الإنفاق على التعليم.. فهل آن أوان الاستثمار الحقيقي في الإنسان؟- الدكتور عبد الله حمدي

في خضم النقاشات الوطنية حول الإصلاح والتنمية، يظل سؤال التعليم هو السؤال الأكبر، لأنه يتعلق بمستقبل الدولة لا بحاضرها فقط. فالتعليم ليس خدمة اجتماعية تقدمها الحكومة للمواطنين، وإنما هو الاستثمار الأكثر ربحًا، والأكثر قدرة على صناعة الثروة، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز السلم الأهلي.

 

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي جعلت التعليم في صدارة أولوياتها استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول من دول نامية إلى اقتصادات عالمية مؤثرة. أما الدول التي انشغلت ببناء الحجر أكثر من بناء الإنسان، فقد اكتشفت أن الأبراج والطرق لا تستطيع وحدها أن تصنع التنمية أو تحافظ على الاستقرار.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع:

هل نعطي التعليم في موريتانيا المكانة التي يستحقها في سياساتنا العامة وفي أولويات الإنفاق؟

أرقام تستحق التأمل:

بلغت ميزانية وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي في موريتانيا لسنة 2026 حوالي 12.06 مليار أوقية جديدة، أي ما يمثل نحو 9.4% من إجمالي الميزانية العامة للدولة.

ورغم أن هذه الميزانية شهدت تحسنًا مقارنة بالسنوات الماضية، فإنها ما تزال دون مستوى الطموحات التي يفرضها النمو الديمغرافي، والتوسع المستمر في أعداد التلاميذ، ومتطلبات إصلاح المنظومة التعليمية.

وعند مقارنة هذه النسبة ببعض الدول المجاورة، تتضح الصورة بصورة أكبر:

• السنغال تخصص نحو 14% من ميزانيتها العامة للتعليم، وهو من أعلى معدلات الإنفاق في غرب إفريقيا.

• المغرب يوجه حوالي 12.8% من ميزانيته العامة للتعليم، كما يتجاوز إنفاقه على القطاع 7% من الناتج المحلي الخام.

• الجزائر تخصص حوالي 10.5% من ميزانيتها العامة للتعليم، بما يعادل 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

• أما موريتانيا فما تزال عند حدود 9.4%.

ولا تهدف هذه المقارنة إلى التقليل من الجهود المبذولة، وإنما إلى إبراز حجم التحدي، والتنبيه إلى أن التعليم ما يزال بحاجة إلى أولوية أكبر في السياسات العمومية.

الإصلاح.. يحتاج إلى تمويل وإدارة :

لقد شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة جهودًا مشكورة، تمثلت في بناء مؤسسات تعليمية جديدة، وتحسين نسبي في ظروف المدرسين، واعتماد القانون التوجيهي لإصلاح التعليم. غير أن نجاح هذه الإصلاحات يبقى مرهونًا بتوفير الموارد المالية الكافية، وحسن إدارتها، وربطها بمؤشرات أداء واضحة.

فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإصدار القوانين وحدها، بل بقدرة الدولة على تمويلها وتنفيذها ومتابعة نتائجها.

أولويات لا تحتمل التأجيل:

 

إذا أردنا مدرسة عمومية قوية قادرة على المنافسة، فإن الأولويات أصبحت واضحة:

• تحسين أوضاع المدرسين ماديًا ومهنيًا.

       • خلق جهاز إداري كفء وإلزام المديرين الحاليين بدورات متخصصة في التسيير تنتهي بامتحان يحدد مستقبل العلاقة معهم. 

• تكوين مستمر للمدرسين و رؤساء المصالح الإدارية وفق أحدث الأساليب التربوية والتنظيمية .

• بناء المدارس وصيانتها وتوسيع البنية التحتية التعليمية.

• توفير الكتاب المدرسي والوسائل الرقمية.

• رقمنة الإدارة التعليمية وربطها بمؤشرات الأداء.

• دعم التعليم في المناطق الريفية والهشة ( آدوابه).

• تطوير تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة.

• مراجعة السياسة اللغوية في تدريس اللغات الأجنبية بما يحقق مخرجات تعليمية أفضل، ويضمن الاستخدام الأمثل للموارد المالية والبشرية.

كما أصبح من الضروري منح الإدارات الجهوية صلاحيات أوسع، مع ربط التمويل بالنتائج، واعتماد تقييم دوري للأداء، حتى تصبح الجودة معيارًا لتخصيص الموارد.

الاستثمار في الإنسان… لا في الحجر:

إن الأمم لا تُقاس بما تملكه من مبانٍ شاهقة، وإنما بما تمتلكه من عقول مبدعة. فكل مدرسة جيدة تُبنى اليوم، وكل معلم يُؤهَّل، وكل طفل يحصل على تعليم نوعي، هو مشروع مهندس أو طبيب أو باحث أو رائد أعمال يسهم في بناء اقتصاد الغد.

ولهذا فإن رفع الإنفاق على التعليم ينبغي أن يكون هدفًا استراتيجيًا تتدرج الدولة في تحقيقه، مع ضمان أعلى درجات الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد، حتى يصبح كل مبلغ يُصرف على التعليم استثمارًا حقيقيًا في التنمية.

وخلاصة القول انه آن الأوان لأن ننتقل من النظر إلى التعليم باعتباره بندًا من بنود الإنفاق، إلى اعتباره أعظم استثمار وطني. فالدول تبنى بالعلم، والاقتصادات تزدهر بالكفاءات، والأوطان القوية تبدأ دائمًا من مدرسة متميزة.

-------

*رئيس مركز الضياء الكندي للدراسات العربية
كالغري- كندا