لم يعد بالإمكان القبول باستمرار هذا التيه والفوضى اللغوية التي تعيشها بلادنا، خاصة وأننا سنحتفل بعد شهر من الآن بالذكرى السادسة والستين لعيد الاستقلال الوطني، ومرت بنا منذ أشهر الذكرى الخامسة والثلاثون للمصادقة على دستور 1991 الذي حددت مادته السادسة اللغات الوطنية واللغة الرسمية في موريتانيا.
يا قوم، إن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تُبنَى على الغموض، وهذا التيه اللغوي الذي نعيشه منذ الاستقلال حتى اليوم لا يمكن أن يستمر أكثر..
لا يمكن لبلد من خمسة ملايين نسمة، أن تستخدم فيه 5 لغات أو أكثر دون ضوابط محددة، تحدد لكل لغة من تلك اللغات مكانتها، وحدودها، ومجال استخدامها، والمساحة الخاصة بها في الفضاءات العامة.
صحيح أننا حددنا بنص الدستور اللغة الرسمية لهذا البلد، ولكننا لم نفعل حتى الآن ذلك الترسيم؛ فنحن عندما نقول في الدستور إن لغة ما هي لغة رسمية في بلد ما، فذلك يعني تلقائياً أن تلك اللغة هي لغة الإدارة في ذلك البلد.
أما إذا كان الوزير في بلادنا ما زال يحتاج لإصدار تعميم ليضمن أن الرسائل التي ستأتيه في مكتبه ستكون باللغة الرسمية لذلك البلد، فذلك يعني أننا ما زلنا نعيش خللا كبيرا وتيها لغويا قل نظيره في العالم.
الغريب العجيب أنه كلما أصدر وزير تعميما من هذا القبيل، ونادرا ما يحدث مثل ذلك، اختلق البعض ضجة كبرى، والأغرب والأعجب من ذلك أن أصحاب ذلك الضجيج لا تسمع لهم كلمة واحدة عندما تصدر وزارة سيادية إعلانا لاستقبال عروض بخصوص صفقة عمومية، وتشترط على المتنافسين في ذلك الإعلان أن يأتوها بعروض باللغة الفرنسية فقط.
فبأي منطق يُمنع من المشاركة في الصفقات العمومية من يقدم ملفاً باللغة الرسمية لبلده؟!
في محاولة لتَعريب مسار الإجراءات المتعلقة بالصفقات العمومية، فقد راسلنا الإدارات المعنية، وتقدمنا في مؤسسة "خطوة للاستشارة والتسويق الإعلامي" بطعن إلغاء بخصوص مناقصة أعلن عنها الصندوق الوطني للتأمين الصحي في يوم 15 يوليو 2023، وما زال هذا الملف لدى القضاء، ولم يصدر فيه أي حكم رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على التقدم بذلك الطعن.
لا يتوقف الأمر عند اللغة الرسمية فقط، فلغاتنا الوطنية تعاني هي كذلك من عدم منحها عمليا المكانة التي أعطاها لها الدستور نظريا، والذي اعتبرها موروثا وطنيا مشتركا لجميع الموريتانيين يجب على الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره.
فماذا يعني أن تكون تلك اللغات لغات وطنية، وموروثا وطنيا مشتركا لكل الموريتانيين، ومع ذلك يرفض بعض الذين تعتبر تلك اللغات لغاتهم الأم أن يتحدثوا بها داخل البرلمان مع أن الترجمة ستوفر لهم إلى كل اللغات الوطنية، ويصرون على الحديث بلغة أجنبية لا توفر الترجمة منها أو إليها، في حالة نادرة من نوعها لا يمكن أن تحدث إلا في بلادنا؟!
ففي كل برلمانات العالم لا يمكن للنائب أن يتحدث بلغة غير رسمية وغير وطنية تحت قبة برلمان بلده، ومثل هذا التصرف لا يحدث للأسف إلا في بلدنا.
وماذا يعني أن تكون لغة وطنية في بلد ما بنص دستوره، ومع ذلك يرفض رئيس المجلس الدستوري في ذلك البلد أن يتحدث بها عندما يتعذر عليه الحديث باللغة الرسمية، في حدث وطني في غاية الأهمية يتعلق بتنصيب رئيس الجمهورية؟!
في عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية، حاولنا علاج هذا الخلل عندما طالبنا في المطلب السادس في العريضة بـ: "استخدام إحدى لغاتنا الوطنية بدلا من اللغات الأجنبية في كل الأنشطة الرسمية التي يتعذر فيها إلقاء الخطابات الرسمية باللغة العربية، مع ضرورة توفير الترجمة بين اللغة الرسمية واللغات الوطنية".
لا مشكلة عندنا مع اللغة الفرنسية، ونحن لا نمانع في أن نجعل منها اللغة الأجنبية الأولى في هذه البلاد، ولكن بشرط أن نتفق على أنها ليست لغة رسمية ولا لغة وطنية، فالدستور لم يذكرها في أي مادة من مواده.
نحن على استعداد للقبول باللغة الفرنسية لغة أجنبية أولى في هذه البلاد، ولا مانع من منحها أعلى المراتب التي يمكن أن تمنح للغة أجنبية أولى في أي بلد من بلدان العالم، ولكن بشرط أن لا تقف حجر عثرة أمام ترسيم اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية الأخرى.
إننا لم نستطع أن نفعل خلال الـ 35 سنة الماضية ترسيم اللغة العربية وترقية لغاتنا الوطنية بسبب اللغة الفرنسية، وهذه حقيقة علينا أن نستحضرها دائماً عند الحديث عن التيه اللغوي في بلادنا.
وعلى فرنسا أن تدرك أن مكانتها في العالم تراجعت بشكل كبير، وأنها لم تعد قادرة على فرض لغتها على مستعمراتها القديمة، وأن عليها أن تقبل بها لغة أجنبية، تمنح المساحة التي تمنح لأي لغة أجنبية أولى في أي دولة من العالم. وإذا أصرت فرنسا على الاستمرار في فرض لغتها، وانتزاع مكانة لها لا تحق لها على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، فلتعلم من الآن أن ذلك قد يضر بها وبلغتها كثيرا، وقد يجعلنا في هذه البلاد - وكما حدث في بلدان أخرى - نطالب بمنح اللغة الإنجليزية صفة اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، بدلاً من اللغة الفرنسية، وفي ذلك مصلحة كبيرة لبلدنا.
حفظ الله موريتانيا...
محمد الأمين الفاضل











