كهرباء موريتانيا.. محطات محترقة بعد الوعود بتصدير الفائض من الطاقة- موقع الفكر

في موريتانيا، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد انقطاع مفاجئ في منتصف الليل، ولا مجرد مكيف يتوقف في ذروة الحر، ولا ثلاجة تتعرض لخطر التلف، غير مأسوف عليها ممن بيده الأمر وله الحكم،  ولا صاحب ورشة يراقب آلاته وهي تصمت، ولاصاحب موقع الكتروني، تعود أن تتلف تجهيزاته بفعل الانقطاع المتكرر للكهرباء، الأزمة دخلت، في أغسطس 2026، مرحلة أكثر إثارة: محطتا تحويل كهربائيتان تابعتان للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» اشتعلت فيهما النيران خلال يومين متتاليين في نواكشوط.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا يحدث بالضبط في شبكة الكهرباء الموريتانية؟

والأهم: كيف يمكن لبلد يقول إن لديه مشاريع لإضافة مئات الميغاوات، ويملك الغاز والشمس والرياح، ويعلن كل عام عن «حلول جذرية» و«سيادة طاقوية»، أن يجد نفسه أمام عاصمة واسعة تعيش انقطاعات طويلة، ثم تشاهد محطات الكهرباء نفسها وهي تحترق؟

المفارقة تكاد تكون ساخرة لولا أنها مكلفة ومزعجة: الحكومة تتحدث بلغة الميغاوات، والمواطن يعيش بلغة الشموع والمولدات والظلام الدامس.

حريقان.. يغرقان العاصمة في الظلام

اندلع يوم الجمعة 21 أغسطس 2026 حريق في محطة التحويل الفرعية الشرقية التابعة لصوملك، وبحسب بيان الشركة، وقع الحريق عند الساعة 11:25 صباحاً في محطة ذات جهد متوسط 33/15 كيلوفولت، وتغذي مناطق واسعة من شمال نواكشوط والمناطق المجاورة. وأدى الحريق إلى اضطراب وانقطاع جزئي للتيار في دار النعيم وتوجنين وأجزاء من عرفات، كما تأثر الخط الكهربائي الرابط بين نواكشوط وواد الناقة وإديني وأوليگات،- يعني ذلك انقطاع الماء مباشرة-. وصفت صوملك الأضرار بأنها جسيمة، وأعلنت أن فرقها الفنية باشرت الإصلاح.

وفي اليوم التالي، 22 أغسطس، اندلع حريق ثانٍ في محطة التحويل التابعة لصوملك في نواكشوط الغربية.

وهذه المرة امتدت آثار الانقطاع إلى معظم أحياء تفرغ زينة وأجزاء كبيرة من لكصر والسبخة، إضافة إلى الخط المغذي لمنطقة أغنودرت، ومطار أم التونسي الدولي وميناء تانيت، وفق بيان الشركة الذي نقلته وسائل إعلام موريتانية.

والأهم أن صوملك قالت إنها كانت تنتظر السيطرة الكاملة على النيران قبل أن تتمكن فرقها الفنية من تقييم الأضرار والبدء في الإصلاحات الهيكلية. أي أن حجم الضرر في المحطة الغربية لم يكن قد حُسم بعد عند صدور البيان.

 خارج عن الإرادة.. ومن المسؤول إذن؟

بعد الحريق الأول، قالت وزارة الطاقة والنفط إن الحادث نجم عن عوامل خارجة عن الإرادة، مؤكدة أن الفرق الفنية تعمل على إعادة تشغيل المحطة بقدرتها الاعتيادية.

وهذه العبارة، وإن كانت مفهومة في بيان أولي، تفتح سؤالاً أكثر أهمية مما تغلقه: إذا كان الحريق «خارجاً عن الإرادة»، فهل يعني ذلك أن الدولة لا تتحمل أي مسؤولية عن جاهزية الشبكة، والصيانة الوقائية، وأنظمة الحماية، وخطط الطوارئ، وتوفير البدائل، ومنع انتشار أثر العطل؟

لا أحد يقول إن كل حريق سببه سوء الإدارة. ولا يمكن تحميل الحكومة مسؤولية كل عطل كهربائي يقع في شبكة عمرها سنوات.

لكن الحكومة تتحمل مسؤولية إدارة المخاطر

فالمنشأة الحيوية لا تُقاس فقط بقدرتها على العمل عندما يكون كل شيء على ما يرام، وإنما بقدرتها على الصمود عندما يحدث الخللن وفي الحالات الاستثنائية والأزمات، حيث يقاس مدى الاستجابة الفعالة للكوارث.

