أزمة حبوب جديدة تضرب العالم: المغرب العربي في دائرة الخطر

مع تصاعد الهجمات المتبادلة على المنشآت البحرية في البحر الأسود، وفرض تركيا قيوداً على عبور المضائق، عادت أسعار القمح لتسجل أعلى مستوياتها منذ عامين. ورغم أن المغرب والجزائر يدخلان هذه الموجة بمحاصيل محسنة، ومصر بمخزون استراتيجي، فإن أياً من هذه الدول الثلاث لن يسلم من تداعيات ارتفاع تكاليف الاستيراد.

كييف وموسكو: حرب استنزاف في الممرات المائية

كشفت تقارير إعلامية، الخميس، عن مبادرة أوكرانية، بوساطة تركية، لوقف الهجمات المتبادلة على المنشآت المدنية في البحر الأسود، دون أن تلقى رداً رسمياً من الكرملين حتى الآن. وتزامنت هذه التحركات مع معطيات كارثية على صعيد الصادرات الأوكرانية، إذ تراجعت شحنات الحبوب بنسبة 75.7% خلال الأيام الـ12 الأولى من أغسطس مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتصل إلى 280 ألف طن فقط. وتوقعت كييف أن تنخفض صادراتها الزراعية للموسم 2026-2027 إلى 29.6 مليون طن، بعد أن كانت مرتقبة بنحو 64.4 مليون طن قبل التصعيد.

وأضافت الضربات الروسية الأخيرة على موانئ إسماعيل وريني الدانوبية، صعوبات جديدة، في وقت يعاني فيه النهر من انخفاض منسوب المياه ما يحد من حركة الملاحة. ومع احتمالية امتلاء المخازن الأوكرانية بحلول نوفمبر المقبل، تظل الطرق البديلة عبر السكك الحديدية والبرية غير قادرة على تعويض الفاقد بالكامل.

ثلاثة سيناريوهات مغاربية في مواجهة الأزمة

*المغرب: وبحسب تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية، يُتوقع أن يبلغ محصول القمح حوالي 7.5 ملايين طن للموسم الجديد، مقابل 3.5 ملايين فقط في الموسم السابق، ما قد يخفض وارداته إلى ما بين 3.7 و4 ملايين طن، مقارنة بـ6.5-7 ملايين طن قبل عام. وتحافظ الرباط على رسم استيراد وقائي بنسبة 170% لحماية الإنتاج المحلي حتى نهاية الشهر الجاري، لكن عملية الجمع الرسمي ما زالت متأخرة عن الأهداف المحددة.

*الجزائر: كثفت من وتيرة شرائها للقمح اللين، حيث أبرمت صفقة جديدة لنحو 720 ألف طن مطلع الشهر الجاري، بعد مشتريات مماثلة خلال يونيو. وتجاوزت وارداتها منذ يناير نحو 3 ملايين طن، في إطار استراتيجية لتعزيز المخزون الاحتياطي لم تتأثر حتى بفصل الشتاء المطير الذي شهدته البلاد هذا العام.

*مصر: نهجت نهجاً مزدوجاً، إذ جمعت من الفلاحين أكثر من 4.6 ملايين طن بسعر مضمون، واستوردت نحو 7.1 ملايين طن في الأشهر الخمسة الأولى من العام، بزيادة 65% عن العام الماضي. ويمس برنامج الخبز المدعوم نحو 70 مليون مصري، ما يجعل استقرار الأسعار أولوية قصوى للقاهرة.

مخاطر إغلاق الممرات الروسية 

في المقابل، حذر الاتحاد الروسي لمنتجي ومصدري الحبوب من أن الهجمات الأوكرانية قد تؤدي إلى تعطيل كامل لممرات التصدير، مع خسائر محتملة تتراوح بين 30 و35 مليون طن من صادرات القمح، أي ما يعادل 15% من التجارة العالمية، وهو حجم لا تستطيع أي دولة أخرى تعويضه. ونتيجة لذلك، قفز سعر القمح في بورصة شيكاغو إلى 6.53 دولار للبوشل، بينما تجاوزت العقود الآجلة في يورونكست 221 يورو للطن، مقارنة بنحو 190 يورو في الربيع الماضي.

وتعاني الموانئ الروسية أيضاً، إذ تعرض ميناء تامان لأضرار بالغة في يوليو، وأغلق مضيق كيرتش منذ منتصف الشهر الماضي، وتوقفت حركة التصدير عبر نهر الدون. وفي تطور لافت، رفعت تركيا رسوم عبور البوسفور بنسبة 15% مطلع يوليو، وأوقفت منذ 8 أغسطس منح تصاريح عبور الدردنيل للسفن المتجهة إلى نوفوروسيسك وأوكرانيا، مستندة في ذلك إلى اتفاقية مونترو التي تمنحها صلاحيات تنظيمية لأسباب أمنية.

تبعات على القارة الأفريقية

وبينما يمكن تعويض نقص الصادرات الأوكرانية بالقمح الروسي في الظروف العادية، فإن تعطيل الممرين معاً - اللذين يغطيان نحو ثلث تجارة القمح العالمية - يضع مشتري الحبوب في أفريقيا أمام تحدٍ غير مسبوق. وستكون دول مثل السودان وعديد الدول الأفريقية جنوب الصحراء، التي تعتمد بكثافة على القمح الروسي، في مقدمة المتضررين.

ومع تراجع متوقع في الإنتاج العالمي للحبوب وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تبقى المحاصيل المغاربية لعام 2026 ورقة ضغط إيجابية نسبياً، لكنها لن تحمي الحكومات من فاتورة استيراد مرتفعة، ولا المواطنين من تبعاتها على أسعار الخبز والمواد الأساسية، في معادلة معقدة ستختبر قدرة المنطقة على امتصاص الصدمات الخارجية في الأشهر المقبلة.

رابط المقال:

https://www.afrik.com/mer-noire-la-guerre-des-cereales-revient-tester-le...