موريتانيا والمخدرات.. تهريب دولي وسوق محلية لاقتصاد الجريمة المتنامية- موقع الفكر

خلال السنوات السبع الأخيرة، تحولت المخدرات في موريتانيا من ملف أمني تقليدي إلى قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها حماية الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة، والأمن البحري، وغسل الأموال، والصحة العامة، وحماية الشباب. ويكتسب هذا الملف حساسية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للبلاد، الواقعة بين غرب إفريقيا وشمالها، وبسبب امتلاكها ساحلا أطلسيا طويلا وحدودا برية واسعة مع أربع دول، بينها مالي التي تنشط فيها شبكات إجرامية وجماعات مسلحة.

والأرقام المتوفرة تكشف أن موريتانيا لم تعد مجرد سوق استهلاك محدودة، وإنما أصبحت أيضا نقطة مهمة في مسارات تهريب المخدرات الدولية، وخاصة الكوكايين والحشيش.

أولا: 2.3 طن من الكوكايين في 2023.. الرقم الأكثر دلالة

يظل عام 2023 نقطة تحول رئيسية في تاريخ مكافحة المخدرات في موريتانيا.

فبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت السلطات الموريتانية قد ضبطت أكثر من 2.3 طن من الكوكايين خلال سنة 2023 حتى وقت إعداد تقرير الأمم المتحدة. ويضع التقرير موريتانيا ضمن المسارات التي أصبحت تشهد عمليات واسعة النطاق لتهريب الكوكايين عبر منطقة الساحل.

وهذا الرقم بالغ الدلالة؛ إذ إن تقرير الأمم المتحدة يذكر أن متوسط كمية الكوكايين المضبوطة سنويا في دول الساحل خلال الفترة 2015-2020 لم يتجاوز 13 كيلوغراما، ثم ارتفع إلى 41 كيلوغراما سنة 2021، وقفز إلى 1,466 كيلوغراما سنة 2022.

وبالتالي فإن أكثر من 2.3 طن التي ضبطت في موريتانيا وحدها خلال 2023 تمثل قفزة هائلة مقارنة بالمستويات السابقة، وتؤكد أن البلاد دخلت بقوة في خريطة تهريب الكوكايين الإقليمي.

ثانيا: العملية البحرية الكبرى.. 1,218 كيلوغراما من الكوكايين

ومن أبرز العمليات التي تكشف طبيعة التهديد عملية اعتراض سفينة محملة بالمخدرات، حيث أعلنت النيابة العامة الموريتانية ضبط 1,218 كيلوغراما من الكوكايين على متن سفينة تم اقتيادها إلى أحد الموانئ الوطنية وتفتيشها.

وقد تمت العملية بالتنسيق بين البحرية الوطنية والجمارك الموريتانية، بينما باشرت الدرك الوطني التحقيقات القضائية تحت إشراف النيابة. كما أوقف عدد من أفراد الطاقم وأشخاص آخرين من جنسيات مختلفة للاشتباه في ارتباطهم بالقضية.

وتكشف هذه العملية أن موريتانيا تواجه نوعا من التهريب يختلف تماما عن تهريب الكميات الصغيرة؛ فشحنة تتجاوز 1.2 طن من الكوكايين تحتاج إلى تمويل وشبكة نقل وتخزين واتصالات ووسطاء، ما يجعلها أقرب إلى نشاط الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ثالثا: الحشيش.. المخدر الأكثر حضورا في السوق المحلية

إذا كان الكوكايين يمثل الخطر الأكبر على مستوى التهريب الدولي، فإن الحشيش والقنب الهندي يبدوان أكثر حضورا في العمليات المرتبطة بالسوق المحلية.

وفي إحدى القضايا الكبرى التي أعلنت عنها النيابة العامة، تمكنت الشرطة بعد تحقيق ومراقبة واختراق للشبكة من ضبط نحو 1,100 كيلوغرام من الحشيش في نواكشوط الغربية.

وتضمنت العملية ضبط 357 كيلوغراما في المرحلة الأولى، ثم أكثر من 750 كيلوغراما في المخزن الرئيسي، لتصل الكمية الإجمالية إلى حوالي 1,100 كيلوغرام. وأكدت النيابة أن التحقيق استمر لتحديد مسار دخول الشحنة وأماكن تخزينها والأطراف المتورطة في توزيعها.

