من حشد القبيلة إلى حشد التفاهة- ديدي محمد

حين قرأت للمفكر الفرنسي "ميشيل مافيزولي" عن عودة القبائل في المجتمعات المعاصرة، استوقفتني فكرته، ودفعتني إلى التأمل في الفرق بين ما كان يجمع الناس بالأمس وما يجمعهم اليوم. فقد كانت القبيلة إطارا للانتماء والتكافل والحماية، ومرجعا يلجأ إليه الفرد في الشدائد، أما اليوم، فقد تراجعت مكانتها في حياة كثيرين، ولم يعد بعضهم يستحضرها إلا حين تنشأ خصومة بين فردين من قبيلتين، فيُستدعى الانتماء القبلي سعيا إلى الصلح وتسوية الخلاف. 

لكن الزمن يمضي، والحشود تتغير، وما كان يجمع الناس بالأمس لم يعد بالضرورة هو ما يجمعهم اليوم. فبينما تتراجع بعض الروابط التقليدية، بما كانت تحمله من تكافل ومسؤولية، تتقدم أنماط جديدة من التجمع، لا تقوم دائما على وحدة القيم أو عمق الأفكار، بل قد تنشأ حول شهرة طارئة، أو قضية تستأثر بالاهتمام، أو شخصية تجيد استقطاب الأنظار، وقد يجمع الناس فيها توافق المصالح، سواء كانت مادية أو مهنية أو شخصية، حتى إن جمعتهم المنفعة مؤقتا وفرقتهم حين تنتفي أسبابها.
وهنا تبرز المفارقة: لقد تراجع، في بعض جوانب الحياة العامة، حشد القبيلة الذي كان يجد في الانتماء معنى يتجاوز الفرد، ليتقدم حشد آخر، يمكن أن نسميه حشد التفاهة حشد لا يحتاج إلى تاريخ مشترك، ولا إلى مشروع جامع، ولا إلى روابط راسخة، بل يكفيه موضوع رائج، أو مشهد مثير، أو صوت مرتفع، حتى يلتئم أفراده حوله، ثم يتفرقوا كما اجتمعوا، من غير أن يتركوا وراءهم أثرا يتناسب مع الضجيج الذي أحدثوه.
وليس المقصود بالتفاهة هنا الانتقاص من الناس أو تصنيفهم بحسب مكانتهم الاجتماعية، وإنما وصف حالة يصبح فيها السطحي أكثر جذبا للانتباه من العميق، وأكثر حضورا ، والإثارة أقدر على جمع الناس من الفكرة، ويغدو عدد المتفاعلين مع حدث ما أهم، في نظر كثيرين، من قيمته الحقيقية أو أثره في حياتهم.

وقد كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور حاسم في هذا التحول؛ فهي لم تكتف بفتح الأبواب أمام الجميع للتعبير عن آرائهم، بل أعادت تشكيل معايير الظهور والشهرة، ومنحت كل فرد منبرا يصل منه إلى آلاف الناس، دون أن يكون امتلاك هذا المنبر مشروطا بعمق الفكر أو رصانة المعرفة أو استقامة السلوك. وهكذا، لم تعد الشهرة دائما نتيجة لما يقدمه الإنسان من قيمة، بل أصبح في وسع الإنسان أن يصنع شهرته بما يثيره وما يستدعيه من انفعالات، وما ينجح في انتزاعه من انتباه  الآخرين.

وإذا كان تراجع حشد القبيلة يترك فراغا في الانتماء والتكافل، فإن صعود حشد التفاهة قد يملأ هذا الفراغ ويتحول إلى  معيار للنجاح، عندئذ قد لا يخسر المجتمع بعض ذوقه فحسب، بل يخسر تدريجيا ثقته بمعايير الاستحقاق نفسها، ويصبح من الصعب إقناع الأجيال الجديدة بأن للعلم قيمة، وللعمل الجاد ثمرة، وللأخلاق مكانة، إذا كانت النماذج الأكثر حضورا أمامها توحي بعكس ذلك.
فنجد أنفسنا أمام مجتمع يتقن المتابعة أكثر مما يحسن التمييز، ويمنح الشهرة أحيانا ما لا يمنحه للقيمة، ويهتم بانتشار الأشياء أكثر من اهتمامه بجدواها. وعندها لا تكمن المشكلة في كثرة الحشود، بل في تراجع المعايير التي توجهها، وغياب القيم التي تمنح اجتماعها معنى وغاية.
والله اعلم بالصواب واليه المصير.