
كشف تحقيق دولي استمر خمس سنوات أن صناعة استزراع السلمون العالمية، التي تُروَّج لنفسها بوصفها "مستدامة"، تُسهم في استنزاف الثروة السمكية البرية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ولا سيما في دول غرب أفريقيا، وفي مقدمتها موريتانيا.
ويعتمد التحقيق، الذي أجراه مشروع "أوتلو أوشن" (المحيط الخارج عن القانون) بمشاركة نحو عشرين صحفياً في عدد مماثل من الدول، على بيانات تخص أكثر من 1400 مصنع لإنتاج مسحوق السمك و61 ألف سفينة، ويُظهر كيف ترتبط مخزونات المحيطات المنهكة بمستهلكي الأسماك المستزرعة حول العالم.
من ميناء نواذيبو إلى مزارع النرويج
في 22 أكتوبر 2022، حمّلت ناقلة تُدعى "كي باي" عشرات الآلاف من الأطنان من زيت السمك من ميناء نواذيبو الموريتاني، قبل أن تقطع أكثر من 3000 ميل بحري إلى ميناء فالسنيست النرويجي، حيث سلّمته لشركة "مووي" النرويجية، إحدى أكبر منتجي سمك السلمون المستزرع في العالم.
وهناك، خُلط الزيت بآلاف الأطنان الإضافية من الأسماك البرية المصطادة من مختلف أنحاء العالم، وحُوّل إلى مسحوق سمك لتغذية السلمون المستزرع في المياه الباردة قبالة فالسنيست. وقد أبرز فريق تصوير فرنسي التكلفة البيئية الفادحة لهذه العملية: إذ قد يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من السلمون العضوي ما يصل إلى 4 كيلوغرامات من الأسماك البرية، مثل السردين.
وقد أدى هذا الطلب التصديري الهائل إلى ارتفاع أسعار السردين، وهو غذاء تقليدي أساسي، إلى مستوى أصبح معه غير ميسور للسكان المحليين في موريتانيا.
وكشف تحقيق آخر ركّز على السفينة نفسها بعد نحو عام أن تدفق زيت السمك بين موريتانيا والنرويج قد ازداد، وأن المخزون السمكي الموريتاني أصبح أكثر استنزافاً. وتزوّد شركة "مووي" تجار تجزئة بريطانيين، من بينهم "ألدي" و"ليدل" و"سينزبريز" و"تيسكو".
"مسحوق السمك" يكشف تناقض الصناعة
تحمل صناعة الاستزراع المائي أهدافاً طموحة. ففي سبتمبر من العام الماضي، وبينما كان البرلمان البريطاني يبحث كيف يمكن لبريطانيا المساهمة في إطعام كوكب يزداد حرارة وازدحاماً، جاء أحد الأجوبة من قطاع التكنولوجيا الزراعية: مزيد من استزراع الأسماك. وقالت غريس أوغورمان من مركز التكنولوجيا الزراعية البريطاني أمام النواب إن المصايد البرية مُستغلة بشكل مفرط ومستقرة عند حدها الأقصى، وإنه "يجب دعم الاستزراع المائي المسؤول والمستدام" لحماية الصحة والأمن الغذائي.
غير أن هذا الطرح، رغم كونه مألوفاً وقوياً، ينطوي على مشكلة جوهرية. فقد وصفه دانيال باولي، مدير مشروع "سي أراوند أس" في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا، بأنه "خطأ صريح". وأوضح أن أكثر أنواع المأكولات البحرية المستزرعة استهلاكاً في بريطانيا، من السلمون والجمبري والتراوت والقاروص والدوراد، تُغذّى بالأنواع البرية التي تزعم صناعة الاستزراع أنها تحميها، ما يُسرّع استنزاف المحيطات بدل أن يبطّئه.
أبرز نتائج التحقيق
· ثلثا الاستزراع المائي العالمي يُنتج أنواعاً تُغذّى بمسحوق السمك وزيت السمك، وهما مكوّنان يُصنعان بطهي الأسماك البرية المصطادة وسحقها.
