موريتانيا: كنز الصحراء الذي يجهله العالم

في وقت باتت فيه معظم الوجهات السياحية العالمية تعج بالزوار، لا تزال موريتانيا تحتفظ بمكانتها كواحدة من أكثر دول العالم غموضًا وأقلها استقبالًا للسياح. فهذه البلاد، التي تمتد على مساحة شاسعة يغطي الصحراء الكبرى نحو تسعين في المائة منها، تبدو وكأنها تخفي بين كثبانها الرملية كنوزًا طبيعية وتاريخية لم تنل بعد ما تستحقه من اهتمام.

ورغم أن اسم موريتانيا ارتبط لسنوات في أذهان كثيرين بصعوبة السفر إليها وقلة الخدمات السياحية، فإن الواقع يروي قصة مختلفة. فالبلاد تعيش حالة من الاستقرار الأمني منذ أكثر من عقد، بينما تواصل فتح أبوابها أمام عشاق المغامرة والباحثين عن تجارب سياحية أصيلة، بعيدًا عن الوجهات التقليدية المزدحمة.

كانت هذه الصورة هي الدافع وراء رحلة استكشافية امتدت ثلاثة أسابيع، جابت خلالها طرق موريتانيا الطويلة باستخدام الحافلات وسيارات الدفع الرباعي، من أقصى الشمال إلى عمق الصحراء، في رحلة كشفت عن بلد يجمع بين عراقة التاريخ، وقسوة الطبيعة، وكرم الإنسان.

من الساحل تبدأ الحكاية

عند دخول موريتانيا من جهة الصحراء الغربية، تستقبل مدينة نواذيبو الزائر باعتبارها البوابة الشمالية للبلاد وثاني أكبر مدنها. ولا يحتاج القادم إليها إلى وقت طويل حتى يدرك أن البحر هو نبض هذه المدينة وحياتها اليومية.

فبفضل تيار الكناري الذي يجلب المياه الغنية بالعناصر الغذائية إلى السواحل الموريتانية، أصبحت المنطقة واحدة من أغنى مصائد الأسماك في العالم. آلاف القوارب الخشبية تصطف في الميناء بانتظار الإبحار، في مشهد يكاد يبدو لوحة بحرية متحركة، حتى إن كثافتها أصبحت مرئية عبر صور الأقمار الصناعية.

ولا تقتصر أهمية نواذيبو على نشاطها الاقتصادي فحسب، بل تمثل أيضًا أول نافذة يطل منها الزائر على طبيعة المجتمع الموريتاني، حيث تمتزج الحياة البسيطة بحركة الصيادين والأسواق الشعبية، في صورة تعكس ارتباط السكان الوثيق بالبحر.

ومن نواذيبو، تمتد الرحلة جنوبًا نحو العاصمة نواكشوط، على طريق طويل يخترق الصحراء. ومع الاقتراب من المدينة، يبرز مشهد غير مألوف؛ فالعاصمة تبدو وكأنها خرجت فجأة من قلب الرمال، حيث تتجاور المباني الحديثة مع الشوارع الرملية التي ما زالت تمنح المكان هويته الصحراوية الأصيلة.

ورغم أنها تضم أكثر من ثلث سكان البلاد، تحتفظ نواكشوط بطابعها الهادئ والبسيط. فالحياة فيها تسير بإيقاع مختلف، بعيدًا عن صخب المدن الكبرى، بينما يلفت انتباه الزائر ما يعرف به الموريتانيون من حسن استقبال وضيافة.

ولعل أكثر ما يجسد هذه الروح الإنسانية موقف بسيط قد يبدو عابرًا، لكنه يحمل دلالة عميقة؛ إذ توقف أحد السائقين ليعرض إيصال أحد الزوار إلى وجهته، قبل أن يرفض تقاضي أي مقابل، مؤكدًا أن رغبته الوحيدة كانت التعرف إلى انطباع ضيف أجنبي عن بلاده. وهي لحظة تختصر جانبًا من الشخصية الموريتانية التي تضع الكرم في مقدمة قيمها.

"الإبل".. أكثر من مجرد وسيلة نقل

لا يبتعد الزائر كثيرًا عن العاصمة حتى يكتشف أن الإبل لا تزال تشكل جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في موريتانيا. فهذه الحيوانات ليست مجرد إرث من الماضي، بل عنصر حاضر في الاقتصاد والثقافة وحتى في الحياة الاجتماعية.

