
لم تكن استقالة حكومة المختار ولد أجاي وإعادة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة مجرد إجراء إداري عابر في المشهد السياسي الموريتاني، بل جاءت في ظرف تتقاطع فيه الضغوط المعيشية مع تصاعد المطالب بتحسين الخدمات العمومية، وتداعيات أزمة الكهرباء في نواكشوط، واتساع الفجوة بين تطلعات المواطنين وما ينتظرونه من أداء الجهاز التنفيذي.
فالتشكيلة التي أُعلنت مساء السبت 10 أكتوبر 2026 بأعضائها 29 وزيرا، لم تمس موقع الوزير الأول، ولم تحمل ملامح قطيعة شاملة ذات مغزى مع الفريق السابق، لكنها أعادت توزيع عدد من الحقائب السيادية والاقتصادية والإدارية، وأخرجت وجوهاً ارتبطت بمرحلة سابقة، في مقابل الإبقاء على شخصيات أخرى واستدعاء أسماء سبق لها العمل في مظلات حكومية سابقة.
تغييرات في مفاصل حساسة من السلطة
تصدّر خروج وزير الداخلية السابق محمد أحمد ولد محمد الأمين ووزير الدفاع السابق حنن ولد سيدي أبرز ملامح التغيير الحكومي. فقد شغل الرجلان موقعين شديدي الحساسية في هرم الدولة، وكان استمرارهما في الحكومات السابقة أحد وجوه الثبات في التشكيلات التنفيذية التي تعاقبت منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة في العام 2019.
وآلت وزارة الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء إلى با عثمان، الذي سبق له تولي حقائب حكومية، فيما أُسندت وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية إلى المختار ولد أحمد بوسيف، الذي كان يتولى حقيبة الصيد والبنية التحتية البحرية والمينائية.
ولعل من المناسب هنا التنبيه إلى أن وزراء الداخلية والدفاع من أبرز الأسماء المرشحة لخلافة غزواني في رئاسيات 2029، رغم ذلك خرجا من التشكيلة الحكومية دون أسباب مقنعة، ومبررات واضحة، في نفس الوقت فإن وزير الثقافة الجديد هو أول من نادى بالمأمورية الثالثة..
ثم إن خلفاء الوزيرين لاصلة لها بلمفاتها الجديدة ولاخبرة ما يضع نقطة استفهام على احقيتهما بمناصبهما الجديدة..
وتتجاوز أهمية هذا التغيير حدود التداول على المناصب؛ فوزارة الدفاع تتصل بالأمن الوطني والمؤسسة العسكرية..
ويكتسب خروج حنن ولد سيدي خصوصية إضافية بالنظر إلى ما مثّله استمرار إسناد حقيبة الدفاع إلى شخصية ذات معرفة بالقطاع من عناصر الاستقرار في هذا الملف خلال السنوات الماضية. ومن ثم، فإن انتقال المسؤولية إلى با عثمان يضع الوزير الجديد أمام مهمة الجمع بين متطلبات استمرارية العمل داخل المؤسسة العسكرية والحاجة إلى قيادة المرحلة الجديدة بكفاءة ووضوح خاصة أن موريتانيا تعيش في وسط ملتهب تحيط به النار وزعاز الهجرة وعدم الاستقرار في بيئة لاتكاد تستقر إلا وعصفت بها الأزمات من الإرهاب والهجرة وعصابات المخدرات، وطيلة هذه السنوات الماضية كان للمؤسسة العسكرية دور مشهود في ضمان الاستقرار وإبعاد الخطر، ما يضع سؤلا جوهريا عن أهلية الوزير الجديد القادم من مهمة المعادن ونحت الصخور إلى ربوع السلاح والجندية والذخيرة..
أزمة الكهرباء.. الظل السياسي الذي رافق تشكيل الحكومة
يصعب فصل مغادرة وزير الطاقة والنفط السابق محمد ولد خالد وتعيين محمد ولد عبد الفتاح خلفاً له عن السياق الذي تشكلت فيه الحكومة الجديدة، خصوصاً بعد الحريقين اللذين طالا محطتي تحويل كهربائي في نواكشوط خلال أغسطس الماضي، وما ترتب عليهما من انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي لاخاتمة لها شملت العاصمة ومناطق أخرى.
