
تجد موريتانيا نفسها اليوم في واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخريطة السياسية لشمال إفريقيا وغربها. فهي الدولة الوحيدة التي تشترك في حدود مباشرة مع المغرب والجزائر، وتجاور في الوقت نفسه منطقة الصحراء الغربية، بينما تمتد مصالحها الاقتصادية والأمنية جنوباً نحو دول الساحل وغرب إفريقيا.
هذا الموقع جعل نواكشوط طرفاً مطلوباً من الجارين الكبيرين، لكنه جعلها أيضاً حريصة على عدم التحول إلى جزء من الصراع الجزائري ـ المغربي. فمنذ خروجها من حرب الصحراء الغربية، طورت موريتانيا سياسة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الرباط والجزائر، وتجنب الاصطفاف العلني مع أي منهما.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح هذا الخيار أكثر صعوبة، خصوصاً بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس 2021، وتصاعد التنافس بين البلدين على النفوذ في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. وتصف دراسات أوروبية متخصصة موريتانيا بأنها تمارس سياسة «التحوط» وتنويع الشركاء للحفاظ على هامش استقلالها.
من تجربة الحرب إلى قاعدة عدم الانحياز
لفهم الموقف الموريتاني الحالي، لا بد من العودة إلى تجربة السبعينيات.
دخلت موريتانيا حرب الصحراء الغربية بعد اتفاق مدريد سنة 1975، وتقاسمت الجزء الجنوبي من الإقليم مع المغرب. لكن الحرب أثقلت الدولة الموريتانية الناشئة اقتصادياً وعسكرياً، ووصل الصراع إلى العاصمة نواكشوط نفسها.
وفي يونيو 1976 تعرضت مدينة نواكشوط لهجوم شنته جبهة البوليساريو، في وقت كانت فيه الحرب قد تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الموريتاني. وبعد ذلك بثلاث سنوات، وقعت موريتانيا اتفاق السلام مع البوليساريو وانسحبت من الصراع سنة 1979، قبل أن يسيطر المغرب على الجزء الذي كانت موريتانيا تديره.
ومنذ ذلك الانسحاب، أصبحت القاعدة الأساسية للسياسة الموريتانية هي عدم الدخول مجدداً في نزاع الصحراء بوصفها طرفاً عسكرياً.
وتطورت هذه السياسة لاحقاً إلى ما أصبح يعرف في الخطاب الدبلوماسي الموريتاني بـ«الحياد الإيجابي».
وفي مقابلة مع «جون أفريك»، شرح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هذا الموقف بوضوح، قائلاً إن موريتانيا تبنت، منذ خروجها من النزاع، سياسة الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، وإنها تريد استخدام «الحياد الإيجابي» للمساعدة في التقريب بين وجهات النظر وإيجاد حل.
هذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية؛ إنها خلاصة تجربة تاريخية دفعت موريتانيا ثمناً كبيراً عندما انخرطت مباشرة في الصراع.
المغرب: جغرافيا التجارة والممر الأطلسي
لا تستطيع موريتانيا تجاهل المغرب لاعتبارات الجغرافيا والاقتصاد والتجارة.
فالطريق البري الرابط بين المغرب وموريتانيا يشكل أحد أهم المنافذ البرية التي تربط المغرب وغرب إفريقيا. ولهذا اكتسب معبر الكركرات أهمية تتجاوز كونه نقطة حدودية، خصوصاً بعد أزمة إغلاقه في نوفمبر 2020 من طرف عناصر تابعة للبوليساريو.
وتكمن حساسية المعبر بالنسبة لموريتانيا في أن أي اضطراب في حركة النقل بين المغرب وموريتانيا يمكن أن ينعكس مباشرة على تدفق السلع وعلى الأسعار وعلى حركة التجارة نحو الأسواق الموريتانية وأسواق غرب إفريقيا.
وفي السنوات الأخيرة، عزز المغرب حضوره الاقتصادي في موريتانيا عبر قطاعات متعددة، من الاتصالات والمصارف إلى البناء والصيد والطاقة، بينما طرحت الرباط «المبادرة الأطلسية» التي تستهدف توفير منفذ لدول الساحل على المحيط الأطلسي.
