
شكلت المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء، التآزر، الحكومية، سابقة نوعية في طريق دعم المواطنين الأكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية، حيث تدخلت بشكل مباشر من خلال مشاريع ذات نفع فردي وجماعي، واجتماعي أيضا، من رواتب شهرية أو فصلية، إلى تمويل فرص عمل جماعية وتأمين صحي، إلى بناء مؤسسات تعليمية وصحية وخدمية يرجي من ثمارها أن تمتد لأجيال لاحقة.
هذه الجهود تذكر فتشكر، لأن من درجات الفقر والضعف ما يحتاج لتدخل مباشر قبل أن يُشار إلى أهله في المشاريع التنموية ذات المدى البعيد، إن "التآزر" مشروع اجتماعي هائل إلا أنه لا يخلو من عيوب، ولسنا نقصد هنا من بقي من المستحقين لهذا العون دون أن يناله، بل نشير إلى مشكلة أكبر، قد بدت معالمها تتضح شيئا فشيء، ألا وهي تكريس سياسة حكومية مفادها أن المجتمع ينقسم إلى فئتين لا ثالث لهما، إما أغنياء، لهم سند مادي يعينهم على نوائب الدهر، وما أكثرها هذه الأيام، أو فقراء شديدي الفقر أُعدت برامج التآزر لمساعدتهم، أما الطبقة الوسطى فليس لها مال الأغنياء ولا دعم الحكومة، مما يدفعها لحافة الفقر في وقت صعب من تاريخ الاقتصاد العالمي.
إن تجاهل الطبقة الوسطى التي يميل أغلبها لحافة الفقر يعد خطرا اجتماعيا محدقا قد يدفع بالبعض إلى التحايل "للتعجيل بفقره" حتى تتوفر فيه شروط التآزر فينال عطاءها، وإن التآزر ذاتها قد تكون سببا في الحرص على البقاء في دائرة الفقر لأن خارجها لا يوجد الغنى، أي في الحلقة الموالية لا يوجد إلا خواء الطبقة الوسطى، وربما يذكرنا هذا بحرص بعض الدول الفقيرة على البقاء على مؤشر الفقر، والأكثر فقرا، حتى لا تنقص عائدات المساعدات الدولية لها.
قد لا يكون العيب في مؤسسة التآزر ذاتها، في ظل الحاجة الملحة لها، بل العيب في أن تتبع السياسات الحكومية كلها "فلسفة التآزر"، أي كما أشرنا، تقسيم المجتمع إلى فئتين لا ثالث لهما، ومؤخرا رأينا هذا النهج واضحا في سياسة التعامل مع طلاب الجامعة الذين تم تقسيمهم تقسيما تعسفيا وفجا، جلب الحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسر إلى فضاء الجامعة وأحلام الشباب، وهي حالة من الإهانة والمذلة كان المجتمع الجامعي في غنى عنها.
إن أغلب الطلاب ما بين فقراء وطبقة وسطى، وهم شباب عاطلون عن العمل، بمتطلبات حياتية متزايدة، ويدرسون في خلاء من الأرض، ويتنقلون بين ثلاث ولايات كل يوم.. فما الكثير في أن تتم المساواة بينهم في منحة مالية كان ينتظر زيادتها فإذا بها تقطع؟! هل على طلاب الجامعة أن يقدموا تصريح المذلة والإهانة بعار الفقر حتى يحصلوا على بعض من حقوقهم؟
وفي الختام نرجو أن تتدارك الحكومة سياسة الانجرار نحو تقسيم المجتمع ما بين أغنياء من الدرجة الأولى، وفقراء من الدرجة الأخيرة، في تجاهل تام لأغلب ساكنة الوطن، وأن تتم إعادة الاعتبار لسياسات الإصلاح والدعم الحكومي الشامل الذي يستفيد منه الجميع، فقليل يستفيد منه الجميع خير من كثير يُحرم منه الكثير. لتبقى "التآزر" ولكن ليس ضروريا أن تكون سياسة الحكومة كلها من منظور "التآزر".











