بين سلطة المنصب وقوة الدولة: من هو رجل الدولة؟- يحي عابدين

في حياة الدول، لا تكمن المسألة دائما فيمن يملك السلطة، وإنما في الكيفية التي تُمارس بها هذه السلطة، والغاية التي تُستخدم من أجلها، فالدولة قد تكون قوية في أدواتها، واسعة في صلاحياتها، كثيرة في مؤسساتها، لكنها تظل بحاجة إلى الإنسان القادر على تحويل هذه القوة إلى عدل، وهذه الصلاحيات إلى مسؤولية، وهذه المؤسسات إلى عمل يخدم المجتمع ويحمي المصلحة العامة.

ومن هنا تبرز مسألة رجل الدولة، لا باعتباره مجرد مسؤول يشغل منصبا رسميا، وإنما باعتباره نموذجا في ممارسة السلطة وإدارة الشأن العام، فرجل الدولة الحقيقيّ لا ينظر إلى المنصب بوصفه امتيازا شخصيا، ولا إلى السلطة باعتبارها مجالا لإثبات الحضور أو فرض الإرادة، وإنما يدرك أن المنصب العام أمانة، وأن السلطة وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع وليست غاية شخصية، وأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأهم من أي حضور فردي مهما كان صاحبه.
ولعل من أجمل ما يلخص هذه الفكرة قول ونستون تشرشل: (ثمن العظمة هو المسؤولية). قالها طبعا في سياق حديثه عن عظمة الدول وما تفرضه القوة والمكانة من مسؤوليات، لكنها تصلح أيضا كقاعدة في فهم رجل الدولة.
فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، اتسعت معها مسؤوليته، وكلما زادت قدرته على التأثير في حياة الناس، وجب أن يكون أكثر وعيا بعواقب قراراته.
رجل الدولة لا تقاس قيمته بكثرة ظهوره، ولا بقدر ما يحيط به من المادحين، ولا بعدد من يختلفون معه أو يتفقون عليه؛ وهو بالتأكيد ليس ذلك الشخص الذي يرضى عنه الجميع، فهذه منزلة لا تكاد توجد في العمل العام. فالقرارات السياسية والإدارية تمس مصالح مختلفة، وما يراه بعض الناس ضرورة قد يراه آخرون تضييقا، وما يعده فريق حزما وعدلا قد يراه فريق آخر شدة لا مبرر لها.
لذلك، لا نحتاج إلى مسؤول ضعيف يتردد في اتخاذ القرار خشية أن يغضب منه أحد، كما لا نحتاج إلى حاكم متجبر يستمد هيبته من خوف الناس منه في السر والعلن.
ما نحتاجه هو رجل دولة عادل وحازم، يمتلك شجاعة اتخاذ القرار، ويدرك متى يكون الحزم ضرورة، ومتى يصبح ضبط القوة واجبا، ويجعل هيبة الدولة في خدمة القانون والمؤسسات، لا في خدمة الأشخاص والأهواء.
فهذا النموذج هو الذي يخشى فيه المفسدون والمخربون سطوة القانون وعدالته، لا بطش الأشخاص وانتقاماتهم، بينما يجد المظلوم في قوة الدولة وسيادة القانون سندا يحمي حقه ويمكّنه من الوصول إلى العدالة.
فالقوة إذا انفصلت عن القانون والعدل انقلبت إلى استبداد، والعدل إذا افتقد القوة التي تحميه وتنفذه تحول إلى مجرد قيمة نبيلة أو أمنية جميلة، لا تجد طريقها إلى واقع الناس وحياتهم. ومن هنا تبدو أهمية أن تكون للدولة قوة رادعة، ولكنها قوة منضبطة بالقانون.
وقد رأى عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" أن من أبرز سمات الدولة الحديثة احتكارها للاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمها، وهي فكرة تكشف جانبا جوهريا من معنى الدولة ووظيفتها؛ فالدولة لا تترك القوة عرضة للتنازع بين الأفراد والجماعات، ولا تسمح بأن تتحول إلى أداة خارج إطار القانون، وإنما تحصر استخدامها في مؤسساتها الرسمية، وتضبط ممارستها بالقواعد التي تحفظ الأمن وتصون الحقوق وتضمن هيبة القانون.

