تلميذنا ترامب و"عبد الرحمن" (6)- ذ محمدٌ ولد إشدو

ومن عظمائنا وأبطالنا وفتياننا الذين عرفهم وأخذ عنهم واهتدى بهديهم ترامب، حكيمُنا العظيم، وفارسُنا المغوار، وفتانا الأديب اللبيب "عبد الرحمن"!

و"عبد الرحمن" شخصيةٌ أسطورية عجيبة، وبطلٌ قومي أريب، وفارسٌ جسور، ذاع صيته في جميع أصقاع الوطن، فتناقل الناس سيرته وحِكَمه ونوادره، وإن اختلفت ألقابه باختلاف الجهات.

ولئن كان من الصعب حصر بطولات "عبد الرحمن" وحِكَمه، فإننا نكتفي في هذا المقام بذكر نماذج منها، هي بعينها التي أجاد تلميذنا ترامب تقليدها، وأبدع فيها.

1- التفاؤل المفرط والإفراط في التقدير

يُروى أن "عبد الرحمن" رأى يومًا، وقد اشتدت به المسغبة وأعياه البحث عما يسد الرمق، سيلًا هادرًا يجري في وادٍ عميق. فأطرق مليًا ثم صاح، حتى تستقر الفكرة في جميع حواسه: "هذا من الماء لا يخلو من المرق!" ثم انبرى يعب الماء عبًّا حتى أشرف على الهلاك.

وعلى خطى أستاذه، وقف تلميذنا ترامب على شواطئ الخليج وبحار العرب والعجم، وقد ألمّت ببلاده مسغبة نفطية. فأطرق مليًا، وفكر وقدّر، ثم أعلن للعالم بأعلى صوته: هذا الذي يجري في هذه البحار ليس ماءً، بل نفط... ونفطٌ لي وحدي! وهذا المضيق اللعين سيدعى من اليوم مضيق ترامب، لا مضيق هرمز". ثم اندفع، "يعب" الوهم عبًّا، ويرقص على وقع أوهامه حتى فقد الوعي، فابتلعته رمال تلك الأرض المقدسة.

2- تحويل الوهم إلى حقيقة

ويُروى أن "عبد الرحمن" عاد ذات يوم من إحدى تغريباته خالي الوفاض. فتراكض إليه أطفال الحي يطلبون "الفرحة". فقال، دفعًا لإلحاحهم: "أرأيتم تلك الشجرة الكبيرة؟ لقد تركت لكم وراءها فرحتكم."

فاندفع الأطفال نحو الشجرة مسرعين، فلما رآهم يتسابقون إليها، راودته فكرة عبقرية، فقال في نفسه: "لعل ما قلته للأطفال حق" ثم جرى يسابقهم إليها.

وغزا تلميذه ترامب إيران، وعاد بخفي حنين؛ فخرج على الإعلام يعلن أن أمريكا حققت نصرًا ساحقًا، ودمرت خصومها، وبسطت يدها على النفط والبحار والمضايق. وما إن تناقلت وسائل الإعلام تلك التصريحات حتى راودته الفكرة العبقرية نفسها، فقال في نفسه: "لعل ما قلته للإعلام حق" فأخذ يردد روايته في كل منبر، ويسابق وسائل الإعلام إلى إعلان النصر المؤزر على الأعداء.

ثم يكتشف العالم كله ببساطة، كما اكتشف أطفال الحي، أنه لم يكن خلف الشجرة شيء.

3- ورطة الاختيار

ويُروى أن "عبد الرحمن" اصطاد ليلةً صيدًا ثمينًا، فلما أحكم قبضته عليه، سمع صوت صيدٍ أفضل منه وأثمن في عرفه، فأطلق ما في يده، وانطلق وراء المجهول، فإذا به محميٌّ لا سبيل إليه، فعاد صفر اليدين: "ما رَ لَحْمَارْ، وُمَرْ آفُوكْ"

ولم يكن تلميذه أوفر منه حظًا. إذ لما غزا فنزويلا واستولى بسهولة على خيراتها النفطية الهائلة، وفوجئ برداءة نفطها وحاجته إلى معالجة باهظة الثمن، أغرته أحلام المكاسب السهلة، فتوهم أن الطريق إلى نفط الشرق الجيد لن تكون أصعب من مغامرته في فنزويلا. فترك ما ظنه مضمونًا، وشد رحاله إلى الشرق حيث ما يزال عالقا في وحله رغم مضي أزيد من أربعة أشهر من الخيبة والاستنزاف والإرباك.

4- الهروب من الواقع ومغالطة النفس

ويُروى أن "عبد الرحمن" كان يطارد فريسة في ليلة ظلماء، فسقط في بئر. وبات طوال الليل يحاول الخروج منها دون جدوى. فلما بزغ الفجر، لمعت في ذهنه حيلة عبقرية، فقال مطمئنًا: "سأنام... لعل هذا يكون حلمًا" ثم استسلم للنوم.

وها هو تلميذنا ترامب، اقتداءً بأستاذه، يُغفي بين قادة جيوشه ومستشاريه في البيت الأبيض، لعل ورطته في الشرق تكون حلمًا عابرًا!