وتحتل موريتانيا موقعاً مركزياً في هذه المبادرة بسبب موقعها الجغرافي بين شمال إفريقيا والساحل.
وهناك مشروع خط الغاز النيجيري المغرب الذي يراد له أن بسلك المحيط الأطلس من نيجريا إلى المغرب في طريقه إلى أوربا مرورا بالسواحل المزريتانية..
لكن نواكشوط لم تحول هذا التعاون الاقتصادي إلى اصطفاف سياسي في قضية الصحراء.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص السياسة الموريتانية: التعاون مع المغرب لا يعني تبني الموقف المغربي من قضية الصحراء.
الجزائر: شراكة تتجاوز الحسابات السياسية
في المقابل، شهدت العلاقات الموريتانية ـ الجزائرية تطوراً كبيراً منذ 2018، ثم تسارعت بصورة واضحة بعد وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الرئاسة سنة 2019.
ومن أبرز محطات هذا التقارب افتتاح أول معبر حدودي بري بين البلدين في أغسطس 2018، وهو تطور كانت له أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة، إذ نقل العلاقة من مستوى الجوار الجغرافي إلى مستوى مشاريع الربط التجاري.
ثم جاءت الزيارات الرئاسية المتبادلة لتمنح العلاقة زخماً إضافياً.
ووفق معطيات نشرتها «الجزيرة» في ديسمبر 2024، زار ولد الغزواني الجزائر خمس مرات منذ توليه السلطة سنة 2019، بما في ذلك زيارة دولة في ديسمبر 2021. وخلال اجتماعات اللجنة المشتركة العليا بين البلدين سنة 2022، جرى توقيع 26 اتفاقية في مجالات متعددة.
كما أصبح مشروع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات واحداً من أهم المشاريع التي تعكس التحول في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
النسخة الأخرى من مشروع ربط الغاز النيجيري بالقارة العجوز عبر الصحراء، إلا أن هذا الخط قدلايمر بموريتانيا..
وتشير وزارة الخارجية الجزائرية إلى أن العلاقات مع موريتانيا شهدت زخماً متزايداً، مع مشاريع تشمل الطريق تندوف ـ الزويرات، وفتح بنك جزائري في نواكشوط، وإقامة معرض دائم للشركة الجزائرية للمعارض والتصدير، إضافة إلى التعاون في مجال الصيد البحري.
وفي مايو 2025، تلقى الرئيس عبد المجيد تبون اتصالاً هاتفياً من الرئيس ولد الغزواني، وصفته الخارجية الجزائرية بأنه تناول «العلاقات الأخوية المتينة والمتجذرة» بين البلدين.
وهكذا، فإن الجزائر بالنسبة إلى موريتانيا ليست مجرد طرف في نزاع الصحراء، وإنما جار شمالي له حدود مباشرة ومصالح أمنية وتجارية ومشاريع بنية تحتية متزايدة.
لماذا لا تنضم موريتانيا إلى أي محور؟
السؤال الأهم ليس لماذا تتعاون موريتانيا مع المغرب والجزائر، وإنما لماذا ترفض تحويل هذا التعاون إلى تحالف مع أحدهما ضد الآخر؟
الجواب يرتبط بثلاثة اعتبارات رئيسية.
أولاً: الجغرافيا
موريتانيا تقع في منطقة تماس بين ثلاثة فضاءات:
* المغرب العربي شمالاً؛
* الصحراء الغربية غرباً وشمالاً؛
* الساحل وغرب إفريقيا جنوباً وشرقاً.
وبالتالي فإن الدخول في محور مغربي أو جزائري سيعني عملياً تحمل تبعات صراع يتجاوز حدودها.
ثانياً: الاقتصاد
موريتانيا تحتاج إلى تنويع شركائها.
فهي لا تستطيع التخلي عن السوق والطرق التجارية المرتبطة بالمغرب، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل الفرص التي يوفرها التعاون مع الجزائر.