ويُعد سوق "بيلا" للإبل، الواقع شرق نواكشوط، ثاني أكبر سوق من نوعه في إفريقيا، حيث تتوافد إليه مئات الجمال يوميًا، ويقصده التجار من مختلف أنحاء البلاد لإتمام صفقات البيع والشراء. أما في المناطق الصحراوية النائية، فما زالت الإبل تؤدي أدوارًا متعددة، من توفير الغذاء إلى المساعدة في التنقل، بل وحتى في دوريات حرس الحدود داخل المناطق الوعرة.

غير أن هذه المشاهد لم تكن سوى بداية الرحلة. فكلما اتجه الطريق شرقًا، أخذت ملامح موريتانيا التاريخية في الظهور، لتقود المسافر نحو مدن عريقة كانت يومًا من أهم محطات القوافل التجارية العابرة للصحراء، وحاضنات للعلم والثقافة في العالم الإسلامي.

وكلما ابتعدت الرحلة عن الساحل واتجهت شرقًا، بدا أن الزمن يسير في الاتجاه المعاكس. فالطريق الطويل، المعروف باسم "طريق الأمل"، لا يربط المدن الموريتانية ببعضها فحسب، بل يصل الحاضر بماضٍ ازدهرت فيه القوافل التجارية التي كانت تعبر الصحراء الكبرى محملة بالملح والذهب والمخطوطات.

ويمتد هذا الطريق لأكثر من ألف كيلومتر حتى مدينة النعمة، آخر المراكز الحضرية الكبرى في شرق البلاد، في رحلة تستغرق أكثر من يوم كامل. وعلى امتداد الطريق، لا تغيب ملامح الحياة الصحراوية؛ فالحافلات تتوقف عند أوقات الصلاة، بينما لا يجد المسافرون حرجًا في افتراش الرمال لقضاء الليل تحت سماء تتلألأ فيها نجوم الصحراء، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسفار القوافل القديمة.

ومن النعمة تبدأ المرحلة الأخيرة نحو مدينة ولاتة، عبر سيارات الدفع الرباعي التي تشق طرقًا رملية لا تزال الطبيعة تفرض فيها قوانينها. وبعد ساعات من السير وسط كثبان لا نهاية لها، تلوح المدينة كأنها جزيرة عمرانية وسط بحر من الرمال.

"ولاتة" ... مدينة قاومت العزلة

تُعد ولاتة واحدة من أقدم المدن التاريخية في موريتانيا، وإحدى المدن الأربع المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. وقد ازدهرت لقرون طويلة باعتبارها محطة رئيسية على طرق التجارة العابرة للصحراء، حيث كانت تستقبل القوافل القادمة من شمال إفريقيا والمتجهة نحو أعماق القارة.

ورغم أن المدينة فقدت كثيرًا من دورها التجاري بعد تغير مسارات القوافل وإغلاق بعض المعابر الحدودية، فإنها لا تزال تحتفظ بروحها التاريخية. وتلفت الأنظار منازلها المشيدة بالطين الأحمر، والمزينة بزخارف هندسية دقيقة، أبدعتها نساء المدينة جيلاً بعد جيل، لتتحول الجدران إلى لوحات فنية تحكي تاريخ المكان.

غير أن هذا الإرث يواجه تحديات حقيقية. فضعف النشاط الاقتصادي دفع كثيرًا من الشباب إلى الهجرة نحو العاصمة ومدن أخرى بحثًا عن فرص العمل، تاركين خلفهم بيوتًا تاريخية بدأت آثار الزمن تظهر عليها شيئًا فشيئًا.

لكن القيمة الحقيقية لولاتة لا تقتصر على عمارتها التقليدية، بل تمتد إلى كنز ثقافي نادر يتمثل في آلاف المخطوطات القديمة التي حفظتها العائلات داخل منازلها على مدى قرون.

فعلى خلاف ما هو مألوف في كثير من البلدان، لم تتولَّ مؤسسات رسمية أو مكتبات وطنية مهمة الحفاظ على هذا التراث، بل قامت الأسر نفسها بحماية هذه الوثائق جيلاً بعد جيل، مدركة قيمتها العلمية والتاريخية.

