ردّا على اللجنة: متظلمو مسابقة القضاة يتمسّكون بإلغاء النتائج

أصدرت لجنة مسابقة اختيار اثنين وثلاثين قاضيا بيانا دافعت فيه عن سلامة المادة العلمية للمسابقة، فكان مما فاجأ الرأي العام، ولا سيما أهل الاختصاص والغيورين على قطاع العدل. ولوضع الأمور في نصابها، وإطلاع الرأي العام على ما في البيان من تناقض، نُجمل ملاحظاتنا في النقاط الآتية قبل التفصيل:

أولا: نشأت هذه اللجنة تطبيقا للنصّ المنظِّم لمسابقة القضاة، ومُنحت صلاحيات لجنة المسابقات، وكان المتسابقون يأملون أن تكون على قدر الأمانة، وأن تفيد من تجارب سابقة شهدت تحسّنا مطّردا. غير أن الواقع أن المسابقة عادت إلى مرحلة أسوأ؛ فهذه أول مرة تضطر فيها لجنة مسابقة إلى إصدار بيان تدافع فيه عن سلامة مادتها العلمية، بعد أن كان الإخفاق في التجارب الماضية لا يتعدى وضعية متسابق أو اثنين، بينما نحن اليوم أمام خلل علمي يمسّ مصداقية المسابقة في الصميم.

ثانيا: تُصرّ اللجنة على الإشادة بالرقمنة وبيان مزاياها، وهو أمر لم يخالفها فيه أحد، ولا فضل لها فيه؛ إذ هو عمل قطاعي وإرادة دولة في رقمنة المسابقات. أما دورها هي فسلامة المدخلات العلمية، وفي ذلك وقع الإخفاق، وفي التخصصات كلها.

ثالثا: بدل أن تراجع اللجنة هذه الأخطاء وتصحّحها، أعلنت أنها لم تلتزم بالمذهب المالكي ولا بالقانون القضائي الموريتاني. وهو إقرار خطير، لأنه يضع عملها في مواجهة المرجعية الشرعية والقانونية للبلد وخيارات الدولة، ويستوجب المساءلة.

رابعا: التظلّم حقّ يكفله القانون لا إجراء شكلي، والجهة المتظلَّم إليها ملزَمة بالحياد والإنصاف، لا أن تعدّ التظلم نقدا شخصيا تدخل بسببه في خصومة مع المتظلمين. وقد جاء البيان مُنزِّها فئة من المتسابقين، متّهما فئة أخرى بالتسرّع والسطحية، بدل النظر الموضوعي في تظلماتها.

وإذ نورد فيما يلي نماذج مما وقعت فيه اللجنة في مختلف التخصصات، فإننا نؤكد مضيّنا في كل السبل القانونية المؤدية إلى إلغاء هذه المسابقة.

أولا: في الجانب الفقهي

1 – صياغة الأسئلة وإهمال المذهب المالكي. ورد في البيان أن «معظم الطعون في مادة فقه المعاملات نتجت عن قراءة سطحية للأسئلة». ونسأل: أيّ سطحية أظهرُ من صياغة أسئلة مُوهِمة لا تحدّد مذهبا، في مسائل استقرّ فيها الخلاف العالي — كمسألة المهر — ثم يُعَدّ الحكم المالكي فيها خطأ يُخصم عليه، ويُعَدّ غيره صوابا يُكسِب النقاط؟

ولو اعتُمد المذهب المالكي خيارا صحيحا إلى جانب سائر المذاهب لكان في ذلك بعض الإنصاف، فأقلّ مراتبه أن يكون أحد المذاهب الأربعة المتفق عليها. لكن المصحّح الآلي أخرجه من جملة المذاهب في كثير من الأسئلة.

وقد ضربت اللجنة سؤال الصداق مثالا على «تجاهل الصياغة الدقيقة» و«الوقوع في فخ التسرّع»، ونصّ السؤال: «في سياق النكاح، أي العبارات تصف بدقة الأحكام المتعلقة بالصداق؟». فأين في هذه الصياغة ما يوجب اعتماد المذهب الحنبلي واستبعاد المالكي؟

2 – الأسئلة التي نصّت على المذهب المالكي. جاء في البيان أن بعض الأسئلة حدّدت المذهب المالكي مرجعية، وأن أخرى وُجِّهت نحو الفقه الإسلامي أو جمهور الفقهاء دون ذكره، وأن كثيرا من المترشحين أجابوا وفق المالكي حصرا.

ونحن نسأل عن الأسئلة التي نصّت صراحة على عبارة «وفقا للمذهب المالكي»، وهي الأسئلة أرقام 7 و8 و15 و27 و33 و36 و41 و42 و60: لِمَ لم يعتبر فيها المصحّح الآلي المشهورَ ولا المعتمدَ في المذهب، بل عدّ من اعتمدهما مخطئا وخصم عليه؟ فصارت المعرفة وبالا على المترشح بدل أن تكون له.

3 – إجابات لا تصحّ في مذهب من المذاهب. ومن ذلك:

  • السؤال 18: لا يعدّ مصحّحه الآلي «بيع كيس قمح بكيسين من الشعير يُسلَّمان بعد أسبوع» صورة من صور ربا الفضل.
  • السؤال 39: يعدّ مصحّحه الآلي «بيع سلعة بثمن مؤجَّل» صورة من صور بيوع العِينة. وأيّ بأس في بيع سلعة بثمن مؤجَّل؟ بل قد يكون على الصورة الواردة في السؤال من باب القرض الحسن المثاب عليه، بحسب قصد البائع.