لكن رجل الدولة لا يختزل الدولة في القوة وحدها؛ لأنّ قوته الحقيقية تظهر أيضا في قدرته على بناء المؤسسات، واحترام الاختصاصات، وإدارة الاختلاف، وحماية المصلحة العامة، والاستماع إلى حاجات المجتمع.
ولذلك ينبغي أن يكون حاضرا في المشهد بالقدر الذي تفرضه صلاحياته ومسؤولياته، لا أن يكون حاضرا في كل جزئية وكأن الدولة لا تتحرك إلا بإشارته.
فمن علامات نضج رجل الدولة أن يسعى إلى أن تُحكم الدولة بالمؤسسات لا بالأفراد، وبالقواعد لا بالأمزجة، وبالقانون لا بالعلاقات الشخصية.
مع الأخذ في الاعتبار أنّه قد لا يستطيع المسؤول أن يحقق هذه الصورة كاملة في كل الظروف، لأنّه قد يجد أمامه واقعا سياسيا واجتماعيا وإداريا لا يسمح له بتغيير كل شيء دفعة واحدة، لكن ذلك لا يعفيه من أن يسعى إليها، وأن يوسع مساحة المؤسسة كلما استطاع، وأن يضيق مساحة الشخصنة كلما أمكن.
فالدولة التي تُختزل في شخص واحد تظل قوتها رهينة بقوة ذلك الشخص وحضوره، فإذا غاب اهتزت أركانها؛ أما الدولة التي تقوم على مؤسسات راسخة وقوانين مستقرة، فإنها تملك القدرة على الاستمرار وتجاوز الأشخاص والظروف. ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يحققه رجل الدولة ليس أن يجعل الناس يقولون: (لولا فلان لما بقيت الدولة) وإنما أن يبلغ بهم إلى مرحلة يقولون فيها: (إن الدولة قوية لأنها تقوم على مؤسسات وقواعد راسخة، لا على قوة شخص أو حضوره).

ومن القواعد المهمة لرجل الدولة أنّه في تعامله مع المجتمع، لا يعيش خلف التقارير وحدها ولا يكتفي بما تقوله المكاتب؛ بل عليه أن يمتلك حسا اجتماعيا يجعله قادرا على رؤية ما وراء الأرقام، وأن يسمع صوت المواطن العادي، وأن يدرك أن حاجات الناس لا تختزل في الملفات الرسمية.
فالدولة الناجحة ليست تلك التي تضع الخطط فقط، وإنما التي يشعر فيها المواطن بأثر تلك الخطط في أمنه ومعيشته وتعليمه وصحته وكرامته.
كما أن رجل الدولة لا يعيش أسير اللحظة، بل هو مطالب بأن يرى أبعد من المعركة السياسية الآنية، وأن يسأل نفسه دائما: ماذا سيبقى بعد انتهاء هذه المرحلة؟ ماذا سنترك لمن يأتي بعدنا؟ وهل نبني نظاما يستطيع الاستمرار، أم نراكم حلولا مؤقتة تجعل كل مرحلة تبدأ من جديد؟
وهنا تظهر قيمة المسؤولية السياسية، فالرجل الذي يتولى الشأن العام لا يكفيه أن تكون لديه نيات حسنة، بل عليه أن يفكر في نتائج قراراته وآثارها، وأن يوازن بين المبادئ والوقائع، وبين الممكن والمطلوب.
غير أن الحديث عن رجل الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى رسم صورة مثالية منفصلة عن الواقع؛ فالدول والمجتمعات لا تبدأ كل صباح من نقطة الصفر، ولا يمكن لمسؤول مهما بلغت إرادته وأوتي من حكمة أن يمحو في سنوات قليلة ما تراكم خلال عقود من العقليات والممارسات والمسلكيات.
ففي مجتمع كمجتمعنا، تعودت فيه النّخب منذ نشأة الدولة الحديثة على أنماط معينة في الإدارة والتعامل مع السلطة والمجتمع، وتعزز بعضها مع بدايات المسار الديمقراطي، حتى نشأت أجيال على بعض تلك الممارسات وشبّ وشاب عليها آخرون؛ حتى أصبحت بعض الأخطاء مع مرور الوقت وكثرة الممارسة مألوفة لدى الجميع، وأصبح تغييرها أصعب من مجرد إصدار قرار بوقفها؛ ولهذا فإن إصلاح الدولة يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية والحكمة والتّدرج.
فلا يمكن أن نتعامل مع الواقع وكأنه غير موجود، كما لا يصح أن نجعل الواقع ذريعة للاستسلام له؛ وبين الاستسلام للواقع والقفز عليه مساحة واسعة اسمها الإصلاح التدريجي الواعي، وهو الذي ننشده.
قد لا نستطيع التخلص من كل الممارسات الخاطئة اليوم، لكن يمكن أن نبدأ بتقليصها.
نعم يمكن أن تصبح المؤسسة أقوى قليلا، والقانون أكثر حضورا، والإدارة أكثر مهنية، والقرار أقل ارتباطا بالأشخاص، والمحاسبة أكثر عدلا، والخدمة العامة أكثر التصاقا بحاجات المواطن… ثم تتراكم هذه الخطوات الصغيرة، إلى أن نصنع بها في المستقبل تحولا كبيرا.
فالأمور العظيمة تبدأ عادة بأشياء صغيرة (إنما الجبال من الحصى).
وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقيّ لرجل الدولة؛ بحيث يعرف الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للواقع أن يمنعه من صناعة واقع أفضل.
بحيث يتحرك في حدود الممكن، لكنه يعمل باستمرار على توسيع حدود الممكن.
فرجل الدولة الذي نحتاجه إذن ليس ملاكا منزها عن الخطإ، ولا شخصية خارقة تستطيع تغيير كل شيء في وقت قصير. بل هو رجل يعرف حدود سلطته، لكنه لا يتردد في ممارسة صلاحياته؛ يحترم المؤسسة، لكنه لا يختبئ خلفها حين حين يحين وقت القرار؛ قريب من الناس، لكنه لا يحكم بالعاطفة؛ قوي في مواجهة الفساد، لكنه لا يجعل قوته طريقا إلى الظلم؛ حاضر في الشأن العام، لكنه لا يجعل من نفسه الدولة كلها؛ وأهم من ذلك كله أنه لا يربط حاضر البلد ومستقبله بشخصه، بل بما يؤسس له من قيم وقوانين ومؤسسات وحوكمة رشيدة.
وهنا يكمن الفرق الدّقيق بين رجل السلطة ورجل الدولة: فرجل السلطة قد ينجح في إدارة اللحظة، أما رجل الدولة فينشغل بصناعة ما بعدها؛ وقد يترك الأول وراءه ذكرا لشخصه، بينما يترك الثاني دولة أكثر قدرة على الاستمرار بدونه.

