موريتانيا على أعتاب دخول نادي منتجي اليورانيوم: مشروع "تيرس" بين طموح التمويل ورهانات الجدوى

تتجه شركة "أورا إنرجي" الأسترالية لمحطة حاسمة في مسار مشروع "تيرس" للیورانيوم في موريتانيا، مع تأجيل جديد في الجدول الزمني للدراسة المصرفية للجدوى، في وقت تتسارع فيه المنافسة الدولية على إمدادات اليورانيوم. فالمشروع، الذي يُنتظر أن يغيّر موقع موريتانيا في خريطة الطاقة العالمية، لا يزال يواجه اختبارات التمويل والجدوى التقنية قبل أن يتحول إلى واقع ملموس.

جدول زمني متحرك 

يأتي تأجيل نشر الدراسة المالية للجدوى (Bankable Feasibility Study) إلى منتصف أكتوبر 2026 دليل على أن المشروع لم يقطع بعد كل أشواطه التقنية. فبعد هذه الدراسة، ستكرّس "أورا إنرجي" جهودها لتعبئة التمويلات واتخاذ القرار النهائي بالاستثمار، مع إبقاء هدف تأمين التمويل معلقاً على نهاية سنة 2026. ولا يعد هذا التأجيل مجرد تعديل إداري، بل يعكس حجم التعقيدات المرتبطة بمشروع من هذا النوع، حيث تتشابك الجوانب التقنية بالاعتبارات المالية والبيئية.

ويُدار المشروع عبر شركة "تيريس ريسورسز" المملوكة بنسبة 85% لـ"أورا إنرجي"، بينما تمتلك الدولة الموريتانية 15% عبر الوكالة الوطنية للمعادن (ANARPAM). وهذه الشراكة ليست تفصيلاً هامشياً، بل تعكس إرادة نواكشوط في الاحتفاظ بحصة إستراتيجية في مورد حيوي قد يشكل رافعة اقتصادية جديدة للبلاد.

معطيات اقتصادية واعدة 

بينما يترقب الجميع نتائج الدراسة الجديدة، تبقى المعطيات الاقتصادية المنشورة سنة 2024 هي المرجع المتاح حالياً. فقد أشارت إلى أن ااعمر التشغيلي يمتد 25 سنة، بمتوسط إنتاج سنوي يناهز 1.8 مليون رطل من ثالث أكسيد اليورانيوم (U₃O₈)، وقدرة اسمية تبلغ مليوني رطل، باستثمار أولي قُدّر بنحو 230 مليون دولار.

كما أظهرت الدراسة الاقتصادية الصادرة في شتنبر 2024 قيمة حالية صافية بعد الضرائب تناهز 499 مليون دولار، ومعدل مردودية داخلي بلغ 39%، على أساس سعر لليورانيوم يقدر بـ80 دولاراً للرطل. غير أن هذه الأرقام، رغم إغرائها، تبقى مرتبطة بفرضيات تلك الدراسة، وستحتاج إلى إعادة تقييم شاملة في ظل الدراسة المصرفية الجديدة. فالتغيرات في أسعار اليورانيوم، أو في كلفة المدخلات، قد تعدّل هذه المعطيات جذرياً.

وتقدّر "أورا" الموارد المعدنية بـ91.3 مليون رطل من ثالث أكسيد اليورانيوم، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام تخص الموارد المحددة، ولا تعني بالضرورة أن كلها سيتم استخراجها. وهذا التمييز بين "الموارد" و"الاحتياطيات القابلة للاستخراج" يكتسي أهمية بالغة في تقييم الجدوى الفعلية للمشروع.

استعدادات ميدانية وبشرية 

في موازاة هذه الحسابات المالية، تستعد "أورا إنرجي" ميدانياً وبشرياً لمرحلة الإنتاج. فقد عزّزت الشركة فريقها القيادي، حيث تولى جون كار مسؤولية الأعمال التقنية والتشغيلية المرتبطة بـ"تيريس"، بينما يُنتظر التحاق سبنسر ديفي بمنصب المدير المالي، وجيريمي كارتر بمنصب مدير الاستراتيجية. ويعكس هذا التعزيز انتقال الشركة من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التطوير، حيث تصبح الكفاءات التشغيلية والمالية أكثر أهمية من القدرات الجيولوجية وحدها.

وعلى أرض الواقع، تبني "أورا" مصنعاً تجريبياً في بير أم اكرين، يُنتظر تشغيله ابتداءً من نونبر 2026، بهدف اختبار مختلف أنواع الخامات والتأكد من المعايير التقنية اللازمة للمعالجة الصناعية المستقبلية على نطاق تجريبي. وتعتمد العملية المقترحة على استغلال ضحل للخام مع تركيزه قبل معالجته بالترشيح القلوي. وهذا المصنع التجريبي ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو شرط أساسي لتحويل الفرضيات المختبرية إلى واقع صناعي قابل للتطبيق.

واشنطن تدخل على الخط: بعد جديد للتمويل

وهنا يتضح الارتباط بين الاستعدادات التقنية والرهان المالي، إذ تجاوز البحث عن التمويل أسواق المعادن التقليدية. فقد أعلنت "أورا" أن المحادثات مع مؤسسة التمويل الدولية للتنمية الأمريكية (DFC) تتقدم بشأن تمويل محتمل للمشروع، قد يجمع بين رؤوس الأموال الخاصة ومشاركة استراتيجية وأدوات مالية أخرى.