· أكثر من 60% من السلمون المستورد إلى بريطانيا يأتي من مزارع في النرويج، تعتمد اعتماداً كبيراً على أعلاف مستوردة مصنوعة من أسماك برية.
· في بعض المزارع، يستهلك السلمون قبل وصوله إلى السوق أكثر من ستة أضعاف وزنه من الأسماك البرية.
· أكثر من خُمس الأسماك البرية المصطادة في العالم يُستخدم لأغراض غير استهلاك البشر، وبخاصة علف الماشية.
· مورّدون لـ"أسدا" و"سينزبريز" يحصلون على منتجات الجمبري من مزارع في أمريكا اللاتينية مرتبطة بمخالفات واسعة، من بينها الصيد غير القانوني في مناطق بحرية محمية والتبليغ الناقص عن صيد الأسماك الصغيرة.
ورغم أن بريطانيا دولة جزرية ذات تقليد سمكي عريق، فإنها تستورد الآن نحو 80% من المأكولات البحرية التي تستهلكها، وهي تبعية تفاقمت مع انهيار المصايد البرية وتركّز طلب المستهلكين على مجموعة ضيقة من الأنواع.
المغرب والصحراء الغربية في قلب السلسلة
يُشكّل المغرب حلقة رئيسية في هذه السلسلة. فمنذ منتصف السبعينيات، يحتل المغرب الصحراء الغربية، وهو وجود اعتبرته أكثر من عشر أحكام لمحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي وقرارات أممية متعددة غير قانوني. ومع ذلك، تصطاد سفن مغربية في مياه الصحراء الغربية، وتحوّل صيدها غير القانوني إلى مسحوق سمك في مصانع الصحراء الغربية، ثم تصدّره إلى مزارع عالمية موسوماً بأنه مغربي.
وفي عام 2020، أدى اشتباك عنيف حول شاحنات، كثير منها كان ينقل الأسماك ومسحوق السمك من الصحراء الغربية، إلى انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر 29 عاماً بين الطرفين. وحتى عام 2024، كانت مصانع الصحراء الغربية تزوّد شركة "إيريدا"، التي تنتج أعلافاً لكثير من مزارع الأسماك اليونانية، من بينها مزرعة تزوّد "ويتروز" بالدوراد والقاروص المستزرعين. ولم تستجب "إيريدا" و"ويتروز" لطلب التعليق.
السلمون... مفترس مُستزرَع
في بريطانيا، لم تعتمد أي منطقة على الاستزراع المائي أكثر من اسكتلندا. فبعد الويسكي، يُعدّ السلمون أكبر صادرات البلاد الغذائية والزراعية، وتُسهم صناعة الاستزراع المائي بنحو 760 مليون جنيه إسترليني في الاقتصاد الاسكتلندي سنوياً. وهناك أيضاً كثيراً ما يروّج الوزراء لفكرة أن استزراع الأسماك يمكن أن يكون طريقاً مستداماً لتحقيق أمن غذائي أكبر.
لكن السلمون ليس السمكة المستزرعة العادية. فهو مفترس مُستزرَع، أكثر كثافة في استهلاك الأعلاف، وأكثر اعتماداً على زيت السمك ومسحوق السمك، وأكثر ارتباطاً بمصايد التقليص من البلطي أو القرموط أو الكارب. ويقول باولي: "أي حساب للأثر الحقيقي للاستزراع المائي يجب أن يبدأ لا من المزرعة بل من العلف. وهذا النوع من الحساب يقدّم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تقدّمها الصناعة".
