معجم "الهدوء المفرط": 10 كلمات ثابتة في خطابات الرئيس الغزواني- موقع الفكر

 إذا كانت خطابات الرؤساء في الماضي تُقاس بحجم الصراخ وانتفاخ الودجين وشدة الطَرق على الطاولات، فإن خطابات الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني جاءت بمدرسة جديدة: "الدبلوماسية الهادئة جداً". لغة رزينة، مفردات مصاغ  بعناية صوفية-عسكرية، وقدرة فائقة على قول كل شيء دون إغضاب أحد.   

1. "التهدئة" (أو التشاور)
تعتبر هذه الكلمة "المرهم السحري" لعهد الغزواني. ظهرت الكلمة كبديل للملاكمات الكلامية التي شهدها الشارع السياسي سابقاً. أصبحت "التهدئة السياسية" مخدراً لطيفاً أذاب المشهد، فباتت المعارضة تُصرح بنفس لغة الموالاة، وأصبح الجميع يتشاورون على فنجان شاي هادئ دون أن يعرف الشعب بالضبط: علامَ اتفقوا؟   
2. "الفئات الهشة"   

لا يمر خطاب رئاسي دون التحسس والتأسي على آلام "الفئات الهشة". كلمة تحمل دفئاً إنسانياً جميلاً، وجعلت وكالة "تآزر" تعمل ليل نهار على توزيع التحويلات النقدية. النقد الوحيد هنا هو أن هذه "الهشاشة" تبدو أحياناً مستقرة ومستمرة، وكأن الهدف أصبح الرعاية الدائمة للهشاشة بدلاً من إخراج أصحابها منها!   

ليس المقام هنا الحكم على أداء التآزر النشكوك فيه أصلا..
3. "المدرسة الجمهورية"   

الحلم الأكبر والمشروع القومي الأساسي. تُكرر الكلمة بنبرة حازمة لإعادة الهيبة للتعليم العمومي وجمع أبناء الوطن في زي موحد. المفارقة الطريفة أن "المدرسة الجمهورية" يُشاد بها دائماً في الخطابات الفخمة، بينما يواصل الوزراء والمندوبون السعي لتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة والأجنبية!   
4. "محاربة الفساد"   

عبارة يرتجف لها المواطن العادي خوفاً من تفشي الظاهرة، بينما يبتسم المسؤول الكهنسي بصلابة! تُقال الكلمة باستمرار وفي كل مناسبة تقريباً. لكن في التجربة الموريتانية، يبدو "الفساد" خبيراً في التكيف؛ كلما أعلن الرئيس الحرب عليه، بادر الفساد بتقديم طلب انضمام لـ"حماية المنجزات" والتقاط صورة مع اللجنة التنفيذية!   
5. "اللحمة الوطنية " (أو الوحدة الوطنية)   

هي العقدة والحل في أدبيات القصر. كلمة حاضرة دائماً لدرء مخاطر الفتن والخطابات الفئوية، والقبلية والجهوية. يُشدد الرئيس على حمايتها بحزم عسكري، غير أن المواطن يعلم أن أقوى ما يهدد هذه اللحمة أحياناً ليس الخطاب الفئوي، بل توزيع الصفقات والتعيينات بذات المعايير القديمة!   
6. "الصبر" (أو التريث)
من المفاهيم المتأصلة في ثقافة الرئيس الشخصية. يتحدث دائماً بلغة التأني بلغة لا تعرف العجلة، داعياً إلى ضبط النفس والتخطيط الهادئ. هو مفهوم راقٍ تنموياً، لكنه يضع أعصاب الشارع الموريتاني – المعروف بقلة صبره وطموحه للحلول السريعة – في اختبار يومي مع القوانين والإصلاحات الحلمية.   
7. "التراكمات"
الكلمة الشماعة التي تحمل أخطاء العقود الماضية. حين تسأل الحكومة عن سبب حفرة في طريق أو انقطاع في الكهرباء والملء، تأتي الإجابة في الخطاب جاهزة: "إنها تراكمات لعقود طويلة!". هي كلمة صحيحة منطقياً، لكن الاستمرار في استدعائها يجعلك تشعر أن "التراكمات" كائن حي يرفض التقاعد!

8. "الصرامة"
تظهر هذه الكلمة عادة عندما يصل منسوب الشكوى الشعبية إلى ذروته. يلوّح بها الرئيس في اجتماعات الأطر أو المفتشية بعبارات من قبيل "سنعاقب المقصرين بصرامة". الطريف أن "الصارمة" الموعودة غالية الظهور ميدانياً، وعندما تُطبق، تكتفي غالباً بنقل المسؤول المقصر من وزارة إلى مؤسسة عمومية أخرى كنوع من العتاب!   
9. "السيادة الغذائية" (أو الزراعة)   

مفردة استراتيجية أخذت موقع الصدارة في الخطابات الأخيرة. الدعوة المستمرة للعودة إلى الأرض واستغلال ضفاف نهر سنغال للزراعة وتحقيق الاكتفاء. ورغم أن الخطاب حماسي ويستنهض الهمم، إلا أن أسراب "الجراد" وارتفاع أسعار السماد والمدخلات الزراعية تُسهم أحياناً في تحويل هذه السيادة إلى "سعادة" مؤجلة!   
10. "المواطنون الأعزاء"   

الافتتاحية والختام المفضلة. تُقال بنبرة أبوبة تعيد الشارع إلى الوقار. هي الكلمة التي تجعل المواطن البسيط يشعر أنه المعني الأول بكل هذه البرامج والمشاريع، قبل أن يستيقظ في الصباح التالي ليصطدم بطابور للحصول على ورقة مدنية أو قنينة غاز، ليتذكر أن بينه وبين "الأعزاء" سلسلة لا تنتهي من البيروقراطية.   
ومهما يكن فإن فن التوازن القاتل هو البصمة البيانية الخاصة بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني: إدارة الدولة بـ"التوازنات الهادئة". خطاب لا يجيّش العواطف ولا يقطع خطوط الرجعة مع أحد، لكنه يتطلب من المواطن الموريتاني امتلاك قاموس خاص لفك شفراته، وفهم أن "الصرامة" تعني التريث، و"محاربة الفساد" تعني التلميح، و"التهدئة" هي سيد الأحكام!