4 – في دلالة المعدل. أوردت اللجنة أن معدل المشاركين في مادة فقه المعاملات بلغ 11.02 من 20، وهو أعلى معدلات المواد الخمس. وهذا تميّز مشهود لا فضل للجنة فيه، وإنما هو ثمرة تكوين صلب حصّله أهل هذا التخصص في المحاظر والمعاهد والجامعات الشرعية، فضلا عن الشهادات الأكاديمية العليا.

بل إن هذا المعدل نفسه حجة على التمييز المؤسسي؛ إذ سُوّي مُعامِل مادة القانون القضائي بمُعامِل مادة التخصص، واستُحدثت مادة ثقافة قانونية لا تقابلها مادة شرعية، فرجحت كفّة التخصصين القانونيين. وكانت النتيجة أن الناجحين من أهل التخصص الشرعي لم يتجاوزوا عددا يُحصى على أصابع اليد الواحدة من أصل 32 مقعدا، بعد أن كانوا في المسابقات الماضية يمثّلون بين 40 و60 بالمئة. ولو سلِموا من هذا التمييز لكان أكثر الناجحين منهم. فجاء البيان بما يرجّح هذه الحجة لا بما يدفعها.

ثانيا: في الجانب القانوني

ورد على لجنة التحكيم عدد كبير من التظلمات المؤسَّسة في مواد القانون المدني والجنائي والثقافة القانونية العامة والقانون القضائي الخاص. وفي المادة الأخيرة على وجه التحديد كانت الأخطاء جوهرية ومتعددة، بلغت ثلث أسئلة المادة، وتعلّقت بنصوص إجرائية صريحة، إذ خالف المصحّح الآلي النصّ في أربعة عشر سؤالا هي: 1 و11 و12 و15 و23 و24 و30 و31 و33 و37 و40 و52 و54 و55.

أما السؤال 15 الذي ضربته اللجنة مثالا على احتمال مخالفة القانون الموريتاني للقوانين المقارنة، فنؤكد أن شروط قبول الدعوى في القانون المقارن هي نفسها في القانون الموريتاني، وليس من بينها احترام آجال التقادم أو السقوط؛ وهو ما يكشف قصور توجيه المصحّح الآلي في القانونين معا.

ومع ذلك كلّه، لم يتّجه ردّ اللجنة إلى مناقشة جوهر الاعتراضات ومواجهة النصوص التي استند إليها المتظلمون، بل اكتفى بمثالين اثنين، وكأنهما يكفيان لتجاوز هذا الكمّ من الأسئلة، في حين تجاوزت التظلمات في المواد القانونية الأساسية وحدها خمسة وعشرين سؤالا، موزَّعة على أبواب الإجراءات والقواعد الموضوعية المحسومة بالنصّ.

والأغرب أن اللجنة، وهي تبرّر ما وقع، ذهبت إلى أن القاضي مطالَب بمقارنة المذاهب والقوانين، وكأن ذلك يسوّغ تخطئة الخيارات الموافقة للقانون الوطني النافذ وتصويب غيرها.

إن السؤال الذي موضوعه قاعدة إجرائية نظّمها المشرّع يجب أن تنضبط إجابته بذلك النصّ، لا بما قد يكون مقرَّرا في مذهب فقهي أو قانون أجنبي أو اتجاه قضائي لا سند له في التشريع الوطني. فمهمة القاضي الأساسية تطبيقُ القانون النافذ في حدود اختصاصه واحترامُ قواعده، لا استبدالُها بقواعد مستمدّة من نظم أخرى؛ فليس له — في مجال الإجراءات خاصة — أن يبتدع طريقا إجرائيا لأنه وجده في قانون آخر، ولا أن يقرّر أجلا غير الأجل الذي حدّده المشرّع، ولا أن يوسّع اختصاص محكمة أو يضيّقه خلافا للنصّ، ولا أن يضيف شرطا للدعوى أو يسقطه بناء على رأي فقهي لا يجد سنده في القانون الوطني، عملا بالقاعدة المستقرة: «لا إجراء بدون نصّ».

ومن هنا يظهر ضعف الشقّ القانوني من ردّ اللجنة، وأنه لم يحلّ إشكالا ولم يرفع ظلما.

خاتمة

أوردت اللجنة في خاتمة بيانها مبدأين سليمين:

  • أنه «بعد ظهور النتائج وتلقّي التظلمات قد تتدخل اللجان الفنية لإجراء تقييم بَعدي للأسئلة والمفاتيح».
  • وأنها «تؤمن بأن الخطأ وارد بشريا وتقنيا».

غير أنها جعلتهما قاعدتين نظريتين لا أثر لهما في العمل. فقد ورد إليها عبر المنصة تنبيهُ أكثر من مئتي متظلّم إلى أخطاء جاوزت الثلث في بعض المواد الأساسية وقاربته في غيرها، وطلبوا تصحيحها استنادا إلى هذين المبدأين نفسيهما، وكنا ننتظر ردّا منصِفا مسؤولا، فلم يَرِد على متظلّم واحد غير محضر عام.

فهل يُعقل ألّا يكون بين أكثر من مئتي تظلّم تظلّمٌ واحد على حقّ يستحق صاحبه الإنصاف؟ وما جدوى فتح باب التظلم أربعة أيام إذا كان لا يُنصف مظلوما ولا يُحِقّ حقا ولا يُبطل باطلا؟