من "ثورة مسحوق السمك" إلى استنزاف المحيطات
تتبّع كريستين وينترستين في كتابها "ثورة مسحوق السمك" (2021) كيف أُعيد تصوّر تيار هومبولت، وهو نظام صعود بارد غني بالمغذيات على ساحل أمريكا الجنوبية، كمنجم للبروتين. وتؤكد أن هذا التحول حوّل بيرو إلى قوة عظمى عالمية في مسحوق السمك، تسهم بنحو ربع الإنتاج العالمي. وقد أصبح مسحوق السمك مدخلاً حاسماً غذّى التوسع الصناعي في تربية الدجاج والخنازير بعد الحرب العالمية الثانية، ثم الاستزراع المائي لاحقاً، خاصة في شمال أوروبا والولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، انتشر النموذج إلى غرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وللاستزراع المائي الحديث فوائد. فهو يوفّر لملايين الأشخاص حول العالم وصولاً على مدار العام إلى بروتين ميسور. وحتى عند احتساب مكونات الأعلاف مثل الصويا ومسحوق السمك والنقل إلى الغرب، فإن بعض الأسماك المستزرعة، بما فيها البلطي والسلمون الأطلسي، تُنتج غازات دفيئة أقل لكل رطل من لحوم البقر أو الخنازير. كما أن حصاد الرخويات، مثل المحار وبلح البحر والإسكالوب، هو نوع مستدام بشكل خاص من الاستزراع المائي، لأنه لا يتطلب أعلافاً، وله بصمة كربونية منخفضة جداً، وينتج أصدافاً يمكن أن تعمل كشكل من أشكال احتجاز الكربون، وفقاً لورقة نُشرت عام 2020 في مجلة "نيتشر فود". وحتى عام 2022، كان نحو ثلث الاستزراع المائي العالمي لا يتطلب مدخلات علفية خارجية.
وعلى مدى أكثر من عقد، حاول الباحثون التحول بعيداً عن مسحوق السمك إلى مصادر علف بديلة، من بينها الأعشاب البحرية ومخلفات الكاسافا ويرقات الذباب الجندي والبروتينات أحادية الخلية المنتجة من الفطريات والبكتيريا، وحتى مياه الصرف الصحي البشرية. لكن حتى الآن، لا يُنتج أي منها بتكلفة ميسورة وعلى نطاق واسع.
أسطول غامض وتنظيم غائب
لا يساعد الغموض الذي يكتنف أسطول الصيد. فقد قيّم تحقيق "أوتلو أوشن" أكثر من 2400 سفينة مرتبطة بإنتاج مسحوق السمك، تعمل في مياه 30 دولة على الأقل. ووجد أن معظم هذه السفن لا تمتثل بالكامل للميثاق العالمي لشفافية المصايد. فمثلاً، أقل من 30% من الأسطول لديه معلومات موقع متاحة للعموم، وأقل من 25% لديه رقم تعريف فريد للسفينة، وأقل من 10% مسجّل في السجل العالمي لسفن الصيد التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. وهذا الغموض يجعل الأسطول صعب المراقبة.
وصُنّف نصف الأنواع التي أنزلتها سفن مسحوق السمك التي جرى تقييمها على الأقل، في دراسات علمية، بأنها "مُستغلة بشكل مفرط" أو أسوأ. ومعظم سفن هذا الأسطول هي سفن شباك حلقية أو سفن صيد بالشباك الجرّية، وكلاهما يرتبط بمستويات عالية من الهدر. كما أن 165 سفينة على الأقل في أسطول مسحوق السمك كانت سفن جرّ قاعية، تجرّ شباكها المثقلة على قاع المحيط وتدمّر كل شيء في طريقها. ويتفاقم الصيد غير المستدام بفعل الدعم الحكومي الكبير الذي يُبقي عدداً مفرطاً من السفن عاملة.
وعدم التنظيم عامل آخر. وتقول آلي برودني، المحامية البارزة في منظمة "كوربوريت أكاونتابيليتي لاب" غير الربحية: إن برامج الاعتماد مليئة بتضارب المصالح، لأنها تُموَّل عادة من الشركات التي يُفترض أنها تراقبها. وتؤكد المنظمات المكوّنة لصناعة الاعتماد أن لكل منها دورها الخاص، ولا يمكن محاسبتها على مسؤوليات الآخرين.
ورغم ذلك، وبفضل هذه البرامج جزئياً، تطلق شركات المأكولات البحرية ادعاءات تسويقية حول أخلاقيات منتجاتها واستدامتها. ومنذ عام 2020، رُفعت تسع دعاوى على الأقل بتهمة الإعلان الكاذب ضد ست شركات للمأكولات البحرية في ست ولايات قضائية أمريكية.
رابط المقال:
https://observer.co.uk/news/international/article/sustainable-farmed-sal...