وفي النهاية، فإن قيمة رجل الدولة لا تقاس فقط بما أنجزه وهو في موقع المسؤولية، وإنما يضاف إلى ذلك أيضا ما تركه وراءه بعد أن يغادر الموقع؛ فالمناصب عابرة، والأشخاص راحلون، والظروف متغيرة، أما المؤسسات الراسخة، والقواعد العادلة، والقانون المحترم، والثقافة السياسية الرشيدة، فهي الشيء الباقي وهي التي تمنح الدولة القدرة على الاستمرار.
وعليه فإنّ رجل الدولة الحقيقي هو الذي يفهم هذه الحقيقة مبكرا، فلا يجعل هيبة الدولة امتدادا لهيبته الشخصية، ولا يجعل قوة القانون أداة لإرادته، ولا يجعل المؤسسة غطاء لعجزه أو وسيلة لإقصاء الآخرين؛ بل يعمل على أن تكون الدولة قوية بالقانون، عادلة في تطبيقه، حازمة في حماية مصالحها، رحيمة في علاقتها بمواطنيها، وقادرة على الاستمرار بعد أن يذهب الأشخاص وتبقى الدولة.
تلك هي الدولة التي نريد، وذلك هو رجل الدولة الذي نحتاجه.
رجل يعرف أن السلطة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون نفوذا وصلاحية، وأن قوة الدولة لا تكون مشروعة إلا إذا انضبطت بالعدل، واحترمت القانون، وخدمت المصلحة العامة.
رجل يدرك أن القيمة الحقيقية للمسؤول لا تقاس بما امتلكه من نفوذ، ولا بما تركه من صدى لاسمه، وإنما بما أسسه من مؤسسات، وما رسخه من قواعد، وما تركه من دولة قادرة على الاستمرار والنهوض بعده، دون أن ترتهن لشخص أو تتوقف على غياب فرد أو حضوره.

----

يحي عابدين - كاتب وناشط مهتم بالشأن العام المحلي والإقليمي.