دولة المؤسسات: البديل المستدام- سيدى محمد التهامى

بين الدعاية والإنجاز: عندما يتحوّل الواجب إلى منّة

تشهد الساحة العمومية الوطنية، في الآونة الأخيرة، زخماً إعلامياً واستعراضياً غير مسبوق؛ حملات متواصلة عبر الإذاعات والشاشات وشبكات التواصل الاجتماعي، ترافقها مهرجانات، وجمعيات، وأناشيد، ومكبرات صوت يتردد صداها من النعمة إلى نواذيبو، ومن انجاكو إلى بير أم اكرين. مشهد يمتدّ ليشغل المجال العام بأكمله، حيث يُقدَّم هذا الحشد الفلكلوري بوصفه احتفاءً بـ "الإنجازات التنموية"، أو بالأحرى، كدعوة قسرية للجماهير كي تقتنع وتؤمن بتلك الإنجازات.

ليس الهدف هنا إنكار وجود منجزات أو التشكيك فيها؛ فذلك يتجاوز جوهر هذا الطرح. وإنما يفرض نفسه سؤال أكثر عمقاً وحرجاً: لماذا يحتاج الإنجاز الحقيقي إلى كل هذا القدر من الضجيج؟

إن الإنجاز الأصيل الذي يلامس حياة المواطن اليومية يفرض حضوره بتأثيره الملموس، ويستمد شرعيته من وقائع الميدان لا من كثافة الحملات الدعائية. بل إن المرء ليساوره شك مشروع: هل تجاوزت الكلفة المادية والتنظيمية لهذا الحشد الاستعراضي كلفة الإنجازات المفتخر بها نفسها؟

من السؤال المالي إلى المأزق الأخلاقي

غير أن السؤال الأكثر أهمية يظل سؤالاً سياسياً وأخلاقياً قبل أن يكون محاسبياً:

  • هل أنكر أحدٌ هذه الإنجازات حتى تستنفر الدولة مؤسساتها لإقامة الحجة على الناس؟
  • أم أن الغاية هي استبدال "الواجب الدستوري" بـ "المنّة السياسية"، وإيهام المواطن بأن حصوله على حد أدنى من الخدمات الأساسية هو تفضّلٌ يستوجب الامتنان، وليس حقاً أصيلاً تكفله المواطنة؟

إن الدولة لا تنفق على المواطن من الخزانة الخاصة للحاكم، ولا من ميزانية حزب، ولا من عطايا نخبة نافذة؛ بل تُدار هذه المشاريع من المال العام الناجم عن ضرائب الشعب وموارده الطبيعية وثرواته الوطنية المملوكة للجميع.

ومن ثمّ، فإن مدّ طريق، أو تشييد مستشفى، أو بناء مدرسة، أو توفير شبكة مياه، ليس هبةً من أحد، بل هو أدنى المراتب في تنفيذ التزام قانوني وأخلاقي يقع في صميم العقد الاجتماعي ووظيفة السلطة.والأصل في الدولة الرشيدة أن تؤدي واجباتها بصمت، لا أن تطلب الثناء والتمجيد على إنجازالبدهيات.

ولعل الحكمة الإفريقية الخالدة تختزل هذا المعنى بأبلغ عبارة: "إذا رأيت شعباً يصفق لحاكم لأنه أنجز حنفية ماء، فكان الأولى أن يصفق للحنفية التي أعطته الماء."

إنها فلسفة لا تقلل من قيمة المنجز، لكنها ترفض اختزاله في دعاية سياسية؛ فما يُقدَّم للمواطن هو جزء من حقه المكتسب في ثروة وطنه، وليس مكرمة شخصية من صاحب السلطة.

اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع

إن الخطورة الكبرى لهذه الثقافة تكمن في أنها تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحو مقلوب ومغلوط:

  • تغييب خادِمية السلطة: بدلاً من أن تكون السلطة أدوات في خدمة الصالح العام، تُصوَّر كصاحبة أفضال ومكرمات.
  • المقايضة بالحقوق: يتحول الولاء السياسي إلى "ثمن" ملزم للحصول على أسطح الحقوق الآدمية.
  • تراجع المساءلة: يحلّ الاحتفاء وتخليد الأشخاص محلّ تقييم السياسات، وتتوارى قيم المحاسبة والشفافية أمام موجات التصفيق الممنهج.

ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الرمز، بل تتعداها إلى النسيج المؤسسي؛ حيث تتشكل حول مركز القرار شبكات من المنتفعين والمطبلين الذين يتخذون من التسويق الإعلامي درعاً لحماية مصالحهم. وبذلك تتحول أجزاء من النخبة من "قوة رقابية ونقدية" إلى "أداة دعاية ورعاية"، ليصبح الصمت عن الاختلالات فضيلة، والمبالغة في الثناء طريقاً سالكاً للنفوذ.

وهذا النمط يمثل أخطر صور الفساد السياسي؛ لأنه لا يكتفي باختلاس المال العام، بل يتعداه إلى اختلاس الوعي الجمعي، وتزييف مفاهيم المواطنة، وإضعاف قدرة المجتمع على التمييز بين الحق والمنّة، وبين الواجب الروتيني والإنجاز الاستثنائي.

إن الدولة الحديثة لا تُقاس بحجم المهرجانات، ولا بعدد اللافتات، ولا بكثافة التغطية التلفزيونية؛ وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة تعمل وفق دولة القانون، بمعزل عن تغير الأشخاص والتوازنات.

ودولة المؤسسات، في جوهرها النظري والتطبيقي، هي الدولة التي تكون فيها السيادة للقانون لا للذوات، وتُدار فيها الموارد العامة بكفاءة وشفافية. وفي هذا المناخ المؤسسي:

  1. شرعية الأداء لا المديح: لا يستمد المسؤول رصيده من قصائد الثناء، بل من أثر القرارات وقابلية النتائج للقياس في قطاعات التعليم، الصحة، العدل، والاقتصاد.
  2. الواقع مقابل الضجيج: كلما احتاج المنجز إلى صخب إعلامي ليثبت وجوده، كان ذلك دليلاً على اتساع فجوة الثقة بين السلطة والمجتمع؛ إذ إن الثقة الصادقة يجسدها الواقع الملموس، لا الحملات الدعائية.
  3. خاتمة: بناء الدول يبدأ من المؤسسات

إن الشعوب لا تبحث عن سلطة تجيد التسويق الإعلامي لنفسها، بل عن دولة تجيد إدارة شؤونها وبناء مستقبلها. وما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس مزيداً من مكبرات الصوت والخطب الرنانة، بل مزيداً من سيادة القانون، استقلال القضاء، كفاءة الإدارة، والتوزيع العادل للثروة. هذه هي الإنجازات الشامخة التي تصمت الدعاية في حضورها، لأنها تنعكس تلقائياً في تفاصيل الحياة اليومية للناس.

ويبقى الرهان قائماً على تجسيد مشروع دولة مؤسسات حقيقية؛ دولة تجعل المواطن محور سياساتها، وتحفظ كرامته، وتصون حقوقه، وتخضع الجميع لحكم القانون، وتحاسب مفرطي المال العام ومبدديه.

فلا الولاء بديلٌ عن الكفاءة، ولا الدعاية بديلٌ عن الإنجاز، ولا السلطة بديلٌ عن الدولة. إن بناء الدول لا يبدأ من صناعة الصور والرموز، بل من وضع اللبنات الصلبة للمؤسسات... فالمؤسسات وحدها هي من تجعل الإنجاز مستداماً، والعدالة ممكنة، والدولة قائمة وراسخة مهما تعاقب عليها الحكام.