الجزائر وموريتانيا والساحل: خارطة نفوذ جديدة تتبلور من جديد

تعد موريتانيا، وفق تحليل للدبلوماسي السابق عمار بلاني، مثالاً كاشفاً على الهجوم الإقليمي الذي يشهده الساحل الأفريقي، إذ تتعرض لضغوط إماراتية قوية لإبعادها تدريجياً عن الجزائر وجذبها إلى مدار "اتفاقات أبراهام".

ويقول بلاني إن الإمارات مدفوعة من المغرب الذي يعيش "هاجس العزلة الاستراتيجية"، ويخشى أن يجد نفسه محاصراً بين الجزائر والصحراء الغربية وموريتانيا، ويسعى إلى تأمين جناحه الجنوبي عبر النفوذ في نواكشوط. ولأن هذه المعركة تكتسي بعداً استراتيجياً أكبر، فإن مشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا-المغرب يشكل انضمام نواكشوط إليه شرطاً أساسياً لمروره.

ومن هذا المنطلق نفسه، يؤكد الكاتب أن الرباط وحليفها الإماراتي يبذلان جهوداً كبيرة لعرقلة مشروع الممر الاقتصادي الرامي إلى فتح طريق تندوف-الزويرات، الذي من شأنه أن يمنح موريتانيا بديلاً مباشراً عن الدوائر الخاضعة للمغرب، ويهدد شبه احتكار الرباط لتوريد منتجات عدة، خاصة الزراعية، إلى السوق الموريتانية وما وراءها.

غير أن هذه المعركة حول موريتانيا ليست سوى حلقة في سياق أوسع، إذ يشهد الساحل الأفريقي إعادة تشكيل للتوازنات الاستراتيجية، تتصدرها الجزائر التي تسعى إلى استعادة عمقها الاستراتيجي عبر مقاربة جديدة تجمع بين الأمن والتنمية والنفوذ الثقافي والديني، وفق ما يكشفه تحليل بلاني.

عقيدة أمنية منذ 1962

وفي هذا الإطار، يرى بلاني أن دور الجزائر في الساحل ينبع من عقيدة أمنية راسخة منذ الاستقلال، تقوم على منع امتداد الأزمات والاضطرابات إلى حدودها الجنوبية. وقد تجسد ذلك في رعاية الجزائر للاتفاقات المالية الكبرى: اتفاق تمنراست (1991)، والميثاق الوطني (1992)، واتفاق 2006، واتفاق 2015، ما جعلها وسيطاً رئيسياً قبل أن يتراجع هذا الموقع بعد إعلان باماكو في 2024 التخلي عن اتفاق 2015.

إعادة تفعيل محور باماكو-نيامي

شكلت زيارة الوزير الأول سيفي غريب إلى باماكو في 14 سبتمبر 2026 خطوة نحو إعادة تنشيط آليات التعاون المؤسسي، مع التركيز على أمن الحدود والتجارة والتبادل المؤسسي، مع إبقاء الباب مفتوحاً لوساطة قد تطلبها الأطراف كافة.

ولم يقتصر هذا التحرك على مالي، بل يشكل النيجر الركيزة الثانية في العمق الاستراتيجي الجزائري، حيث تحولت العلاقة بين البلدين إلى بعد عسكري جديد في أغسطس 2026، بعد إرسال الجزائر أربع مقاتلات من طراز سوخوي-30 مرفوقة بطائرة تزويد بالوقود، استجابة لطلب نيامي، إثر محاولة زعزعة الاستقرار. وكانت الجزائر قد سلمت في 9 أغسطس أربع مروحيات (مي-24في ومي-171) وذخائر وقطع غيار ومعدات صيانة.

وهكذا، يرى بلاني أن هذا الانتشار يعكس إقراراً بأن استقرار الدول المجاورة أصبح مرتبطاً مباشرة بالأمن الجزائري، ويؤكد في الوقت ذاته صعود الجزائر كقوة عسكرية محورية في الساحل، قادرة على العمل خارج حدودها بطلب من شركائها.

