الفقر والبطالة يدفعانهم إلى جبهات أوكرانيا: شباب أفريقيا ضحايا شبكات تجنيد روسية

كشف تقرير حقوقي أن عشرات الشباب من كينيا والكاميرون وزيمبابوي والسنغال وغيرها وجدوا أنفسهم على خطوط المواجهة في أوكرانيا، بعدما استجابوا لإعلانات توظيف وهمية نُشرت على منصات التواصل الاجتماعي، في ظاهرة تكشف هشاشة الاقتصادات الأفريقية واستغلالاً روسياً منظماً لهذه الهشاشة.

الفقر والبطالة: أرضية خصبة للتجنيد

وتشير بيانات منظمة العمل الدولية والبنك العالمي إلى أن شباب منطقة غرب أفريقيا الاقتصادية والنقدية (UEMOA) يظلون محصورين في الغالب في الوظائف غير الرسمية وغير المستقرة، وهو ما يجعلهم عرضة لإغراءات مالية تفوق بكثير ما يتقاضونه محلياً.

فبحسب تحقيقات صحفية، عرض وسطاء مرتبطون بالجيش الروسي رواتب شهرية تتراوح بين 920 و2500 دولار، إضافة إلى مكافآت توقيع قد تصل إلى ما يعادل 23 ألف دولار في العقود التي جرى فحصها بكينيا، وإن كان الوسطاء يقتطعون جزءاً كبيراً منها قبل صرفها.

ويعيش كثير من هؤلاء الشباب أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة: خريجون بلا عمل، وعمال في القطاع غير الرسمي أنهكتهم موجات انعدام الأمن في الساحل، ومهاجرون عائدون من أوروبا دون فرص للتسوية، فيتحول العرض الروسي بالنسبة إليهم إلى طوق نجاة.

من إعلانات العمل المزيفة إلى الشبكات الموالية للكرملين

توضح تقارير أن عملية تجنيد الأفارقة لا تُعلن عن نفسها صراحة، بل تتخفى وراء إعلانات وظائف في مجالات الحراسة الخاصة واللوجستيك والبناء، وهي عناوين مطمئنة تخفي التكليف الحقيقي على جبهة الحرب، وفق ما أوردته تقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقي (Africa Center for Strategic Studies).

وتستخدم هذه الشبكات أساساً منصات فيسبوك وتيك توك وتيليغرام وواتساب، إضافة إلى روايات سياسية تقدّم روسيا كشريك مناهض للاستعمار يحترم سيادة الدول الأفريقية، وهو خطاب تروّجه شخصيات مؤثرة ومواقع موالية مثل مبادرة "African Initiative" التي صنّفها تقرير تقني مشترك بين الهيئات الفرنسية والبريطانية والأوروبية.

ويختلط التضليل بالدعاية بالاتجار بالبشر بصورة متعمدة، إذ تجمع العمليات بين محتوى أيديولوجي ووعود اقتصادية زائفة ووسطاء وشركات توظيف، وتبادل توصيات بين المجنّدين السابقين، ما يجعل من الصعب تحديد صفة "الرضا" في هذه العمليات قانونياً.

هوية المجنّدين وردود فعل الدول

وتؤكد السلطات الأوكرانية أن قواتها حددت هوية مقاتلين من 35 إلى 37 دولة أفريقية على الأقل بين صفوف القوات الروسية، وتعدّ حالات كينيا وزيمبابوي والكاميرون والمغرب وبوتسوانا الأكثر توثيقاً، بعد ظهور معتقلين من هذه الدول بالاسم في مقاطع فيديو أو خلال إجراءات قنصلية، وكينيا هي الدولة الوحيدة التي فتحت رسمياً إجراءات بشأن خمسة معتقلين، وفق هيئة الإذاعة البريطانية.

في المقابل، لا تزال الردود المؤسسية محدودة، إذ لم تصدر المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (CEDEAO) ولا الاتحاد الأفريقي بيانات رسمية تخص التجنيد الروسي لمواطني القارة، بينما تقتصر التحذيرات الأخيرة على حكومات نيجيريا وغانا وجنوب أفريقيا من دون تنسيق إقليمي رسمي.

ويزداد التعقيد القانوني لأن صفة "مرتزق" وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1989 تتطلب استيفاء شروط متراكمة، من بينها الدافع الربحي أساساً وعدم الاندماج الرسمي في القوات المسلحة، لكن بعض المجنّدين الأفارقة يُدمجون رسمياً في القوات الروسية، ما يربك وضعهم القانوني.

سوابق لا تبرّر

ويذكّر السياق بأن تجنيد الأفارقة في نزاعات خارجية ليس جديداً، فقد درّبت موسكو آلاف الكوادر الأفريقية ودعمت حركات التحرر إبان الحرب الباردة، ودرس نحو 60 ألف أفريقي في الاتحاد السوفيتي بين عامي 1949 و1991، وهو إرث ما زال حاضراً في المتخيل الجماعي لبعض الدول، ويستغله المجنّدون المعاصرون بذكاء.

لكن المفارقة أن دولاً كنيبال أو الفلبين طوّرت أطراً لحماية مواطنيها العاملين في الخارج، بينما تفتقر معظم الدول الأفريقية المعنية إلى أدوات مماثلة لتنظيم أو منع سفر مواطنيها إلى مناطق النزاع تحت غطاء التوظيف.

حاجة إلى استجابات بنيوية

وتخلص المعطيات إلى أن ما يجري ليس مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية الروسية، بل يكشف فشلاً جماعياً لأنظمة تعليمية واقتصادية عاجزة عن استيعاب شبابها، وإلى غياب أدوات قنصلية وقانونية لحمايتهم.

فالتضليل لا يجد هذا القدر من الفعالية إلا في تربة من اليأس الاقتصادي، بقدر ما لا يكفي العامل الاقتصادي وحده لتفسير حجم الظاهرة، لأن شبكات تجنيد منظمة تحمل مسؤولية الخداع. ومن هنا، فإن الحلول الأمنية أو الاقتصادية المنعزلة ستظل قاصرة، ويبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن دول الساحل وغرب أفريقيا من التصدي لهذه الظاهرة قبل أن يصبح عدد الضحايا أكبر من أن يُتجاهل؟

رابط المقال:
https://perspectivesafricaines.net/desinformation-recrutement-africains-...