علوم البرمجة وتأمين صعود الاقتصاد الموريتاني- أحمد المختار ولد أعبيدي

بقلم:

البرمجيات... الثروة التي لا تنضب

عندما نتحدث عن الثروات الوطنية، يتجه التفكير تلقائياً إلى الحديد والذهب والنحاس والغاز والثروة السمكية. وهي بلا شك موارد استراتيجية تمثل ركائز مهمة للاقتصاد الوطني. لكن العالم يشهد اليوم تحولاً عميقاً في مفهوم الثروة، فلم تعد الموارد الطبيعية وحدها هي التي تحدد قوة الدول، بل أصبحت المعرفة والابتكار والقدرة على إنتاج التكنولوجيا هي المعيار الحقيقي لقياس النفوذ الاقتصادي.

إن البرمجيات هي الثروة الوحيدة التي لا تنضب بالاستهلاك، بل تزداد قيمتها كلما انتشر استخدامها. فمن الممكن أن يطور فريق صغير من المبرمجين برنامجاً واحداً يستخدمه ملايين الأشخاص حول العالم، ويحقق عائدات تفوق ما تنتجه مصانع ضخمة أو حقول كاملة من الموارد الطبيعية.

وهنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في موريتانيا: هل نريد أن نبقى مستوردين لهذه الثروة الرقمية، أم نصبح جزءاً من صناعتها؟

الاقتصاد العالمي يعاد تشكيله

شهد العقدان الأخيران ظهور شركات لم تكن تمتلك مناجم ولا مزارع ولا حقول نفط، لكنها أصبحت من أكبر اقتصادات العالم لأنها استثمرت في البرمجيات والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية.

لقد أصبحت الشيفرة البرمجية سلعة اقتصادية، وأصبحت الخوارزميات أصولاً مالية، وأصبحت البيانات مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطاقة والمعادن.

ولذلك فإن الدول التي لا تساهم في إنتاج البرمجيات ستكون مضطرة دائماً إلى شراء الحلول التقنية، ودفع تكاليف التراخيص، والاعتماد على الخبرات الأجنبية في تشغيل وتطوير أنظمتها الحيوية.

السيادة الرقمية تبدأ من المبرمج

لا يمكن الحديث عن سيادة رقمية حقيقية إذا كانت الأنظمة الحكومية، والمنصات الوطنية، وقواعد البيانات، والتطبيقات الاستراتيجية تعتمد بالكامل على حلول أجنبية أو على خبرات خارجية.

فالسيادة الرقمية ليست شعاراً سياسياً، وإنما قدرة الدولة على تصميم وإدارة وتأمين بنيتها المعلوماتية بنفسها.

وعندما تمتلك الدولة آلاف المهندسين والمبرمجين القادرين على تطوير الأنظمة الوطنية، فإنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة أكبر على حماية بياناتها، وتطوير خدماتها، وتقليل تكاليفها، وتسريع تحولها الرقمي.

ومن هنا فإن الاستثمار في تعليم البرمجة ليس إنفاقاً تعليمياً فحسب، بل هو استثمار في الأمن الوطني، وفي الاستقلال الاقتصادي، وفي بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.

موريتانيا... فرصة تاريخية لا ينبغي أن تضيع

تمتلك موريتانيا ميزة قد لا يدركها كثيرون، وهي أن اقتصادها الرقمي ما يزال في بداياته. وهذا يعني أن الفرصة ما تزال قائمة لبناء نموذج وطني حديث دون الحاجة إلى تفكيك أنظمة قديمة معقدة كما هو الحال في العديد من الدول.

فالدولة بصدد رقمنة الخدمات العمومية، والمؤسسات المالية تتوسع في الخدمات الإلكترونية، والهواتف الذكية أصبحت منتشرة على نطاق واسع، والإنترنت يصل تدريجياً إلى مختلف الولايات.

كل هذه المعطيات تجعل الطلب على البرمجيات في ازدياد مستمر.

والسؤال ليس: هل سنحتاج إلى المبرمجين؟

بل السؤال الحقيقي هو: هل سنكون مستعدين لتلبية هذا الطلب بكفاءات وطنية، أم سنظل نستورد الحلول والخبرات من الخارج؟

من التعليم إلى الصناعة

لا يكفي أن نُدرّس البرمجة كمادة دراسية معزولة، بل ينبغي أن تتحول إلى صناعة وطنية متكاملة.

ويبدأ ذلك من المدرسة، حيث يتعلم الطفل التفكير المنطقي، ثم ينتقل إلى الجامعة لتطوير مهاراته التقنية، ثم يجد بعد التخرج حاضنات أعمال، وصناديق تمويل، وشركات ناشئة، ومراكز بحث، وأسواقاً تستوعب منتجاته.

إن الدول التي نجحت في الاقتصاد الرقمي لم تبدأ ببناء الأبراج الذكية، وإنما بدأت ببناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة.

البرمجيات ليست وظيفة... إنها صناعة

كثير من الشباب يعتقد أن تعلم البرمجة هدفه الوحيد الحصول على وظيفة في شركة.

لكن الحقيقة أن البرمجة اليوم أصبحت صناعة عالمية قائمة بذاتها.

فالمبرمج يستطيع أن يؤسس شركة ناشئة، أو يعمل عن بعد مع مؤسسات دولية، أو يبيع تطبيقاته، أو يطور حلولاً للمؤسسات الحكومية، أو يقدم خدمات الأمن السيبراني، أو يعمل في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإنترنت الأشياء.

إنها مهنة لا تحدها الجغرافيا، ولا تقيدها الحدود، ولا تعتمد على الموارد الطبيعية، وإنما تعتمد على المعرفة والإبداع والانضباط.

الاستثمار الحقيقي

في كثير من الأحيان ننفق الملايين على شراء البرمجيات الأجنبية، بينما لو استثمر جزء بسيط من تلك المبالغ في تكوين الشباب الموريتاني، لكان بالإمكان إنتاج نسبة معتبرة من هذه الحلول محلياً.

وليس المقصود هنا الانغلاق عن العالم، وإنما بناء شراكات تقوم على نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وتمكين الكفاءات الوطنية من قيادة المشاريع الرقمية.

فالاستثمار في الإنسان يبقى أعلى عائداً من الاستثمار في أي أصل مادي.

رؤية للمستقبل

أتطلع إلى اليوم الذي تصبح فيه موريتانيا مركزاً إقليمياً لتطوير البرمجيات والخدمات الرقمية في غرب إفريقيا، وأن تصبح شركاتنا الناشئة مصدراً للحلول التقنية التي تستخدمها الحكومات والمؤسسات في المنطقة.

هذا الهدف ليس حلماً بعيد المنال، بل مشروعاً وطنياً يحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية، واستثمار مستمر في التعليم، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والبنية التحتية الرقمية.

إن الأمم لا تتقدم بما تملكه من ثروات فقط، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل تلك الثروات إلى قيمة مضافة.

ولعل أهم مورد يمكن أن تراهن عليه موريتانيا في العقود القادمة ليس ما يوجد تحت الأرض، بل ما يوجد في عقول شبابها.

فإذا نجحنا في صناعة جيل من المبرمجين والمهندسين والعلماء ورواد الأعمال، فإننا لن نكون قد طورنا قطاعاً تقنياً فحسب، بل سنكون قد وضعنا الأساس لاقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه المعرفة هي العملة الأغلى، والبرمجيات هي الصناعة الأسرع نمواً، والابتكار هو الطريق الأقصر نحو التنمية المستدامة.