وقد جاءت استقالة الحكومة بعد تلقي الرئيس تقرير لجنة التحقيق في الحادثتين، وهو تسلسل زمني يعزز الصلة بين أزمة الكهرباء باعتبارها الذروة التي قصمت ظهر الحكومة السابقة وفرضت إعادة تشكيل الفريق الحكومي، وإن كان لا يثبت أن جميع المغادرين أُبعدوا بسببها أو أن المسؤولية السياسية عن الحادثتين تقع على جهة واحدة.
وتكشف هذه التطورات أن أزمة الكهرباء لم تعد مسألة فنية محصورة في أعطال الشبكة ومحطات التحويل، بل أصبحت قضية ذات أبعاد سياسية تتصل بمستوى الجاهزية، وفعالية إدارة المرافق الحيوية، ومدى استعداد المسؤولين لتحمل تبعات الإخفاقات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
رغم المبالغ الكبيرة التي صرفت على قطاع الطاقة فقد ظل مجل وجع متافقم وازمة لامتناهية في السنوات القليلة الماضية، وتحمل التقاريرالثلاثة الأخيرة ( تقاريرمحكمة الحسابات وتقرير لجنة التحقيق المستقلة) حصيلة غير مريحة من المزاوجة بين الضعف الإداري وسوء استخدام السلطة، والفساد المالي مانتج عنه اشتعال النار في الهشيم وأزمة خطيرة في عزأشهر الحر فضلا عن الأضرار المادي على المستوين العمومي والخصوصي..
لقد كشفت الأزمة عن سوء التقدير في القيادة السياسية والإدارية ففي الوقت الذي اشتعلت النيران في المولدات أو الموصلات كان مدير الشركة يؤدي واجبا حزبيا قائما في الناس خطيبا وهو في غاية البعد عن مرابض الشركة وعن العاصمة، ما يعني ضرورة إبعاد القطاعات الخدمية عن الفهم الضيق للواجبات السياسية..
وتمنح عودة محمد ولد عبد الفتاح إلى قطاع سبق أن تولى مسؤوليته الحكومة فرصة الاستفادة من خبرته السابقة، لكنها تضعه أيضاً أمام اختبار عاجل: ضمان استقرار الإمداد الكهربائي، وتعزيز موثوقية الشبكة، ومعالجة مواطن الضعف التي كشفتها الأزمة، بينما يرى البعض أن ولد عبد الفتاح من أسباب الأزمة ومن مفاعيلها.
لقد تحدث الرجل قبل سبع سنوات أنه صرف على قطاع الطاقة مايقارب المليار يور ورغم ذلك فالبلد ننغمس في لجي من الظلمات.. فما الذي يجعله جديرا بمعالجة أزمة الكهرباء والطاقة.
لقدعاشت موريتانيا في أيام محمد خالد نقصا حادا في البنزين لم تشهده البلاد من قبل مايذكر المواطن بأزمات كان يراها في الدول الفاشلة: زائير أوكوبا ...
وعاشت في أيامه الارتفاع الكبير الثاني في أسعار المحروقات، وكانت خاتمة أيامه باحتراق المحطات وانقطاع الكهربا عن العاصمة لمدة 48 ساعة. دون وجود بدائل تذكر.
التعديل الحكومة.. أية رسالة
إن الرسالة السياسية الحقيقية من التغيير الحكومي لن تتحدد بمجرد تغيير الوزير، وإنما بما سيعقبه من إجراءات. فالمطلوب بعد نشر نتائج التحقيق، تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، وتنفيذ التوصيات، ومعالجة الأسباب الفنية والتنظيمية التي أدت إلى الحريقين والانقطاعات المصاحبة لهما، وقبل ذلك التأكد من تنفيذ التقارير والتوصيات الصادرة عن محكمة الحسابات وغيرها من الجهات.
أما إذا اقتصر الأمر على تغيير المسؤولين من دون إصلاح الاختلالات،التي تكرر النذير بها فإن أثر الخطوة سيظل محدوداً، وستبقى أزمة الكهرباء اختباراً مفتوحاً لمدى جدية الحكومة الجديدة في تحويل المساءلة السياسية إلى إصلاح فعلي.
فهل بمقدور ولد عبد الفتاح أن يصلح الخلل المتسع في الكهرباء وأن يذهب عن الشركة ما أثآه الفساد وضعف الأداء وعد الاستقرار السياسي في حكامة القطاع.. بشكل يلمس المواطن أثره الفوري الإيجابي بعدما عاش أثاره وتجلياته السلبية.











