المغرب والجزائر... قلب واحد وجسد واحد، فلماذا هذا الفراق؟- محمد المهدي

بين الرباط والجزائر، تفصل حدود رسمها المستعمر بالمسطرة والحبر، لكنها لم ولن تفصل بين القلوب التي تنبض بإيقاع واحد. 
إن الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية ليس حديثاً عن سياسات أو حكومات، بل هو حديثٌ عن دمٍ واحد، وتاريخٍ مشترك، وهوياتٍ متشابكة لا يمكن لأي جدار أن يمحوها.

المغاربة والجزائريون  ليسوا مجرد جارين؛ بل هما  شعبان أخوان يجمعهما  أغلى ما في الوجود: الدين الإسلامي الحنيف، والعروبة التي تكلل لغتهم ، والأصل العربي والأمازيغي الذي يتجذر في أعماق أرضهم إذا خَلعتَ عنهم  ثياب الحدود، لن تجد بين شاب من الدار البيضاء وآخر من وهران أي فارق. كلاهما يلبس "الجلباب" و"البرنوس"، وكلاهما يتكلم بلهجة عريية متقاربة جدا وكلاهما يعدّ طبق الكسكس يوم الجمعة، وتحتفل نساءهم بالأعياد بنفس الزغاريد، وتضرب نفس الطبول في الأفراح. إنها ثقافة واحدة رسمتها القرون، ولم تستطع سياسات التقسيم أن تشوهها.

ما يفرقهم اليوم ليس إلا أعلاماً مختلفةً، وسياسات استعماريةٍ بائدةٍ زرعت السم في الأرض لتفرق بين الأشقاء. لقد ترك لهم الاستعمار تلك "الفتنة" كي يتناحروا ، وكأنه يريد أن يثبت أن خططه نجحت. لكن الحقيقة الأكبر أن المواطن البسيط في كلا البلدين لا يكره أخاه؛ بل الإعلام المأجور وذيول الإستعمار في البلدين هي من تعيد إحياء هذه العداوة المصطنعة. أليست الفتنة نائمة؟ لعن الله من أيقظها.

ولننظر إلى العالم من حولنا، فنأخذ العبرة من أعتى الخصومات التاريخية. ألمانيا وفرنسا، اللتان كانتا رمزاً للعداوة الضارية، وخاضتا حربين عالميتين كانت الثانية منهما الأكثر دموية في تاريخ البشرية. فلا شيء يجمعهما لا لغة واحدة، ولا عرق، ففرنسا تتحدث بلغة لاتينية، وأصولهم إفرنجية وألمانيا تتحدث بلغة جرمانية. وأصولهم جرمانية ولا مذهب ديني واحد يجمعهما بل تباين مذهبي واضح. ورغم كل هذا الثقل التاريخي، جلسوا معاً في الاتحاد الأوروبي، وفتحوا الحدود، وأصبح جواز سفرهم موحداً، ونسوا جراح الماضي من أجل مستقبل مشترك. فإذا كان أولئك، وهم مختلفون في كل شيء، استطاعوا تجاوز المحن، فكيف بنا نحن إخوة الدين واللغة والعرق وحتى المذهب الواحد وهو المذهب المالكي السني، ألا نستطيع تجاوز خلافات سياسية لا تمثل شعوبنا؟

أكثر من ذلك، لو سافر شاب مغربي أو جزائري إلى أي بلد بعيد في آسيا أو أمريكا، أوحتى بلد قريب من الدول المغاربية الأخرى فلن يستطيع أحد أن يميز بينهما؛ فالنبرة وإن اختلفت قليلا ، فلن يميزها إلا سكان البلدين،  والجذور والملامح واحدة. هم هناك إخوة غرباء يجمعهم الشوق للوطن الأم، فكيف يختلفون  هنا على أرضهم.

إن استمرار هذا القطيعة لا مبرر له البتة، وقضية الصحراء وإن كانت إحدى أسباب الخلاف بين الدولتين إلا أني شخصيا أرى أنها لايمكن ولاينبغي أن تبقى سببا دائما للقطيعة بين شعبينا،، يجب أن توضع على الطاولة وتناقش لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف.

المغرب والجزائر بحاجة إلى بعضهما البعض لبناء قوة مغاربية تضاهي الكيانات العالمية، وهما القطبين الأكبر في الدول المغاربية من ناحية كثافة سكانهما ومن الناحية الاقتصادية، فالمغرب دولة صناعية متطورة والجزائر تملك ثروات باطنية كبيرة من الغاز والبترول ، واتحاد هاتين الدولتين في مصلحة دول الجوار،  وخلافهما تتأثر به تلك الدول إيجابا وسلبا، لا للفتنة، لا للحقد، لا للصراع الإعلامي الحقير الذي يتغذى على كل مباراة كرة قدم. فلتفتح الحدود أمام العائلات، وليتعاون الجميع ، ولتعبر الأفكار، ولنتذكر دائماً أن ما جمعه الله من رحم الإسلام والأخوة في النسب  يجب أن لا يفرقنا الطواغيت المستعمرون.

دعوا الفتنة نائمة، وأفيقوا على صوت الأخوة. فقد آن الأوان أن تعودوا  لتكونوا كما كنتم بيتاً واحداً، وجسداً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.