وتذهب دراسة لمعهد كارنيغي إلى أن نواكشوط تتبع سياسة «تنويع الشركاء والتحوط» لتقليل اعتمادها على أي قوة خارجية والحفاظ على قدر أكبر من الاستقلال والاستقرار.
ثالثاً: الأمن
موريتانيا دولة ساحلية ـ صحراوية تقع على تخوم منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة توسع الجماعات المسلحة، وانقلابات عسكرية، وانسحاباً متدرجاً للقوى الدولية من الساحل.
ولهذا فإن مصلحتها الأساسية هي الحفاظ على حدود مستقرة وعدم السماح بتحويل أراضيها إلى ساحة للمنافسة الجزائرية ـ المغربية.
موريتانيا لا تريد الاختيار بين الرباط والجزائر
المعادلة التي تبدو واضحة في سياسة نواكشوط هي:
المغرب شريك اقتصادي وجغرافي مهم، والجزائر شريك أمني وسياسي واقتصادي مهم، لكن أياً منهما لا ينبغي أن يتحول إلى مرجعية حصرية للسياسة الخارجية الموريتانية.**
وهذا ما يفسر قدرة موريتانيا على استقبال المسؤولين الجزائريين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على اتصالاتها مع الرباط.
فحتى عندما تتوتر العلاقات الجزائرية ـ المغربية، تحاول نواكشوط ألا تنتقل تلقائياً إلى أحد المعسكرين.
وقد لاحظت مؤسسة «Stiftung Wissenschaft und Politik» الألمانية أن الجزائر والمغرب يتنافسان بصورة متزايدة على استمالة موريتانيا، وأن المراقبين يتابعون باهتمام أي مؤشر يمكن أن يعني تخلي نواكشوط عن موقفها المحايد.
## التحول الأخطر: الصراع لم يعد مغاربياً فقط
المشكلة الجديدة أمام موريتانيا أن التنافس الجزائري ـ المغربي لم يعد محصوراً في قضية الصحراء الغربية.
لقد امتد إلى الساحل.
المغرب يعمل على توسيع حضوره الاقتصادي والسياسي نحو دول الساحل، ويقدم مبادرات مرتبطة بالمحيط الأطلسي والربط التجاري.
والجزائر من جهتها تحاول تعزيز موقعها التقليدي في الساحل من خلال مشاريع الطرق والتجارة والطاقة والعلاقات السياسية والأمنية.
وبذلك أصبحت موريتانيا في موقع جغرافي يجعلها ممراً محتملاً لكثير من المشاريع التي يتنافس عليها البلدان.
وتشير دراسة كارنيغي إلى أن موقع موريتانيا كجسر بين شمال إفريقيا والساحل يمنحها أهمية متزايدة في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
الكركرات نموذج مصغر للمعادلة الموريتانية
ربما تكشف أزمة الكركرات أكثر من غيرها طبيعة الموقف الموريتاني.
فموريتانيا تحتاج إلى استمرار الطريق التجاري مع المغرب، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع البوليساريو أو الجزائر بسبب هذا الطريق.
ولهذا حاولت الحفاظ على خطاب دبلوماسي حذر، بينما كانت مصلحتها الاقتصادية تفرض استمرار الحركة التجارية.
ومن منظور موريتاني بحت، القضية ليست فقط من يسيطر على الكركرات، وإنما كيف تضمن نواكشوط ألا يتحول الطريق الذي يربطها بالمغرب وغرب إفريقيا إلى نقطة اشتباك عسكري جديدة.
العلاقات العسكرية لا تعني اصطفافاً
لدى موريتانيا علاقات أمنية وعسكرية مع الجزائر تعود إلى سنوات طويلة، خصوصاً في إطار التعاون في مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود.
وقد أشار ولد الغزواني نفسه، عندما كان يتحدث عن علاقته بالجزائر، إلى مشاركته سابقاً في اجتماعات لجنة الأركان العملياتية المشتركة «CEMOC» في تمنراست، وهي آلية إقليمية للتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب.
لكن ذلك لم يمنع موريتانيا من تطوير علاقاتها الأمنية والعسكرية مع شركاء آخرين، بما في ذلك المغرب ودول غربية.
