
اشتكى مشاركون في مسابقة اكتتاب أربعين قاضياً المنظمة من قبل وزارة العدل مما وصفوه بأخطاء وخروقات شابت الامتحان مما يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المسؤولة عن المسابقة، لأن هذا وفق تعبير مترشحين يضر بصدقية المسابقة ويضرب نزاهتها في الصميم، وقد عدد المشاركون ومنهم دكاترة وأكاديمون وفقهاء عديد الأخطاء في مادة فقه المعاملات على سبيل التمثيل لا الحصر، وكذا في مادة التنظيم القضائي و بقية المواد، وبحسب المشاركين الطاعنين فإن تصحيح مادة الفقه قد شابته أخطاء كثيرة، معتبرين أن الإجابات المعتمدة في عدد من الأسئلة لا تستقيم مع المشهور في صحيح المذهب المالكي، بل تخالف نصوصاً صريحة في بعض أمهات الكتب، وهو ما ينعكس ـ حسبهم ـ على مصداقية المسابقة وعلى مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.
وبحسب ملاحظات مترشحين فإن القانون الجنائي يتمحور حول النظرية العامة للجريمة ولم يتطرق لها الامتحان إلا فيما يناهزعشرة أسئلة من أصل ستين سؤالا، أما بقية الأسئلة الخمسين فقد كانت عن بعض الفرضيات تتعلق في مجملها بالقانون الجنائي الخاص، ومن حيث المبدأ فهي مقبولة، في مقابل كثرة الأسئلة في بعض القوانين المحدودة التي لا ينبغي أن يركزعليها الامتحان لمحدوديتها وضآلتها، مثل قانون الإرهاب والعبودية وقانون الجريمة السبرانية، وقانون الهجرة، فقد كانت هذه القوانين محور اسئلة امتحان القانون الجانئي، وذكر بعض المترشحين عدم ااعتراضهم على طرحها لكن كان ينبغي ألا يكون ذلك على حساب لب القانون ومركزه "النظرية العامة للجريمة"، هذا مع تشعب الامتحان واغراقه بالنوازل القانونية مع وجود بعض الأسئلة خارج التخصص.
فقد كانت بعض أسئلة مادة القانون الجنائي خارج التخصص وأقرب إلى بعض القوانين الأخرى كالقانون المدني، ومن ذلك سؤال يتعلق بتنازع القوانين حيث ورد سؤال عن موريتاني تعاقد مع أجنبي في دولة خارجية واشترط الموريتاني عليه إن وقع خلاف بينهما أن يكون احتكامهما إلى محكمة جنيف ثم جاء الاجنبي وعرض القضية على محكمة موريتانية فهل ينعقد لها الاختصاص؟
ورأى بعض المشاركين أن من وضعوا المسابقة قد خرجوا عن نطاق البرنامج الذي كان يجب أن يجري فيه الامتحان وهو النظرية العامة للقانون الجنائي.
وأقرّ المتسابقون بأن للصيغة المعتمدة إيجابيات لا تُنكر، من بينها سرعة الإجراءات وسرعة التصحيح وإتاحة الاطلاع الفوري على النتائج، غير أنهم رأوا أن ما شابها من هنات في مادة الفقه والقانون يقتضي المعالجة، مشيرين إلى أن نمط التصحيح وصياغة التعليقات التوضيحية يوحيان باعتماد أدوات آلية دون مراجعة كافية من مختصين في الفقه المالكي.
فالأسئلة في هذه المسابقة كما هو متبادر قد تركت للوسائل الآلية دون أن تمر على تدقيق المختصين مما انعكس سلبا على نماذج التصحيح المعتمدة أو التصحيح النموذجي للمسابقة الذي جانب الصواب في عديد الأمور العلمية فجاءت صياغته مجافية للمنطق ولماهو مستقر في مثل هذه المسابقاتن ما يقتضي المعالجة والاستدراك..