وتكشف هذه القضية أن موريتانيا لا تواجه فقط أفرادا يحملون كميات محدودة، وإنما شبكات قادرة على استيراد وتخزين كميات تتجاوز الطن.

رابعا: المخدرات ليست كوكايين وحشيشا فقط

تكشف العمليات الأمنية والقضائية عن تنوع متزايد في المواد المخدرة والمؤثرات العقلية.

ففي ولاية الحوض الغربي وحدها، أتلفت السلطات في نوفمبر 2024 أكثر من 59 كيلوغراما من المخدرات، إضافة إلى أكثر من 3,000 قرص من حبوب الهلوسة، و33 قنينة من "الحجر المغربي"، فضلا عن 1,000 قرص من دواء منتهي الصلاحية. وأكدت السلطات أن هذه المواد تمت مصادرتها خلال سنة 2024.

أما في ولاية لبراكنة، فقد أتلفت السلطات في أكتوبر 2024 كمية تضمنت 14.10 كيلوغراما من المخدرات و44.7 كيلوغراما من صمغ الحشيش وكيسا من حبوب الهلوسة.

وفي ولاية تيرس زمور، أتلفت السلطات في أبريل 2025 64 كيلوغراما من المخدرات، إضافة إلى 1,640 قرصا من أدوية الأعصاب وعدة آلاف من حبوب الهلوسة.

وفي الحوض الشرقي، أتلفت السلطات في يوليو 2025 2 كيلوغرام من الحشيش الهندي و791 قرصا من حبوب الهلوسة ضمن عملية شملت أيضا كميات كبيرة من الأدوية المنتهية الصلاحية.

هذه الأرقام المحلية مهمة لأنها توضح أن الظاهرة لا تتركز في نواكشوط وحدها، بل تصل إلى الولايات الحدودية والداخلية.

2025.. 31 موقوفا في شبكة واحدة

في الأول من مايو 2025 أعلنت النيابة العامة تفكيك شبكة إجرامية واسعة، أسفرت، حتى تاريخ الإعلان، عن توقيف 31 شخصا يشتبه في انتمائهم إليها.

كما ضبطت السلطات خمسة محال تحتوي على كميات مهمة من المخدرات غير المرخصة، من بينها حبوب هلوسة محظورة.

وأعلنت النيابة أن التحقيق لم يكن قد انتهى، وأن البحث توسع ليشمل أشخاصا آخرين يحتمل ارتباطهم بالشبكة، مع التأكيد على ضرورة التحقق من الأفعال المنسوبة إلى كل موقوف قبل اتخاذ الإجراءات القضائية.

وهذه العملية تكشف عن تحول مهم: فالشبكات المحلية لم تعد مجرد مجموعات صغيرة تعمل بصورة فردية، بل يمكن أن تكون لها أماكن تخزين وتوزيع وشبكات متعددة الأشخاص.

وفي أغسطس 2025 أعلنت الشرطة أيضا تفكيك شبكة أخرى في مقاطعة الميناء بنواكشوط، وتوقيف أربعة مشتبه بهم، وضبط كمية كبيرة من الحشيش الهندي، إضافة إلى حبوب "فاليوم" مهربة ومستعملة خارج الإشراف الطبي.

الحبوب والمؤثرات العقلية.. الخطر الأقل ظهورا

تكمن خطورة المخدرات الحديثة في أنها لا تأتي دائما في صورة كيلوغرامات من الحشيش أو الكوكايين.

فحبوب الهلوسة، وبعض الأدوية النفسية والعصبية، والمواد المؤثرة عقليا أصبحت جزءا من المشهد الذي تواجهه الأجهزة الأمنية.

ولهذا فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى تعاون بين الشرطة والجمارك ووزارة الصحة والصيدلة والقضاء، وليس المقاربة الأمنية وحدها.

البعد الدولي للظاهرة

تكشف أرقام الأمم المتحدة أن المشكلة الموريتانية جزء من تحول إقليمي أوسع.

