أزمة القمح في إفريقيا: المغرب العربي يقترب من الاكتفاء الذاتي.. ودول الجنوب تحت وطأة ارتفاع الأسعار

كشف تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) عن تحول جذري في خريطة استيراد القمح في إفريقيا، حيث سجّل شمال القارة انخفاضاً غير مسبوق في وارداته بفضل محصول محلي وفير، بينما تظل منطقة جنوب الصحراء رهينة لاضطرابات البحر الأسود وارتفاع الأسعار، في مشهد يعكس واقعاً إفريقياً "متشعباً" في معركته من أجل الأمن الغذائي.

المغرب "استثناء" 

وبحسب أرقام التقرير الصادر في 12 غشت الجاري، فإن دول المغرب العربي حققت طفرة نوعية هذا الموسم، حيث ارتفع إنتاجها الإجمالي من القمح من 17.4 مليون طن خلال الفترة 2025-2026 إلى 23.1 مليون طن في الموسم الحالي، بزيادة وصلت إلى 5.7 ملايين طن، وهو "انتعاش مناخي" يعكس تحسناً ملحوظاً في التساقطات المطرية مقارنة بسنوات الجفاف الماضية، خاصة في المغرب والجزائر.

وعلى وقع هذا الفائض الإنتاجي، تراجعت واردات المنطقة بشكل كبير من 35.1 إلى 29.3 مليون طن، أي بانخفاض قدره 5.8 ملايين طن، وهو ما يعني أن الزيادة في الإنتاج المحلي عوّضت بالكامل تقريباً تراجع المشتريات من الخارج، في مؤشر على توجّه نحو تقليص الفاتورة الغذائية الباهظة.

وكان المغرب أبرز هذه الديناكمية بامتياز، إذ قفز إنتاجه من 3.5 ملايين طن في الموسم الماضي إلى 7.5 ملايين طن متوقعة للموسم الجاري، أي أكثر من الضعف، مما سمح بخفض وارداته إلى 3.7 ملايين طن فقط، مقارنة بـ6.54 ملايين طن في العام السابق، أي تراجع بنحو 2.8 ملايين طن، وهو ما يمثل، إن تأكد، "نفساً اقتصادياً كبيراً" للخزينة العامة وللموازنة المخصصة لدعم الخبز.

 

مصر والجزائر: انخفاض تدريجي وسط استهلاك متزايد

لم تكن مصر، المستورد الأول للقمح في إفريقيا، بعيدة عن هذا الاتجاه، حيث خفّضت وارداتها المتوقعة إلى 13 مليون طن مقابل 15.5 مليوناً في الموسم السابق، بفعل "حصاد وفير ومخزون استراتيجي مرتفع". كذلك راجعت الجزائر وارداتها إلى 8.5 ملايين طن مقابل 9 ملايين، لكن استهلاكها المحلي يواصل الصعود إلى 12.575 مليون طن، مما يعني أن "عظمتها التصديرية" مازالت مرهونة بالخارج، وإن بوتيرة أقل.

وبشكل عام، يُتوقع أن ينخفض معدل الاعتماد على الواردات في شمال إفريقيا من 73% إلى 60%، وهو تقدم "كبير لكنه هش"، إذ تظل الزراعة البعلية مرهونة بتقلبات المناخ من موسم لآخر، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

إفريقيا جنوب الصحراء: فجوة متسعة وأسعار مشتعلة

لكن السيناريو يختلف تماماً جنوب الصحراء، حيث تظل الواردات شبه مستقرة عند 32.8 مليون طن، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 10.2 ملايين طن، بينما يرتفع الاستهلاك إلى 42.6 مليون طن، مما يعني أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تتعمق، وتجعل المنطقة "تحت التنفس الاصطناعي" للقمح المستورد.

ويظل نيجيريا، ثاني مستورد للقمح في القارة، عند مستوى 6.2 ملايين طن، بزيادة نصف مليون طن عن العام الماضي، بينما يسجل كينيا وسودان طلباً مرتفعاً نسبياً، لكن اللافت أن إثيوبيا تبرز كاستثناء مذهل، بإنتاج يتجاوز 33 مليون قنطار، مما يرسخ مكانتها ضمن أكبر 10 منتجين عالمياً، في نموذج يثبت أن "السيادة الغذائية ممكنة" بالاستثمار الزراعي الجاد.

الأسعار في ارتفاع

وفي خلفية هذه الأرقام، يتصاعد التوتر مجدداً في منطقة البحر الأسود، حيث يشير التقرير إلى أن القتال المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا منذ منتصف يوليوز الماضي تسبّب في تعطيل الشحنات، خاصة من موانئ بحر آزوف، مما أدى إلى خفض توقعات الصادرات الروسية بـ1.5 مليون طن والأوكرانية بـمليون طن.

ولأن روسيا هي المصدّر الأول عالمياً بأسعار تنافسية (224 دولاراً للطن مقابل 292 لكندا و321 لأمريكا)، فإن أي تأخير لوجستي قد يضطر الدول الإفريقية إلى اللجوء إلى أسواق بديلة "أغلى بكثير"، خاصة مع ارتفاع الأسعار الأوروبية بـ25 دولاراً للطن والأمريكية بـ26 دولاراً منذ يوليوز. الأمر الذي يعني أن فاتورة الواردات الغذائية للقارة، التي تبلغ نحو 62 مليون طن (29% من التجارة العالمية)، مرشحة للارتفاع مجدداً، وتضع الحكومات الإفريقية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دعم الفقراء أو ضبط عجز الميزان التجاري.

رابط المقال:

https://afrique.le360.ma/economie/importations-de-ble-en-afrique-le-nord...