حين تتحول المأمورية الثالثة إلى اختبار للأخلاق السياسية- موقع الفكر

ليس أكثر إثارة للقلق في المشهد السياسي الموريتاني اليوم من أن يتحول بعض قادة وأطر حزب الإنصاف إلى سباق محموم نحو مطالبة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بمأمورية ثالثة، وكأن البلاد لا تعاني من العطش والظلام والفقر وانهيار التعليم وتفشي البطالة،  ولايعاني من تحديات تستحق من النخبة السياسية أن تنشغل بها، وكأن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأطر الحزبية للرئيس هو أن تضع أمامه عنواناً جديداً لمعركة سياسية لم يطلبها، ولم يقل، بحسب ما هو معلن، إنه يريد خوضها.

الوجهة غير المغلومة

لقد كانت المسيرة التي نظمها قادة وأطر الحزب في كيفة للمطالبة بمأمورية ثالثة مناسبة كاشفة أكثر منها مجرد نشاط سياسي عابر. فهي تكشف إلى أي حد يمكن أن تنزلق الممارسة الحزبية حين تتحول السياسة من خدمة مشروع الدولة إلى صناعة الولاءات، ومن الدفاع عن حصيلة الحكم إلى البحث عن موقع في مرحلة لم تبدأ بعد.

المشكلة ليست في حق المواطنين والسياسيين في التعبير عن آرائهم، ولا في أن يطالب أنصار رئيسهم بما يرونه مناسباً؛ فذلك جزء من الحياة السياسية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المطالبة إلى مزايدة جماعية على الرئيس نفسه، وحين يصبح إثبات الولاء مرتبطاً بمدى ارتفاع سقف المطالب، وكأن الأكثر صخباً في المطالبة بالمأمورية الثالثة هو الأكثر إخلاصاً، وكأن الصمت عن هذا المطلب نقص في الولاء أو تقصير في خدمة النظام.

هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف.

ما الذي يريده هؤلاء من الرئيس؟

ذكر السبوطي أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أنه وصلته شكايات أهل العراق من الوالي فارسل في طلبه لكته تأخر في الحضور إليه فسأله معاوية عن السبب التأخر فذكر الوالي أنه تأخر ليأخذ البيعة ليزيد بولاية العهد فقال له معاوية ارجع راشدا إلى عملك.. 

هذه القصة نموذج حي للمسؤول الذي لايؤدي ماعليه وبدلا من ذلك يبحث عن الطرق الموصلة لرضى الحاكم فيسلك في ذلك طرائق ويطرق أبوابا غير سبيل العمل.

فهل يريد أصحاب المسيرة إقناع الرئيس  أن مشروعه السياسي لا يمكن أن يستمر من دونه؟ أم يريدون إقناعه بأن الحزب عاجز عن إنتاج قيادات جديدة؟ أم أنهم يخشون، قبل كل شيء، اليوم الذي تنتهي فيه المأمورية الحالية، فيجد بعضهم نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب أوراقه السياسية بعيداً عن ظل السلطة؟

إن أسوأ ما يمكن أن تفعله النخب السياسية بالرئيس الذي تسانده هو أن تحاصره بالهتافات التي لا يستطيع الرد عليها، وأن تدفعه تدريجياً إلى زاوية سياسية يصبح فيها رفض المأمورية الثالثة أصعب من قبولها، لا بفعل اقتناعه الشخصي، وإنما بفعل الضغط الذي تصنعه ماكينة الولاء والمصالح، واسوأ من ذلك أن يقتنع الرئيس بصفاقتهم وسوء تدبيرهم، فبعض الولاء نفاق وبعض الجرأة حماقة.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يحول النقاش السياسي من سؤال ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال كيف نبقى؟

كان الأجدر بقادة حزب الإنصاف وأطره في كيفة، وفي غيرها من مدن البلاد، أن يخرجوا إلى الناس للحديث عن حصيلة سبع سنوات من الحكم: ماذا تحقق في التعليم؟ ماذا تغير في الصحة؟ ماذا تحقق للفقراء؟ أين وصلت مشاريع المياه والكهرباء والطرق؟ ماذا عن التشغيل؟ ماذا عن الإدارة وقربها من المواطن؟ ماذا عن مكافحة الفساد؟ وكيف يمكن تصحيح الاختلالات وتعزيز المكتسبات؟

تلك هي الأسئلة التي تمنح أي نظام سياسي شرعيته الأخلاقية والسياسية.

أما أن تتحول النخبة الحزبية إلى جماعات تتنافس في رفع سقف المطالبة بالبقاء، فذلك يبعث برسالة عكسية تماماً: أن مستقبل المشروع السياسي أهم من مستقبل المشروع الوطني.