وتضم هذه المخطوطات مؤلفات في الفقه واللغة والتاريخ والفلك والطب، كما توثق جانبًا مهمًا من الحركة العلمية التي شهدتها المنطقة خلال العصور الإسلامية، حين كانت مدن الصحراء مراكز إشعاع فكري تستقطب العلماء وطلاب العلم.

"شنقيط"... المدينة التي صنعت مجد الصحراء

ومن ولاتة، تعود الرحلة مجددًا إلى نواكشوط قبل أن تتجه شمالًا نحو واحدة من أشهر المدن الإسلامية في إفريقيا، وهي مدينة شنقيط.

وعلى امتداد الطريق المؤدي إليها، تتغير تضاريس الصحراء تدريجيًا؛ فالهضاب الصخرية تحل محل الكثبان الرملية، قبل أن تظهر المدينة فجأة بين الرمال، وكأنها ترفض أن تستسلم لزحف الصحراء الذي يحيط بها من كل جانب.

تأسست شنقيط قبل أكثر من ألف عام، لكنها بلغت أوج ازدهارها خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، عندما أصبحت محطة رئيسية للقوافل التجارية ومركزًا علميًا بارزًا في العالم الإسلامي. ومن هنا اكتسبت مكانتها التاريخية، حتى لُقبت بـ"مدينة العلماء". 

ولا يزال مسجدها العتيق، بمنارته الحجرية البسيطة، شاهدًا على تلك الحقبة. ويُعد من أقدم المساجد التي ما زالت تؤدي رسالتها الدينية حتى اليوم، كما يمثل أحد أبرز المعالم الإسلامية في موريتانيا.

وإذا كانت شنقيط قد اشتهرت بالعلم، فإن مكتباتها الخاصة تمثل قلب هذا الإرث الحضاري. فبين أزقة المدينة القديمة، لا تزال عشرات العائلات تحتفظ بمجموعات نادرة من المخطوطات التي تتناول علوم الدين والطب والفلك والرياضيات والأدب والقانون.

ورغم ما تعرضت له المدينة من هجرات وزحف للرمال عبر العقود، نجحت مبادرات محلية ودولية في ترميم عدد من هذه المكتبات، للحفاظ على ما تبقى من هذا التراث الإنساني الفريد.

واليوم، يفتح أصحاب تلك المكتبات أبوابهم للزوار، لا لعرض مخطوطات نادرة فحسب، بل لسرد تاريخ مدينة كانت يومًا منارة للعلم، قبل أن تصبح إحدى أجمل الشواهد الحية على حضارة الصحراء.

"واحة" في قلب الصحراء

بعد مئات الكيلومترات من التنقل بين المدن التاريخية والطرق الصحراوية، تتغير ملامح المشهد مرة أخرى. فوسط الامتداد اللامتناهي للرمال، تظهر الواحات كاستراحة طبيعية تمنح الحياة للصحراء، حيث تمتزج خضرة أشجار النخيل بصفاء الينابيع، في تناقض يبرز قدرة الطبيعة على فرض حضورها حتى في أكثر البيئات قسوة.

ومن بين هذه الواحات، تبرز "واحة ترجيت" ، الواقعة على بعد نحو 45 كيلومترًا جنوب مدينة أطار، بوصفها واحدة من أشهر الواحات الموريتانية وأكثرها جذبًا للزوار. وتحيط بها التكوينات الصخرية من جهاتها المختلفة، فيما تتوزع أشجار النخيل حول ينابيع المياه العذبة التي جعلت منها محطة استراحة للقوافل والمسافرين منذ قرون. وبعيدًا عن حرارة الصحراء، توفر الواحة بيئة مختلفة تمامًا؛ إذ تمنح ظلال النخيل وبرودة المياه شعورًا بالسكينة. 

وتجسد واحة ترجيت هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان والصحراء؛ فمنذ مئات السنين، كانت ملاذًا للقوافل والعلماء والرحالة الذين وجدوا فيها فرصة للراحة قبل مواصلة أسفارهم، ولا تزال تحتفظ بهذا الدور حتى اليوم، حيث يقصدها الزوار للاستمتاع بهدوئها واكتشاف أحد أجمل المشاهد الطبيعية في موريتانيا. 

رابط المقال: 

https://www.google.com/amp/s/www.bbc.com/afrique/art