحدث. فموت خامنئي بصاروخ أميركي-إسرائيلي، مهما كان مفاجئاً ومربكاً للنظام، يحمل بذاته مادة خام صالحة لإعادة إنتاج المعادلة الشيعية الاثني عشرية الأكثر جذرية وهي هزيمة الجسد أمام السيف لا تعني هزيمة القضية، بل هي شرط تحققها. هذا هو جوهر "الفكرة الحسينية" التي يُراد إسقاطها هنا. الدم الذي يسيل ليس عار الضعف العسكري، بل وقود الشرعية الأبدية. ومن هذا الباب، تتحول خسارة النظام الإيراني الفادحة في حرب فبراير -على المستويين العسكري والاستخباراتي- من نقطة ضعف يمكن استثمارها ضده، إلى سردية تأسيسية جديدة يُعاد فيها تعريف الهزيمة كانتصار مؤجل.
المسار الجغرافي للجنازة نفسه مصمم ليقول هذا الكلام بصرياً قبل أن يُقال خطابياً، طهران حيث مركز السلطة، فقُم حيث المرجعية الفقهية، ثم النجف وكربلاء في العراق حيث الإمامان علي والحسين، وأخيراً مشهد حيث الإمام الرضا. هذه ليست جولة توديع، بل رحلة عبور إلى صف الأئمة، محاولة لنقل خامنئي من موقعه كحاكم سياسي متنازع عليه شعبياً إلى موقع "الشهيد المتصل بسلسلة القداسة الشيعية الأثنى عشرية".
الشرعية شبه المضمونة لخلافة لم تكتمل بعد
خلف هذه الطبقة الرمزية، هناك مهمة أكثر واقعية وإلحاحاً وهي تثبيت مجتبى خامنئي في منصب المرشد الأعلى. فالابن انتُخب في مارس دون أن يظهر منذ ذلك الحين بصورة حية أو مقطع فيديو حديث، وهو غياب أثار تكهنات جدية حول وضعه الصحي وحول مدى تماسك عملية الانتقال نفسها. جنازة بهذا الحجم -بين 15 و20 مليون مشيّع بحسب تقديرات رسمية، وضيوف من مئة دولة- ليست فقط وداعاً لخامنئي، بل هي أيضاً منصة تتويج ضمنية لخليفته، حضور صورته الكبيرة إلى جانب صورتي والده والخميني في المصلى الكبير رسالة بصرية مقصودة تمنح مجتبى بالوكالة ما لم يستطع نيله بالحضور الفعلي.
بهذا المعنى، الجنازة أداة لسد فجوتين متزامنتين، فجوة الشرعية الدينية لمرشد لم يكتمل مسار تأهيله المرجعي بعد، وفجوة الثقة الشعبية لنظام خرج من حرب مدمرة وسط انقسام داخلي عميق، تجلى في احتفالات علنية في مدن إيرانية عدة عقب إعلان مقتل خامنئي، وشعارات مناهضة رفعت في الشارع نفسه الذي يراد اليوم تصويره موحداً خلف نعشه.
إعادة تموضع التيارات: من الوحدة الظاهرية إلى صراع ما بعد خامنئي
الجنازة الحاشدة تخفي، أكثر مما تُظهر، معركة داخلية على تعريف مرحلة إيران «ما بعد خامنئي». فالحرس الثوري يضغط لحسم مسألة القيادة بسرعة ووفق شروطه، بينما تبقى مؤسسات أخرى - من مجلس الخبراء إلى الرئاسة في موقع أضعف من أن تفرض بديلاً واضحاً. أسماء مثل حسن خميني وصادق لاريجاني وأعرافي وحسن روحاني طُرحت في لحظة الفراغ الأول، لكنها الآن في الظل أمام اندفاعة مجتبى خامنئي وحاضنته العسكرية-الأمنية.
لذلك هذا المشهد الجنائزي، بما يحمله من توظيف مكثف لرموز الحرس الثوري وقادته، هو في جوهره إعلان تفوق لتيار على آخر أكثر مما هو حداد جامع.
البعد الإقليمي: تجديد بيعة محور المقاومة
امتداد المراسم إلى النجف وكربلاء، بمشاركة فصائل عراقية موالية لإيران وهيئة الحشد الشعبي، ليس تفصيلاً لوجستياً بل تصريح سياسي، النظام يريد أن يُظهر أن شبكة نفوذه الإقليمية -من العراق إلى لبنان واليمن- لا تزال متماسكة رغم الضربة القاسية التي تلقاها قائدها الأعلى خامنئي في طهران وحسن نصرالله في لبنان. لذلك تبدو محاولة لإرسال رسالة طمأنة إلى الأذرع بقدر ما هي رسالة تحد إلى الخصوم، الدم لم يُضعف المحور وشبكة المحور، بل جدد بيعتها.
يبدو لي جنازة خامنئي حدث متعدد الطبقات، طقس ديني يستدعي كربلاء لتحويل هزيمة عسكرية إلى انتصار رمزي، ومسرح سياسي لتثبيت خلافة هشة، وساحة لصراع تيارات لم يُحسم بعد، ومنصة إقليمية لتجديد تماسك حلفاء إيران. متابعة هذه اللحظة تتطلب الفصل بين ما تريد طهران عرضه على العالم وبين ما يجري فعلاً تحت السطح من صراع نفوذ لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.












