الهجرة إلى موريتانيا: من أين يأتي المهاجرون وماذا تكسب البلاد وماذا تخسر؟- موقع الفكر

من العمالة القادمة من غرب إفريقيا إلى اللاجئين الماليين وطريق الكناري.. كيف تحولت موريتانيا إلى بلد استقبال وعمل وعبور؟

لم تعد الهجرة في موريتانيا مجرد حركة عابرة على الحدود، بل أصبحت ظاهرة متعددة الأوجه تجمع بين العمالة القادمة من دول غرب إفريقيا، واللاجئين الفارين من النزاعات في الساحل، والمهاجرين الذين يتخذون من السواحل الموريتانية محطة في طريقهم إلى جزر الكناري.

وهذه الفئات لا ينبغي جمعها في رقم واحد؛ فالعامل المهاجر، واللاجئ، والمهاجر العابر نحو أوروبا، لكل منهم دوافع مختلفة وتأثير مختلف على الاقتصاد والمجتمع والأمن.

مالي والسنغال في مقدمة القادمين

تأتي الكتلة الأساسية من المهاجرين من مالي والسنغال، إلى جانب غينيا وغامبيا ودول أخرى في غرب إفريقيا.

وفي دراسة للمنظمة الدولية للهجرة أجريت في نواكشوط سنة 2019، كان السنغاليون يمثلون 49% من المهاجرين الذين شملهم المسح، والماليون 27% والغينيون 9%، فيما قال 86% من المستجوبين إن الفرص الاقتصادية كانت من أسباب اختيارهم موريتانيا. أما دراسة المنظمة في نواكشوط ونواذيبو وسيليبابي سنة 2025، فأكدت استمرار الحضور القوي للماليين والسنغاليين وانخراط نسبة كبيرة من المهاجرين في سوق العمل.

وتستقطب المدن الموريتانية المهاجرين بحسب طبيعة اقتصادها؛ فالبناء والخدمات والتجارة والزراعة والصيد توفر فرصاً للعمالة الأجنبية، بينما تجعل الحدود مع السنغال ومالي بعض المدن مراكز لحركة بشرية وتجارية مستمرة.

موجة اللجوء من مالي

إلى جانب الهجرة الاقتصادية، تواجه موريتانيا تدفقاً كبيراً من اللاجئين الماليين نتيجة تدهور الوضع الأمني في مالي.

وتقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في موريتانيا بنحو 309 آلاف شخص في يونيو 2025، وكان الماليون يمثلون نحو 97% من اللاجئين. كما دخل أكثر من 112 ألف مالي إلى موريتانيا خلال 2024 وفق بيانات المفوضية.

ويتركز جزء كبير من هؤلاء في الحوض الشرقي، حيث أصبح اللجوء عاملاً مؤثراً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة. ويعكس مخيم امبره حجم الضغط؛ فقد تجاوز عدد الموجودين فيه 120 ألف شخص في 2025، رغم أن طاقته الأصلية كانت تقارب 70 ألفاً.

وهنا تتحول الهجرة من قضية حدودية إلى قضية تنمية محلية، بسبب الحاجة المتزايدة إلى المياه والصحة والتعليم والغذاء والخدمات.

موريتانيا على طريق الكناري

الوجه الآخر للهجرة يتمثل في الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري.

وتعد موريتانيا، إلى جانب المغرب والسنغال، إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية لهذا المسار. وفي 2025 وصل إلى جزر الكناري بصورة غير نظامية 17,788 مهاجراً، مقابل 46,843 في 2024. ومع انخفاض عدد الواصلين، بقي الطريق شديد الخطورة؛ إذ سجلت المنظمة الدولية للهجرة 54 حادثة غرق خلال 2025 أدت إلى وفاة أو فقدان 1,214 شخصاً.

وفي أغسطس 2026 اعترضت السلطات الموريتانية قارباً يحمل 161 شخصاً، بينهم 17 طفلاً، كانوا في طريقهم من غامبيا إلى جزر الكناري، وكان معظم الركاب من السنغال وغينيا وغامبيا.

وهذه الوقائع جعلت موريتانيا طرفاً رئيسياً في إدارة الطريق الأطلسي، وليس مجرد دولة تقع عليه جغرافياً.

ماذا تكسب موريتانيا؟

للهجرة جوانب اقتصادية لا يمكن تجاهلها. فالمهاجرون العاملون يساهمون في قطاعات البناء والصيد والزراعة والتجارة والخدمات، وينفقون جزءاً من دخولهم داخل الاقتصاد المحلي، بما يعنيه ذلك من طلب على السكن والغذاء والنقل والاتصالات.