وهنا تظهر فلسفة السياسة الموريتانية بوضوح *التعاون الأمني متعدد الاتجاهات، وليس تحالفاً مغلقاً.**
معادلة «الشريك للجميع
يمكن قراءة السياسة الخارجية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة باعتبارها انتقالاً من مفهوم «الحياد» التقليدي إلى مفهوم أكثر براغماتية يمكن تسميته «تنويع الشراكات».
وهذا يفسر تقاربها مع الجزائر في مشاريع الطرق والتجارة والطاقة، وتقاربها مع المغرب في التجارة والاستثمار والربط الأطلسي، وفي الوقت نفسه انفتاحها على أوروبا والولايات المتحدة والصين وتركيا ودول الخليج.
هذه السياسة تمنح موريتانيا قدرة أكبر على التفاوض، لأن انتقالها الكامل إلى محور واحد سيقلل من قدرتها على المناورة.
## هل تستطيع موريتانيا الاستمرار في هذا التوازن؟
التحدي الحقيقي أن هامش المناورة قد يصبح أضيق خلال السنوات المقبلة.
فكلما اشتد الصراع الجزائري ـ المغربي، ازدادت حساسية أي خطوة موريتانية.
أي اتفاق كبير مع المغرب يمكن أن يقرأ في الجزائر باعتباره تقارباً سياسياً، وأي مشروع استراتيجي مع الجزائر يمكن أن يفسر في الرباط على أنه انتقال في الموقف.
ولهذا أصبحت الدبلوماسية الموريتانية مطالبة بإدارة ليس فقط العلاقات الثنائية، وإنما أيضاً **كيفية تفسير هذه العلاقات**.
وتلك نقطة مهمة؛ لأن الصراع الحالي لا يدور حول المشاريع فقط، بل حول النفوذ والرمزية والموقع داخل معادلة المغرب العربي والساحل.
## الخلاصة: موريتانيا لا تبحث عن توازن بين المغرب والجزائر بقدر ما تبحث عن استقلال قرارها
التوازن الموريتاني ليس نتيجة غياب الخيارات، بل نتيجة إدراك كلفة اختيار أحدها.
فموريتانيا خرجت من تجربة الصحراء الغربية بخلاصة سياسية عميقة: الدخول في صراعات الجوار يمكن أن تكون كلفته أكبر بكثير من مكاسبه.
ومنذ ذلك الوقت، تطورت سياستها من الانسحاب من الحرب إلى الحياد، ومن الحياد إلى «الحياد الإيجابي»، ثم إلى سياسة أوسع تقوم على تنويع الشركاء.
ولهذا تستطيع نواكشوط أن تطور مشروع الطريق مع الجزائر، وفي الوقت نفسه تحافظ على التجارة مع المغرب؛ وأن تستقبل المسؤولين الجزائريين، دون أن تغلق أبوابها أمام الرباط؛ وأن تتعامل مع قضية الصحراء بحذر، دون أن تتحول إلى طرف في الحرب الدبلوماسية بين الجارين.
في المحصلة، **قوة السياسة الموريتانية لا تكمن في قدرتها على ترجيح كفة المغرب أو الجزائر، وإنما في قدرتها على منع أي منهما من امتلاك مفتاح قرارها الخارجي.**
وهذا هو جوهر «الحياد الإيجابي»: ليس الوقوف في منتصف الطريق بين طرفين، وإنما إبقاء الطريق الموريتاني مفتوحاً في الاتجاهين، مع جعل المصلحة الوطنية هي نقطة الارتكاز الوحيدة.
ومع انتقال التنافس المغربي ـ الجزائري من المغرب العربي إلى الساحل، تصبح موريتانيا أكثر أهمية للطرفين، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر حاجة إلى المحافظة على المسافة السياسية التي صنعتها خلال العقود الماضية.
فالبلد الذي يقع في نقطة التقاء المغرب العربي والصحراء والساحل لا يملك ترف الانحياز السهل؛ وما يملكه هو **هامش المناورة، وتنويع الشركاء، والتمسك بقرار مستقل، وتحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ورقة قوة.**













