موريتانيا وملف الكويرة: تحليل دلالات البيان الحكومي الأخير

أكد وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية محمد بوبانا، في أول مؤتمر صحفي له، أن بلاده تتمسك بحل سلمي وتوافقي لقضية ترسيم منطقة "الكويرة" تحت إشراف الأمم المتحدة، نافياً ما تردد عن "تنازلات" قد تقدمها نواكشوط في هذا الملف.

وأوضح الوزير أن الهدف من توضيح الحدود هو "تجنب أي غموض قد يترتب عليه انعكاسات أمنية أو قانونية أو اقتصادية"، مشدداً على أن الحديث عن تنازلات "سابق لأوانه" ولا يستند إلى أي معطيات جديدة.

دلالات استراتيجية

يرى مراقبون أن تصريح الوزير، رغم صياغته الحذرة، يحمل بعداً استراتيجياً أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، إذ يكشف عن قراءة موريتانية دقيقة لملف حدودي بالغ الحساسية.

فنواكشوط لا تطالب بسيادة جديدة على الكويرة، وقد حسمت موقفها التاريخي بالانسحاب من النزاع، لكنها تشترط أن يستند أي تسوية مستقبلية إلى ترسيم حدودي واضح وموثق رسمياً معها. وتقع الكويرة على بعد كيلومترات فقط من نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد ومنفذها البحري الاستراتيجي، ما يجعل أي غموض حول وضعها تهديداً مباشراً للأمن القومي الموريتاني.

رسائل مزدوجة

لا يُعد نفي الوزير مجرد رد على الشائعات، بل يحمل رسالة مزدوجة: طمأنة الرأي العام الداخلي بأن السيادة والثوابت الوطنية غير قابلة للتفاوض، وإبلاغ الخارج بأن نواكشوط لا تتحرك تحت الضغط.

ويأتي هذا التصريح في سياق تصاعد إشارات من الجانب المغربي، منها الحديث عن "المغرب من طنجة إلى الكويرة"، وتسليم خريطة خلال لقاء عسكري تضمّنت المنطقة ضمن التراب المغربي، وهي مؤشرات تدفع نواكشوط إلى الاستباق الدبلوماسي.

تحرك أممي

في هذا الإطار، تسعى موريتانيا إلى إدراج مصالحها الحدودية ضمن آلية أممية، حيث أشار تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، إلى ضرورة إنشاء لجنة تُعنى بتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للمنطقة المتنازع عليها بالاتفاق المشترك.

بين الحياد النشط وحفظ المصالح

وخلاصة القول إن بيان الوزير محمد بوبانا يشكل دفاعاً قانونياً يغطي مقاربة استراتيجية: موريتانيا لا تسعى إلى استفزاز جيرانها ولا إلى إعادة فتح نزاع السيادة، لكنها ترسم في الوقت ذاته خطاً أحمر واضحاً مفاده أن أي تسوية لنزاع الصحراء الغربية يجب أن تراعي الأمن الحدودي لمنطقة نواذيبو وأن تُنجز بالتوافق، دون أن تفرض أي طرف وقائع أحادية.

وهكذا تواصل نواكشوط، بين الحياد النشط وصون مصالحها الحيوية، إدارة ملف بالغ الحساسية بخطاب متزن، هادئ في شكله، حازم في مضمونه.

رابط المقال:

https://www.moroccomail.fr/2026/10/26/lagouira-mauritanie-maroc-sahara-o...