كما أن موقع موريتانيا في خريطة الهجرة الأوروبية رفع أهميتها لدى الاتحاد الأوروبي. ففي 2024 أعلن الاتحاد الأوروبي حزمة دعم لموريتانيا بقيمة 210 ملايين يورو، وشملت الهجرة والأمن والمساعدات الإنسانية والتنمية والاستثمار. كما أطلقت بروكسل ونواكشوط شراكة تتناول مكافحة تهريب المهاجرين وإدارة الحدود، إلى جانب خلق فرص العمل والتكوين والتنمية الاقتصادية.

وبذلك أصبحت الهجرة مورداً للدبلوماسية الموريتانية، لأنها منحت البلاد أهمية إضافية في علاقتها بأوروبا.

وماذا تخسر؟

في المقابل، تتحمل موريتانيا كلفة استقبال اللاجئين وإدارة الحدود ومراقبة الساحل ومكافحة شبكات التهريب وتوفير الخدمات للمناطق المضيفة.

وفي الحوض الشرقي تبرز كلفة اللجوء بصورة خاصة بسبب الضغط على الموارد والخدمات، بينما تواجه المدن الكبرى تحديات مرتبطة بالسكن وسوق العمل والإقامة القانونية والاقتصاد غير الرسمي.

ولا يمكن القول إن المهاجرين يأخذون بصورة تلقائية وظائف الموريتانيين؛ فالأثر يختلف بحسب القطاع والمهنة. قد تزيد العمالة الأجنبية المنافسة في بعض المهن منخفضة المهارة، لكنها في الوقت نفسه توفر اليد العاملة لقطاعات تحتاج إليها. ولذلك فإن تقييم أثرها يتطلب بيانات قطاعية عن الأجور والعمالة والإنتاجية، وليس أحكاماً عامة.

الأمن والهجرة

يمثل تهريب المهاجرين أحد أهم التحديات الأمنية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً عبر الطرق الصحراوية والساحلية. ولهذا أصبحت مكافحة شبكات التهريب وإدارة الحدود جزءاً أساسياً من التعاون الموريتاني الأوروبي.

لكن مساواة الهجرة بالجريمة ستكون قراءة غير دقيقة؛ فالمهاجرون يشكلون فئات اقتصادية وإنسانية واسعة، بينما يمثل التهريب نشاطاً إجرامياً محدداً.

موريتانيا نفسها بلد هجرة

لا ينبغي النظر إلى موريتانيا باعتبارها دولة استقبال فقط. فالموريتانيون أنفسهم يهاجرون إلى الخارج، وقد سجل البنك الدولي صافي هجرة سالباً بنحو 5,044 شخصاً في 2025، فيما بلغت التحويلات الشخصية الواردة 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.

وهذا يضع البلاد داخل منظومة إقليمية تتحرك فيها العمالة والأموال والسكان في اتجاهات متعددة.

المعادلة الموريتانية

الهجرة بالنسبة إلى موريتانيا ليست مكسباً خالصاً ولا خسارة خالصة.

فالعمالة المهاجرة تضيف نشاطاً إلى قطاعات من الاقتصاد، بينما يفرض اللجوء ضغطاً على الخدمات والموارد، ويمنح موقع البلاد على طريق الكناري أهمية إضافية في العلاقة مع أوروبا، لكنه يفرض في الوقت نفسه أعباء أمنية ولوجستية وإنسانية.

والفارق بين الفئات حاسم: اللاجئ المالي ليس العامل السنغالي، والعامل المقيم ليس المهاجر الغامبي الذي يحاول عبور الأطلسي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم مهاجراً يوجد في موريتانيا؟ بل: من أين جاءوا؟ لماذا جاءوا؟ كم منهم يريد الاستقرار؟ كم منهم يريد العبور؟ أين يعملون؟ وما الكلفة التي تتحملها الدولة والمجتمعات المضيفة مقابل القيمة الاقتصادية والسياسية التي تنتجها الهجرة؟

تقع موريتانيا اليوم عند تقاطع ثلاثة مسارات كبرى: أزمة الساحل، وحركة العمالة في غرب إفريقيا، والهجرة الأطلسية نحو أوروبا. وسيجعل استمرار هذه العوامل من الهجرة ملفاً دائماً في الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية الموريتانية.