وقد نشرت المؤسسة الأمريكية بالفعل الوثائق البيئية والاجتماعية المتعلقة بـ"تيرس"، التي تؤكد مشاركة الدولة الموريتانية بنسبة 15%، وتتناول بالدرس قضايا المياه والنفايات المنجمية والإشعاع والنقل والسلامة. وهذا التدقيق البيئي ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو شرط أساسي للحصول على التمويل الأمريكي، خاصة في مشاريع اليورانيوم التي تخضع لمعايير صارمة.

كما وقّعت "أورا" في يونيو 2026 مذكرة تفاهم غير ملزمة مع مشغّل نووي دولي كبير، تشمل احتمال استثمار وشراء مستقبلي لليورانيوم وتعاوناً تقنياً، دون الكشف عن هوية الشريك. وهذا التطور يعكس تحولاً في طبيعة التمويل، حيث لم يعد الأمر مجرد بحث عن رأس مال، بل أصبح بحثاً عن شراكات استراتيجية تضمن تسويق الإنتاج مستقبلاً.

سوق عالمية في حاجة متزايدة: لماذا الآن؟

وهذا التحرك التمويلي لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع دينامية جديدة يعرفها سوق اليورانيوم العالمي، مدفوعة بعودة الطاقة النووية إلى استراتيجيات الطاقة في العديد من الدول. ووفقاً للرابطة النووية العالمية، يُتوقع أن ترتفع الاحتياجات العالمية للمفاعلات من نحو 68,920 طناً من اليورانيوم سنة 2025 إلى أكثر من 150,000 طن في أفق 2040 ضمن السيناريو المرجعي.

وهذا الطلب المتزايد يمنح مشروع "تيرس" أهمية استراتيجية تتجاوز الحدود الموريتانية، إذ تبحث الدول الغربية عن مصادر بديلة للإمدادات بعيداً عن مناطق التوتر. وتجد إفريقيا نفسها في قلب هذه التحولات: فناميبيا لا تزال منتجاً رئيسياً، بينما يعيش النيجر، المورّد المهم تاريخياً، إعادة تشكيل عميقة لعلاقاته مع شركائه الغربيين. وفي سبتمبر 2026، وافقت الولايات المتحدة على تمويل يصل إلى 414 مليون دولار لمشروع "داسا" للیورانيوم في النيجر، في مؤشر على الاهتمام المتزايد لواشنطن بتأمين إمداداتها. أما الصين، فتحافظ على موقع مهم في القطاع المنجمي الناميبي، لا سيما في اليورانيوم.

رهان اقتصادي جديد لنواكشوط: الفرص والتحديات..

وفي هذا السياق الدولي، يصبح مشروع "تيرس" رهاناً اقتصادياً جديداً لموريتانيا. فإذا بلغ مرحلة الإنتاج التجاري، فإن أثره سيتجاوز مداخيل التعدين وحدها. ووفقاً لدراسة الأثر المُعدّة في إطار مسار مؤسسة التمويل الدولية الأمريكية، قد تصل الفوائد الاقتصادية المباشرة لموريتانيا إلى نحو 833 مليون دولار على مدى عمر المشروع، عبر الرسوم وأرباح الأسهم العائدة للدولة والضرائب، على أساس سعر افتراضي لليورانيوم عند 80 دولاراً للرطل.

ويُتوقع أن يوظف المشروع نحو 300 شخص خلال مرحلة التشغيل، مع هدف معلن لإعطاء الأولوية للعمالة الموريتانية. لكن مشروع "تيرس" يقع في منطقة صحراوية، حيث ستخضع مسائل المياه والنفايات والنقل وحماية البيئة لمراقبة دقيقة. وقد صنّفت الوثائق البيئية لمؤسسة التمويل الدولية المشروع في الفئة "أ" بسبب الآثار المحتملة المرتبطة باستخراج ومعالجة اليورانيوم. وهذا التصنيف، الذي يُعتبر الأعلى في سلّم المخاطر البيئية، يعني أن المشروع سيخضع لرقابة صارمة قد تؤثر على وتيرة تنفيذه.

الاختبار الحقيقي

يتضح أن مشروع "تيرس" ما يزال في مرحلة انتقالية حاسمة، تجمع بين الاستعدادات التقنية والبحث عن التمويل والرهانات البيئية والاقتصادية. وموريتانيا ليست بعد منتجاً تجارياً لليورانيوم، إذ ما يزال  على المشروع تجاوز عدة مراحل: اكتمال الدراسة المالية للجدوى، والمصادقة الصناعية على العملية التقنية، وتأمين التمويل، ثم القرار النهائي بالاستثمار، فالبناء.

وستكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مصير هذا المشروع. وإذا نجحت "أورا" في إغلاق ملف التمويل وإطلاق البناء، فقد يفتح "تيرس" أمام موريتانيا أبواب قطاع استراتيجي جديد في سوق التعدين العالمية. أما بالنسبة لنواكشوط، فسيكون الرهان هو تحويل هذا المورد إلى مداخيل ووظائف وكفاءات محلية، مع الحفاظ على مصالحها في سوق عاد فيها اليورانيوم ليشكل رهاناً كبيراً على مستوى الأمن الطاقي والتنافس الدولي.

رابط المقال:
https://pointschauds.info/tiris-la-mauritanie-aux-portes-du-marche-mondi...