فمنطقة الساحل شهدت ارتفاعا كبيرا في ضبط الكوكايين، من متوسط سنوي يبلغ 13 كيلوغراما فقط خلال 2015-2020 إلى 1,466 كيلوغراما سنة 2022، ثم ظهرت عمليات ضخمة في موريتانيا وغيرها.

ويأتي ذلك في سياق نمو عالمي غير مسبوق لسوق الكوكايين. ووفق بيانات الأمم المتحدة التي نقلتها رويترز، بلغ الإنتاج العالمي غير المشروع المقدر للكوكايين أكثر من 3,708 أطنان سنة 2023، فيما ارتفع عدد مستخدمي الكوكايين عالميا إلى نحو 25 مليون شخص، مقابل 17 مليونا قبل عقد.

وفي تقرير الأمم المتحدة لعام 2026، ارتفع تقدير الإنتاج العالمي للكوكايين إلى نحو 4,100 طن من المنتج النقي في 2024، أي نحو أربعة أضعاف مستوى عقد سابق، ما يعني أن الضغط على طرق العبور الإفريقية مرشح للاستمرار.

المخدرات والجريمة المنظمة وغسل الأموال

الخطورة الأكبر لا تكمن في المادة المخدرة وحدها، وإنما في الأموال التي تنتج عنها.

فالشبكات التي تتعامل مع أطنان من الكوكايين أو الحشيش تحتاج إلى تمويل للنقل والتخزين والرشوة والتوزيع، ثم تحتاج إلى قنوات لإخفاء الأرباح وتحويلها إلى أصول أو أنشطة تبدو قانونية.

ومن هنا يصبح ملف المخدرات مرتبطا بصورة مباشرة بمكافحة غسل الأموال والجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود.

وقد بدأت موريتانيا في السنوات الأخيرة في تطوير آليات إدارة الممتلكات المجمدة والمحجوزة والمصادرة وتحصيل الأصول الجنائية، وهو اتجاه مهم لأن ضرب الجريمة المنظمة لا ينبغي أن يقتصر على اعتقال الأشخاص، بل يجب أن يمتد إلى تجفيف مصادر تمويلهم ومصادرة العائدات غير المشروعة.

موريتانيا أمام خطرين متوازيين

تكشف المعطيات أن موريتانيا تواجه خطرين متوازيين.

الأول هو خطر التهريب الدولي، وخاصة الكوكايين، حيث أظهرت عملية 2023 وحدها حجم الأموال والقدرات اللوجستية التي يمكن أن توظفها شبكات عابرة للحدود.

والثاني هو خطر السوق المحلية، حيث تظهر عمليات الحجز والإتلاف انتشار الحشيش والقنب الهندي وحبوب الهلوسة وبعض المؤثرات العقلية في أكثر من ولاية.

وبالتالي فإن نجاح الدولة في مكافحة المخدرات لا ينبغي أن يقاس بعدد الموقوفين أو الكيلوغرامات المصادرة فقط، بل بقدرتها على تفكيك الشبكات، وملاحقة مموليها، ومصادرة عائداتها، وتشديد الرقابة البحرية والبرية، وضبط تداول الأدوية والمؤثرات العقلية، وفي الوقت نفسه إنشاء منظومة حقيقية للوقاية والعلاج وإعادة إدماج المدمنين.

والأهم أن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس بالضرورة كمية المخدرات التي ضبطت، وإنما قدرة شبكات دولية على التفكير في موريتانيا باعتبارها ممرا آمنا أو مربحا.

إن المحافظة على البلاد خارج دائرة التحول إلى مركز إقليمي لتجارة المخدرات تتطلب يقظة مستمرة، خصوصا أن الإنتاج العالمي للكوكايين بلغ مستويات قياسية، وأن منطقة الساحل أصبحت جزءا من مسارات هذه التجارة.

ولهذا فإن معركة موريتانيا مع المخدرات ليست معركة أمنية قصيرة المدى، وإنما معركة طويلة ضد اقتصاد إجرامي عابر للحدود، تتطلب الأمن والاستخبارات والقضاء والرقابة المالية والصحة والتعليم الواعي وصيانة الهوية والعناية بالجنود والوحدات الأمنية حماة الثغور، وتكثيف التعاون الدولي في وقت واحد.