التمويل المناخي في المساهمة الوطنية المحددة الثالثة: استثمار في مستقبل موريتانيا- سيدي المختار كواد

أصبحت قدرة الدول على تعبئة التمويل المناخي عاملاً حاسماً في نجاح سياساتها البيئية والتنموية. فالتحدي لم يعد يقتصر على وضع أهداف للتخفيف (Atténuation) من الانبعاثات أو تعزيز التكيف (Adaptation) مع آثار التغير المناخي، بل يمتد إلى توفير الموارد المالية اللازمة لتحويل هذه الأهداف إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، تبرز المساهمة الوطنية المحددة الثالثة لموريتانيا (CDN3.0) بوصفها وثيقة تجمع بين الطموح المناخي والرؤية الاستثمارية، إذ تقدم تصوراً لكيفية توجيه الاستثمارات نحو الطاقة، والزراعة، والمياه، والبنية التحتية، والقطاعات الاجتماعية من أجل بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود خلال الفترة 2025-2035[1].

وتقدر الوثيقة احتياجات التمويل الإجمالية بنحو 18.09 مليار دولار أمريكي، منها 2.45 مليار دولار تمويلاً غير مشروط، بينما يبلغ التمويل المشروط المرتبط بتعبئة الموارد الدولية والشراكات وآليات التمويل المناخي نحو 15.64 مليار دولار[1]. ويعكس هذا التوزيع إدراكاً واضحاً لحجم المتطلبات المالية اللازمة لتنفيذ الطموحات المناخية، كما يعكس في الوقت نفسه التزاماً وطنياً بالمساهمة في هذا المسار وعدم ربط جميع الالتزامات بالتمويل الخارجي[1].

وتكشف قراءة بنية التمويل المقترحة أن الوثيقة تتعامل مع المناخ بوصفه قضية تنموية شاملة. فقد خُصص أكثر من 12 مليار دولار لمجال التخفيف (Atténuation) من الانبعاثات، ويرتبط الجزء الأكبر من هذا المبلغ بمشروعات الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية الكهربائية، وتحسين كفاءة الطاقة، واستغلال الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها موريتانيا في مجالي الطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب إجراءات أخرى تشمل الزراعة، واستخدامات الأراضي والغابات، والنفايات، والعمليات الصناعية[1]. ويعني ذلك أن الاستثمار المناخي المقترح لا يهدف فقط إلى تقليص الانبعاثات، بل يسعى أيضاً إلى دعم الأمن الطاقوي، وخلق فرص اقتصادية جديدة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون[3].

وعلى الرغم من أهمية جهود التخفيف (Atténuation)، فإن الوثيقة تمنح التكيف (Adaptation) مكانة مركزية، إذ تقدر احتياجاته التمويلية بنحو 5.81 مليار دولار[1]. ويأتي هذا الاهتمام انسجاماً مع طبيعة التحديات المناخية التي تواجه موريتانيا، خاصة في مجالات المياه، والزراعة، وتدهور الأراضي، والظواهر المناخية المتطرفة[3]. وتشمل برامج التكيف (Adaptation) المقترحة قطاعات حيوية مثل الزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والموارد المائية، وحماية النظم البيئية والتنوع البيولوجي، والصيد البحري، والصحة، والإسكان والتعمير وتهيئة المجال الترابي، والبنية التحتية والوقاية من المخاطر المناخية[1]. ويعكس هذا الاتساع في مجالات التدخل توجهاً نحو بناء قدرة وطنية شاملة على الصمود.

ومن أبرز ما يميز هذه النسخة من المساهمة الوطنية المحددة اهتمامها بالقضايا العابرة للقطاعات، فقد تضمنت محوراً يتعلق بالتعليم والتشغيل، إضافة إلى محور يربط بين التغير المناخي والتنقل البشري والأمن[1]. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن آثار التغير المناخي تتجاوز الجانب البيئي لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وهو ما يجعل العمل المناخي جزءاً من سياسات التنمية والاستقرار.

ويمكن قراءة طلبات التمويل الواردة في الوثيقة باعتبارها رسالة سياسية واقتصادية موجهة إلى المجتمع الدولي. فموريتانيا تؤكد محدودية مساهمتها في الانبعاثات العالمية، وفي الوقت نفسه تعبر عن استعدادها للمشاركة في الجهد الدولي لمواجهة التغير المناخي، مستندة إلى ما تمتلكه من إمكانات واعدة في مجال الطاقة المتجددة. كما تبرز الوثيقة أهمية بناء نظام وطني للقياس والإبلاغ والتحقق، وتقوية القدرات المؤسسية، وتحسين التنسيق بين القطاعات، وهي عناصر من شأنها دعم تنفيذ البرامج المناخية وتعزيز فرص الاستفادة من آليات التمويل الدولي[1][5][6].

وتتطلب هذه الرؤية تعزيز الجهود الوطنية في مجال إعداد البرامج والمشاريع القابلة للتمويل والتنفيذ، بما ينسجم مع حجم الطموحات الواردة في الوثيقة. كما يبرز في هذا السياق أهمية مواصلة تطوير آليات المتابعة والتقييم، وتعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص والمجموعات المحلية والمجتمع المدني، بما يسهم في تعبئة الموارد وتحسين فعالية تنفيذ السياسات المناخية[5][6].

إن المساهمة الوطنية المحددة الثالثة لموريتانيا تقدم رؤية تجعل التمويل المناخي أداة لتحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لا مجرد وسيلة لتنفيذ التزامات دولية[1]. فهي تسعى إلى تعبئة الاستثمارات اللازمة لتعزيز الأمن الطاقوي، ودعم التكيف (Adaptation) مع التغير المناخي، وتحسين ظروف عيش السكان، وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة[1][3]. وبهذا المعنى، تمثل طلبات التمويل الواردة في CDN3.0 فرصة لإعادة توجيه مسار التنمية نحو نموذج قادر على الجمع بين النمو الاقتصادي، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز صمود المجتمع أمام التحديات المناخية المتزايدة[1][3].

المصادر

[1] اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، Mauritania NDC 3.0، وثيقة المساهمة الوطنية المحددة الثالثة للجمهورية الإسلامية الموريتانية، منشورة ضمن السجل الرسمي للمساهمات الوطنية المحددة، تاريخ الإيداع: 28 أكتوبر 2025، متاحة على:

 https://unfccc.int/fr/node/650901

[2] اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، اتفاق باريس، 2015، متاح على:

 https://unfccc.int/process-and-meetings/the-paris-agreement

[3] الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تقرير التقييم السادس – التقرير التجميعي (AR6 Synthesis Report)، 2023، متاح على:

 https://www.ipcc.ch/report/ar6/syr/

[4] برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، تقرير فجوة الانبعاثات 2024 (Emissions Gap Report 2024)، 2024، متاح على:

 https://www.unep.org/resources/emissions-gap-report-2024

[5] البنك الدولي، Mauritania Country Climate and Development Report، 2024، متاح على:

 https://www.worldbank.org/en/country/mauritania/publication/mauritania-country-climate-and-development-report

[6] صندوق المناخ الأخضر (Green Climate Fund - GCF)، Policies and Guidelines، متاح على:

 https://www.greenclimate.fund/document/policies-guidelines