أما أن يحترق مرفق، فتتسع دائرة الانقطاع، ثم تأتي البيانات لتقول إن الفرق تعمل «على مدار الساعة»، فهذا جيد من الناحية الإعلامية، لكنه ليس بديلاً عن شبكة لديها بدائل وحماية وصيانة استباقية.

والمفارقة أن الحكومة تعرف المشكلة

المثير في أزمة الكهرباء الحالية أن ما حدث ليس مفاجأة كاملة بالنسبة للجهات المسؤولة.

ففي أغسطس الجاري، قال المدير العام لصوملك "أخرمبالي" ولد لحبيب إن أعطاب شبكة التوزيع تتسبب في نحو 40% من انقطاعات الكهرباء في نواكشوط خلال الأشهر الماضية، وربط ذلك بتقادم أجزاء واسعة من الشبكة والضغط المتزايد عليها.

كما أوضح أن شبكة نواكشوط تضم قرابة 3.000 كيلومتر من خطوط 15 و33 كيلوفولت، وأن معظمها قديم، مع وجود أعمال تجديد لبعض المقاطع..

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

إذا كانت إدارة صوملك نفسها تقول إن 40% من الانقطاعات خلال الأشهر الماضية مرتبطة بأعطاب شبكة التوزيع وتقادمها، فإن المشكلة ليست مجرد نقص في إنتاج الكهرباء، إنها مشكلة شبكة.

هل تحس الحكومة بالإحراج

في يناير 2026، عرض الوزير الأول برنامج عمل الحكومة للسنة، وقال إن الهدف هو تحقيق تحسن ملموس في خدمة الكهرباء في نواكشوط خلال العام، مع استلام محطتين حرارية وهجينة في حدود شهر نوفمبر، والانتهاء من أعمال تأهيل الشبكة، كما تضمن البرنامج توسعة المحطة الكهربائية الهجينة بأربعة مولدات، قدرة كل واحد منها 18 ميغاوات.

مشروع محطة هجينة بقدرة 220 ميغاوات من الشمس والرياح.

إعادة تأهيل محطة الشيخ زايد الشمسية

إعادة تأهيل مولدات محطة نواذيبو.

إعادة تأهيل مولدات محطة المرفأ.

اقتناء وتركيب 24 مولداً كهربائياً في 24 مدينة، بسعات تتراوح بين 500 و1200 كيلوفولت أمبير لكل مولد.

كهربة أكثر من 400 قرية.

استكمال خط نواكشوط–ازويرات.

إطلاق مشروع محطة غازية بقدرة 230 ميغاوات

كل هذه الأرقام حقيقية لأنها واردة في برنامج الحكومة الرسمي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه في أغسطس هو:

إذا كانت سنة 2026 هي سنة «التحسن الملموس»، فلماذا يعيش سكان العاصمة الآن يومين متتاليين مع حرائق في محطات التحويل؟

72 ميغاوات بـ32 مليار أوقية قديمة

الحكومة أعلنت عن محطة بقدرة 225 ميغاوات في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، وعن محطة أخرى بقدرة 72 ميغاوات. وفي بيان حكومي لاحق تحدثت عن مشروع محطة غازية جديدة بقدرة تصل إلى 225 ميغاوات، مع توقع دخولها الخدمة نهاية 2028 أو بداية 2029.

وفي موضع آخر تحدثت الحكومة عن مشروع محطة غازية بقدرة 230 ميغاوات ضمن المشاريع التي ستنطلق أعمالها سنة 2026.

إذن ليست المشكلة أن أحد الرقمين «كاذب» بالضرورة، وإنما أن هناك مشاريع مختلفة ومراحل مختلفة وأرقام مختلفة يجب عدم دمجها في محطة واحدة.

وهذه بالضبط هي المشكلة التي يقع فيها الخطاب الرسمي أحياناً: تتراكم الميغاوات في البيانات حتى يبدو المواطن وكأن الكهرباء ستصبح قريباً فائضة إلى درجة تصديرها إلى القمر.

لكن المواطن لا يتعامل مع «القدرة المرتقبة».

إنه يتعامل مع المقبس الموجود في منزله، والذي لم يشحن هاتفا ولا يضيئ مصباحا، ومع ذلك ما تزال وعود الحكومة مضاءة، ولما تسدل عليها رداء الإعلان عن العجز..