والواقع أن الرئيس نفسه لا يحتاج إلى هذه المسيرة كي يعرف حجم أنصاره. فهو يعرف أن له قاعدة سياسية واسعة، مادام في السلطة ويعرف أن حزبه يمتلك الأغلبية، مادام يستمد قوته من السلطة ويعرف أن مؤسسات الدولة والحياة السياسية الموريتانية تعيش مرحلة مستقرة نسبياً. لكن ما يحتاجه أكثر هو أن يسمع من محيطه السياسي النقد الصادق، لا التصفيق الدائم؛ وأن يجد من يقول له أين أخطأ، لا من يكرر له أنه لا غنى عنه.

لقد علمتنا التجارب السياسية أن أخطر ما يواجه الحاكم ليس خصومه، وإنما المبالغة في إظهار الولاء من بعض أنصاره. فالخصم السياسي يمكن توقع مواقفه، أما الحليف الذي يرفع شعار الولاء إلى مستوى المزايدة فقد يدفع النظام إلى أخطاء لا يحتاج إليها.

ثم إن الحديث عن مأمورية ثالثة في وقت مبكر من المسار السياسي لا يخدم بالضرورة الرئيس نفسه. بل قد يتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي حول قضية لم تكن في صدارة أولوياته، وإلى مادة مجانية للمعارضة، وهو ماحدث وإلى عامل تشويش على البرامج الحكومية، وإلى رسالة للخارج بأن النخبة السياسية الموالية بدأت تبحث عن تعديل قواعد اللعبة قبل أوانها.

والأكثر غرابة أن بعض الذين يطالبون اليوم بالمأمورية الثالثة قد يكونون أنفسهم أول من يكتشف غداً أن السياسة ليست شعارات، وأن الرئيس الذي يملك قراره السياسي لا يحتاج إلى من يقرر عنه مستقبله.

بل إن مسيرة كيفة محرجة واصحابها يفتقدون اللباقة السياسية حين خرجو في هذا الوقت من العام رغم الصعوبات التي يواجهها المواطن ليتحدثوا بترف عن المأمورية الثالثة بحضور حرم الرئيس وفي الولاية التي ينتسب إليها بطريقة مستهجنة.

إن احترام الرئيس لا يكون بأن يُطلب منه البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، وإنما بأن يُحترم مشروعه السياسي، وتُحترم مؤسسات الدولة، ويُترك له المجال لكي يحدد موقفه بنفسه.

وإذا كان الرئيس يرى أن خدمة البلاد لها حدود زمنية وسياسية، فإن من حقه أن يقول ذلك، ومن واجب المحيطين به أن يحترموا خياره بدلاً من تحويل الأمر إلى حملة ضغط جماعية.

أما حزب الإنصاف، فله قضية أكبر بكثير من قضية المأمورية الثالثة.

عليه أن يثبت أنه حزب دولة لا حزب أشخاص؛ وأنه قادر على مناقشة حصيلة الحكم بجرأة؛ وأنه قادر على إنتاج الأفكار والقيادات؛ وأنه يستطيع أن يستمر كقوة سياسية مؤثرة حتى عندما تتغير الوجوه والمواعيد والاستحقاقات.

فالأحزاب التي تربط وجودها بشخص واحد لا تبني أنظمة سياسية مستقرة، وإنما تبني هياكل مؤقتة حول السلطة.

ومن هنا فإن مسيرة كيفة ليست مجرد صورة سياسية لأطر وقادة يرفعون شعارات التأييد. إنها اختبار حقيقي لنضج النخبة الموريتانية: هل تستطيع أن تميز بين دعم الرئيس ودفعه؟ بين الوفاء له ومصادرة قراره؟ بين الدفاع عن حصيلته وبين تحويل بقائه إلى غاية في حد ذاته؟

لقد آن الأوان لأن يدرك قادة وأطر حزب الإنصاف أن أفضل خدمة يمكن أن يقدموها للرئيس الغزواني ليست أن يطالبوا بمأمورية ثالثة، وإنما أن يساعدوه على إنجاح ما تبقى من مأموريته، وأن يتركوا للتاريخ الحكم على تجربته، وللرئيس نفسه تحديد ما يريد أن يفعله في المستقبل.

فالدول لا تُبنى بالهتافات، والجمهوريات لا تقاس بعدد السيارات في المسيرات، والوفاء السياسي ليس مزاداً تتنافس فيه النخب على من يرفع سقف المطالب أكثر.

أما المأمورية الثالثة، فإنها إذا كانت قدراً سياسياً، فلن تحتاج إلى كل هذا الصخب. وإذا لم تكن قدراً، فلن تصنعها المسيرات.

وفي الحالتين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: متى يتوقف السياسيون عن التفكير في المأمورية القادمة، ويبدأون في التفكير جدياً في موريتانيا القادمة؟