إشكال منهجي في تحديد "الشريعة" و"المذهب"
وتوقّف المتسابقون عند ما اعتبروه خللاً منهجياً في تصحيح السؤال المتعلق بأقل الصداق، واعتبار كون أقل الصداق ربع دينار إجابة خاطئة عن السؤال "عن أقل الصداق في الشريعة الإسلامية" إذ يعني هذا أن التصحيح النموذجي يخرج المذهب المالكي من نطاق الشريعة الإسلامية؛ و لا يعتبر صدق نسبة أقواله إلى الشريعة، واعتبر المترشحون أن هذا التفريق بين الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي لا يستقيم، لأن المذهب المالكي مستمد من الشريعة، وأقوال أئمته قائمة على الأدلة، وحججهم في هذه المسألة ليست واهية حتى تُستبعد من دائرة الحكم الشرعي. وأضافوا أن السؤال وردت صيغته عن أقل الصداق في الشريعة، وهي مسألة خلافية بين الفقهاء، وكل الأقوال الواردة فيها منسوبة إلى الشريعة ومستمدة منها، فلا وجه لاعتبار قول المالكية غير صحيح شرعاً.
وأوضحوا أن ما يمكن قوله في هذا الباب هو أن مدونة الأحوال الشخصية لم تأخذ بقول المالكية في تحديد أقل الصداق، وذلك أمر تشريعي لا يصح أن يُحوَّل إلى تخطئة للمذهب في مقام السؤال عن الحكم الشرعي.
ونص مختصر خليل في هذه المسألة صريح، حيث قال في باب الصداق: "وفسد إن نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة أو مقوّم بهما، وأتمّه إن دخل"، و التعليل الذي ساقه التصحيح ـ وهو أن عدم تسمية المهر لا يبطل العقد بل يوجب مهر المثل ـ لا علاقة له بمحل السؤال، إذ لا تلازم بين حكم عدم التسمية وبين تحديد الحد الأدنى للصداق.
الخلع بحرام: اعتُمد أن من خالعته امرأته بحرام تردّ له صداق المثل، والمقرر في المذهب أنها تبين منه ولا شيء له، لقول خليل في باب الخلع: "والحرام كخمر ومغصوب وإن بعضاً، ولا شيء له".
ملاحظات على أسئلة المعاملات
وفي ما يتعلق بباب المعاملات، أورد بعض المتسابقين جملة من الملاحظات، أبرزها:
اختلاف المتبايعين في قدر الثمن مع قيام السلعة، فاعتمد التصحيح أن القول للمشتري بيمينه، بينما المقرر في المذهب أن المتبايعين يتحالفان ويُفسخ البيع ما دامت السلعة قائمة. وقد نصّ على ذلك خليل بقوله: "وفي قدره كمثمونه أو قدر أجل… حلفا وفُسخ إن حُكم به"، قال ابن عاصم رحمه في تحفة الحكام،
وحيثما اختلف بائع ومن منه اشترى إن كان فى قدر الثمن
ولم يفت ما بيع فالفسخ إذا ما حلفا أو نكلا قد أنفذا
وعلّق الدسوقي بأنه مع قيام السلعة يتحالفان ويتفاسخان دون نظر إلى الشبه من عدمه.
وقال محمد مولود فى الكفاف
أو وصف أوس اوحجاه أقسما
معا إذا كان المبيع. قائما
فوات السلعة بسبب أجنبي: في المقابل، اعتمد التصحيح في سؤال آخر التحالف والفسخ مع فوات المبيع، وهو عكس الحكم، إذ القول في هذه الصورة للمشتري إذا أشبه، حسبما هو مقرر في المذهب قال محمد مولود في الكفاف.
بيع الثنيا: كُيّف في التصحيح على أنه رهن، وهو تكييف على مذهب الأحناف الذين يسمونه بيع الوفاء، في حين يذهب المالكية إلى فسخه إذا وقع الشرط في أصل العقد، وهو ما نظمه ابن عاصم بقوله:
"والبيع بالثنيا لفسخ داعي"، ونصّ عليه ابن جزي في القوانين الفقهية.
الإقالة: اعتُبرت في التصحيح حلاً للبيع الأول لا بيعاً جديداً، خلافاً للمشهور الذي درج عليه خليل في قوله: "والإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة والمرابحة".
شروط المسلَم فيه: اشتُرط أن يكون مثلياً، ولم يذكر الفقهاء هذا الشرط، إذ يصح السّلم في المقوَّم كالحيوان والعروض.
وصف القرض: أُدرج ضمن عقود التبرع، وهو ما لا يستقيم لاشتماله على رد المثل، كما ورد في التصحيح أن القرض لا يجوز إلا في المثليات، خلافاً لقول خليل: "ويجوز قرض ما يُسلَم فيه إلا جارية تحل للمقترض".
التبرؤ من العيب: اعتُمد في نموذج التصحيح أن المشتري لا يرد على البائع إذا وجد عيباً بعد تبرّئه منه، مع أن التبرؤ في المذهب مقصور على بيع الرقيق- وهو حكم مندثر-، في أحوال محددة نصّ عليها خليل في خيار النقيصة، وهو ما لم يعد له وجود في الواقع ولا في القانون.
