موريتانيا: مروج بحرية غير مرئية بمساحة 4300 كيلومتر مربع تخزن كربوناً يوازي غابات الأمازون

قبالة السواحل الموريتانية، حيث تلتقي الصحراء الكبرى مباشرة بالمحيط الأطلسي، تمتد منطقة بحرية شاسعة قد تغطي مقاطعة فرنسية كاملة، لا يسبح أحد فوقها ولا يلتقط لها أحد صوراً في العودة من العطلات، ومع ذلك تعمل بلا كلل منذ آلاف السنين. هذه ليست شعاباً مرجانية ولا قيعاناً صخرية خلابة، بل مجرد مروج بحرية مكوّنة من نباتات مزهرة اختارت لنفسها مياهاً فيروزية ضحلة.

وتمتد هذه المروج في محمية بانك دارغين الطبيعية على مساحة تقارب 4300 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة مقاطعة مثل كوريز، حيث تنتشر بسط من نبات الزوستيرا وغيره من النباتات البحرية التي تتمايل مع التيارات. وخلافاً للغابة التقليدية التي يمكن مشاهدتها وقياسها من نقطة مرتفعة، يظل هذا النظام البيئي غير مرئي تماماً من الشاطئ، محجوباً بسطح الماء وبُعد السواحل.

غابة خفية أكثر كثافة من الأمازون

ما يثير الانتباه بشكل خاص هو المقارنة مع أحد أشهر "رئات" الكوكب: فمن حيث المساحة المتساوية، تخزن هذه المروج المغمورة كمية من الكربون توازي تلك التي تخزنها غابات الأمازون، رغم أنها تحتل مكاناً ضئيلاً في المخيال الجماعي. فنحن نميل إلى التفكير في الأشجار الاستوائية الكبيرة عند الحديث عن مصائد الكربون، ونادراً ما نفكر في هذه الأعشاب الدقيقة والخفية التي تنمو تحت أمتار قليلة من الماء فقط.

لماذا يتفوق نبات بحري بسيط على الأشجار؟

يكمن سرّ قوة المروج البحرية  في آلية بسيطة وعبقرية في آن واحد. فخلافاً للأشجار التي تخزن معظم كربونها في الجذوع والأوراق، تعمل هذه النباتات المائية على احتجاز الكربون مباشرة في الرواسب المتراكمة تحتها. وهذا الكربون، المسمى "الكربون الأزرق"، يبقى محبوساً في الطين لقرون، بل لآلاف السنين، بعيداً عن الأوكسجين الذي قد يسرّع تحلله.

ويتيح هذا المسار لهذه المروج البحرية أن تُظهر كفاءة تخزين أكبر بكثير من النظم البيئية الأرضية على المدى الطويل. فالغابة الاستوائية تطلق جزءاً كبيراً من كربونها في حال الحرائق أو إزالة الغابات، أما المروج البحرية فتستمر في دفن الكربون عاماً بعد عام، ما دامت الظروف البيئية مستقرة. وهذه القدرة على العمل على المدى الطويل هي ما يجعل زوستيرا موريتانيا حليفاً ثميناً، وأكثر متانة مما قد يُتصور للوهلة الأولى.

مخزن الغذاء السري 

لا ينبغي للدور المناخي لهذه المروج أن يُنسي وظيفتها الأساسية في التوازن البيولوجي المحلي. فبانك دارغين تُعدّ من المحطات الرئيسية لملايين الطيور المهاجرة التي تقطع سنوياً مسافات طويلة بين شمال أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء. وتشكل هذه المروج المغمورة مخزناً غذائياً حقيقياً، إذ تأوي القشريات والرخويات والأسماك الصغيرة التي تتغذى عليها الطيور الخواضة والخطافات وغيرها من الطيور المائية العابرة.

وهذا الغنى البيولوجي ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يفسر لماذا تركّز هذه المنطقة الساحلية، التي تبدو صحراوية وغير مضيافة، واحدة من أعلى كثافات الطيور المائية في العالم. وهكذا تلعب المروج البحرية دوراً مزدوجاً: مصيدة كربون ومخزن غذائي حيّ في آن واحد، وهما وظيفتان تعزز إحداهما الأخرى، إذ إن نظاماً بيئياً سليماً يعزز التنوع البيولوجي، والعكس صحيح.

ما الذي سيكلفه اختفاء هذه المروج للمناخ؟ 

لا تعد هذه النظم البيئية "غير قابلة للتدمير": ارتفاع حرارة المياه وارتفاع مستوى سطح البحر والأنشطة البشرية الساحلية تمثل جميعها تهديدات تثقل كاهل بقاء هذه المروج. وخلافاً للكربون المخزن في جذع شجرة الذي يتحرر تدريجياً، يمكن للكربون المحبوس في الرواسب البحرية أن يُطلق بشكل مفاجئ في حال حدوث اضطراب، وهي ظاهرة قد تحوّل هذه الحلفاء المناخية إلى مصدر انبعاثات مفاجئ.

وبالتالي، فإن اختفاء هذه المروج سيمثل خسارة مزدوجة: خسارة مصيدة كربون فعالة على المدى الطويل، وخسارة موطن حيوي لتنوع بيولوجي أصبح هشاً أصلاً. وفي وقت تتجه فيه الأنظار بانتظام نحو الغابات الاستوائية الكبرى لمعالجة قضايا المناخ، تذكّرنا هذه المروج البحرية الموريتانية بوجود كنوز بيئية أكثر خفوتاً، لكنها لا تقل حسماً في توازن كوكبنا.

رابط المقال:
https://sciencepost.fr/au-large-des-cotes-mauritaniennes-setendent-4-300...