ولا تقف هذه المقاربة عند البعد الأمني، بل تتقاطع مع المصالح الاقتصادية الجزائرية: خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، والطريق العابر للصحراء، والألياف البصرية، والبنى التحتية الطاقوية، والمنصات اللوجستية، كلها رهينات على الاستقرار الإقليمي.

توظيف الورقة الدينية

وإلى جانب هذين البعدين الأمني والاقتصادي، يضيف الكاتب أن الجزائر تملك رصيداً روحياً وثقافياً كبيراً يمكن توظيفه، إذ يمكن لتمنراست أن تصبح منصة إقليمية لتكوين الأئمة ورحال الدين من مالي والنيجر وموريتانيا ومنطقة الساحل، تجمع بين التعليم الديني وفهم المجتمعات الساحلية والوقاية من التطرف.

وفي هذا الصدد، فقد تحولت التيجانية، الطريقة الصوفية المولودة في الصحراء الجزائرية، تدريجياً إلى تنظيم عابر للحدود، لا سيما في السنغال وموريتانيا ومالي وغينيا ونيجيريا.

ورغم هذا الأصل الجزائري، يقول بلاني إن الجزائر لم تثمّن طويلاً هذا العمق الثقافي والروحي، بينما استثمر المغرب هذا الفضاء تدريجياً، خاصة في السنغال، عبر علاقات وثيقة مع العائلات الكبرى والشخصيات البارزة في التيجانية، محولاً عمقه التاريخي المرتبط بالصوفية وفاس إلى شبكة نفوذ ديني وثقافي ودبلوماسي.

"محور الضغط": الإمارات والمغرب وإسرائيل

لأن المنافسة تتجاوز البعد الديني، فإن الإمارات والمغرب وإسرائيل تنمّي حضوراً متمايزاً لكن منسقاً ومتقاطعاً في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والتكنولوجية. فالإمارات فاعلة في البنى التحتية والطاقة والموانئ والاستثمارات والتعاون الأمني، والمغرب يملك شبكة دبلوماسية واقتصادية كثيفة في غرب أفريقيا، وإسرائيل تقدم قدرات تكنولوجية وعسكرية وأمنية.

وعليه، يصف بلاني هذه الدول الثلاث بأنها تشكل "محور ضغط" أو "محور الشر"، يسعى علناً إلى تقليص هامش مناورة الجزائر في الساحل واحتواء نفوذها الإقليمي، عبر مضاعفة الوسائط المحلية السياسية والإعلامية والأمنية القادرة على تحدي الوجود الجزائري، وصولاً إلى "استراتيجية تطويق" حقيقية.

ويشير في هذا الصدد إلى أن المغرب يسعى بالتوازي إلى عرض منافذ لموانئ الصحراء الغربية على مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهو ما يعتبره انتهاكاً لوضع هذا الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي، بديلاً عن الممرات التقليدية عبر الجزائر.

خارطة طريق جزائرية

في مواجهة هذه التشكيلة، يدعو بلاني الجزائر إلى تعزيز علاقاتها المباشرة مع دول الساحل، وعلى رأسها مالي والنيجر، عبر البنى التحتية والتعاون العسكري والتكوين الديني والتبادل التجاري والدبلوماسية، مع تفعيل الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية كذراع عملياتي يتجاوز المساعدة الظرفية إلى مشاريع مستدامة في التعليم والصحة والزراعة والماء والطاقة.

ويخلص في النهاية إلى أن الرهان النهائي هو تحويل العمق الاستراتيجي إلى تكامل إقليمي: ثقة وتعاون مع مالي، وأمن وطاقة مع النيجر، وممرات تجارية مع موريتانيا، وتكوين ديني وثقافي حول تمنراست وعين ماضي، وتعاون مؤسسي عبر الوكالة الجزائرية.

رابط المقال:
https://www.tsa-algerie.com/lalgerie-face-au-sahel-reconquete-et-stabili...