خيار العيب والأرش: اعتمد التصحيح أن للمشتري التمسك بالسلعة المعيبة مع أخذ الأرش، بينما المقرر في المذهب أن له التمسك بها دون أرش أو ردها، والأرش مقرر في حالات أخرى لم يتضمنها نص السؤال.
المقاصة: اشتُرط التصحيح النموذجي لصحتها حلول الدينين معاً، خلافاً لقول خليل: "وتجوز المقاصة في ديني العين مطلقاً، حلّا أو أحدهما أم لا".
قضاء دين السلف: اعتُبر في نموذج التصحيح جائز بأكثر عدداً، خلافا لمشهور المذهب الذي درج عليه خليل بقوله: "وإن حلّ الأجل بأقلّ صفةً وقدراً، لا أزيد عدداً أو وزناً، إلا كرجحان ميزان".
بيع المعاطاة: اعتُمد في نموذج التصحيح أنه لا ينعقد إلا في المحقرات، وهو مذهب الأحناف لا مذهب المالكية، الذين ينعقد عندهم البيع بالمعاطاة في المحقرات وغيرها، لقول خليل في أول كتاب البيع: "ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن بمعاطاة".
بيع الطعام قبل قبضه: اعتُبر في نموذج التصحيح ممتنعاً مطلقاً، مكيلاً كان أو موزوناً أو جزافاً، مع أن خليلاً أجاز الجزاف بالعقد، كما أجاز التولية والشركة فيه ما لم يكن على أن يُنقَد عنه.
استبدال المسلَم فيه: أُجيز في نموذج التصحيح فيمن اسلم في مائة كلغ من القمح وأراد المسلم له عند حلول الأجل أن يعطيه 90 كغ من القمح أجود من العينة المستحقة، وهو ما لا يستقيم لما فيه من ربا الفضل وبيع طعام المعاوضة قبل قبضه.
الوصية: اعتُبر نموذج التصحيح أن من شروط الموصي أن يكون أهلاً للتبرع، وعُلّل النموذج بأن وصية الصبي والسفيه لا تصح، وهذا خطأ ومخالف لقول خليل: "صحّ إيصاء حرّ مميّز مالك وإن سفيهاً أو صغيراً"، ولما نظمه صاحب الكفاف من صحة الوصية من المميز: نعم تصح من مميز وصاة
ملاحظات على مادة الإجراءات
ولم تقتصر الانتقادات على فقه المعاملات، إذ طالت كذلك مادة الإجراءات، حيث أفاد متسابقون أن الأسئلة المطروحة فيها لم تتضمن سوى سؤال واحد متصل بالإجراءات المدنية، بينما جاءت بقية الأسئلة ذات طابع مهني بحت، ووصفوا بعضها بأنها أقرب إلى الألغاز والأحاجي منها إلى الاختبار العلمي، فالأسئلة من وجهة نظرهم لا تمتّ بصلة إلى المسائل العلمية المدرجة والمقننة في المساطر المعمول بها في موريتانيا، وهو ما يجعل الاختبار ـ في تقديرهم ـ غير معبّر عن مستوى تحصيل المترشحين في هذه المادة، ولا يعطي صورة صادقة عن مدى استيعابهم للنصوص الإجرائية الوطنية.
ملاحظات على الصياغة والإجراءات التقنية
وإلى جانب ما سبق، أثار متسابقون ملاحظات على صياغة عدد من الأسئلة، ولا سيما ما يتعلق بالتمييز بين ربا الفضل وربا النسيئة، حيث قالوا إن صيغة السؤال كانت تقتضي إدراج إجابات تم إقصاؤها في التصحيح، فضلاً عن اعتبار القمح والشعير جنسين مختلفين، بينما نصّ خليل على أنهما مع السُّلت جنس واحد، وهو ما أورده ابن جزي في القوانين الفقهية، ولاحظوا أن بعض التكييفات جانبت الصواب، من ذلك تكييف قرض يُردّ مع هدية على أنه ربا نسيئة، بينما هو في المذهب سلف بزيادة، إضافة إلى ما اعتبروه غياباً للمصطلحات الفقهية المعهودة وصياغة مُوهِمة في عدد من الأسئلة.
جمع المادة محمد عمر الجوادي













