موريتانيا: بين التقليد والحداثة… وجوه متعددة لمجتمع يتنازعه التغيير

تُعدّ الجمهورية الإسلامية الموريتانية من أقلّ دول العالم كثافةً سكانية، إذ لا يتجاوز عدد سكانها 3.9 نسمة لكل كيلومتر مربع، وهو بلد ينطوي على تناقضات عميقة تعكسها أربع لغات وطنية وست مجموعات عرقية.
 ومن خلال متابعة حياة عشرة أشخاص يمثّلون موريتانيا اليوم، يرسم هذا التقرير صورةً لبلد تتجاذبه حداثةٌ ناشئة وتقاليدُ راسخة، ورغبةٌ في الحرية ونظامٌ اجتماعي صارم.

عائشة حمادي (22 عاماً): طالبة نسوية

تلتقي عائشة وصديقاتها أسبوعياً في نادٍ سينمائي، وقد اخترن هذه المرة فيلماً يتناول زواج القاصرات، ليعقبه نقاش حادّ ينتقدن فيه المجتمع الموريتاني دون مواربة. وتقول عائشة، التي يتابع صفحتها على فيسبوك آلاف الأشخاص: «أريد أن أُظهر للعالم أننا نعيش معاناة حقيقية»، مشيرةً إلى أن العنف ضد النساء «يحدث في الخفاء لأن شرف العائلة هو الأهم».

ورغم أن النساء يمثّلن ربع نواب البرلمان، فإن ثلث الفتيات يتزوجن قبل بلوغهن 18 عاماً، ولا يشكّلن سوى أقلية من طلاب الجامعات. كما لا تزال ممارسات مثل «التسمين» وختان الإناث راسخة في بعض المجتمعات. وتواصل عائشة، رغم انتقادات محيطها، الدفاع عن حقّها في إكمال دراستها، آملةً في الدراسة بالخارج.

عثمان انجاي (38 عاماً): صيّاد

في ميناء نواكشوط، يعمل عثمان منذ أكثر من عشرين عاماً، إذ يمضي نحو عشر ساعات يومياً في مياه المحيط الأطلسي مقابل ما يعادل ثلاثين دولاراً. ويقول إن مهنته محفوفة بالمخاطر «لكن لا خيار أمامنا»، فقد فقد شقيقه الأصغر في حادث بحري عام 2003.

ويشتكي عثمان من أن قطاعات أخرى «تسيطر عليها المجموعة المورية»، في إشارة إلى الفوارق الكبيرة بين الأغلبية السوداء والأقلية العربية الأمازيغية التي تشكّل النخبة السياسية والاقتصادية. ولا يزال «أحداث 1989»، التي طردت خلالها الدولة عشرات الآلاف من الموريتانيين السود نحو السنغال ومالي، حاضراً في الذاكرة. ويحلم عثمان بأن يُنتخب أول رئيس أسود في البلاد.

معتال الله ولد امبيريك (42 عاماً): عبد سابق

موريتانيا آخر دولة ألغت العبودية عام 1981، ولم تُجرَّم الممارسة إلا عام 2007. فرّ معتال الله عام 2002 عندما صادف دورية عسكرية أثناء رعيه ماشية سادته، تاركاً وراءه أمه وأخته. استغرق الأمر عشر سنوات لتحريرهما، ويتذكّر بمرارة: «كانوا يضربون أمي وأختي أمام عيني».

تعيش أسرته اليوم في أحد أحياء الصفيح بنواكشوط، ويعاني أطفال أخته من انعدام الوثائق التي تمنعهم من الالتحاق بالمدرسة. ويقول: «كأننا ما زلنا عبيداً». وقد قُدّمت شكوى ضد السادة السابقين دون جدوى، وفي حين سجّلت المنظمات عشرات القضايا، لم تصدر سوى إدانتين فقط، رغم أن القانون ينصّ على عقوبة تصل إلى عشرين عاماً.

دادا والات محمدون (60 عاماً): لاجئة مالية

بعد خمس سنوات من اندلاع النزاع في شمال مالي، لا يزال أكثر من 140 ألف شخص يعيشون في مخيمات اللاجئين بالدول المجاورة. في مخيم «مبرة» جنوب شرق موريتانيا، الذي يضم 52 ألف لاجئ ويشبه مدينة دائمة، تعيش دادا وأطفالها الخمسة منذ 2012. وتروي بأسى اليوم الذي هوجمت فيه قريتها: «أخذت يد ابنتي وهربت، وتركت كل شيء خلفي».

ومع استمرار عدم الاستقرار في شمال مالي، لا تفكّر دادا في مغادرة موريتانيا قريباً، وتقول ببساطة: «لا نعرف كم سيدوم الأمر». في المقابل، بدأت أصوات تُرتفع في القرى الموريتانية المجاورة للمخيم، حيث يعيش السكان في فقر مدقع، متّهمةً اللاجئين بسرقة مواشيهم، بينما يحسد آخرون الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدّمها المنظمات.

محمد مضار أولابي (52 عاماً): لاجئ سوري

غادر محمد مدينة حلب المحاصرة عام 2013 مع زوجته وأطفاله بعد تدمير منزله بالصواريخ. ولم تكن موريتانيا تفرض تأشيرة على السوريين حتى 2016، فاستقبلت 451 لاجئاً، معظمهم كان يأمل في إعادة توطينهم في أوروبا أو أمريكا الشمالية، لكن أربعين شخصاً فقط أُعيد توطينهم في فنلندا.

وبعد ثلاث سنوات من انتظار بلا جدوى، يهدّد محمد، الذي يعاني أطفاله الأربعة من الصرع ويحتاجون إلى رعاية خاصة: «إن لم ينجح شيء، سنغادر عبر طريق الموت». وتواصل الأسرة محاولة الحفاظ على تقاليدها عبر مشاهدة أفلام سورية وتحضير أطباق تُذكّرها بحلب، ويقول بحزن: «نحن غرباء هنا».

مارتن هابي (72 عاماً): أسقف نواكشوط

كل أحد، تمتلئ شوارع نواكشوط المحيطة بالكنيسة بالمصلّين، إذ يحضر أكثر من 400 شخص القداس الذي يترأسه المونسنيور مارتن هابي، الأسقف الألماني المقيم في موريتانيا منذ 22 عاماً. ورغم أن القانون يجرم الردّة ويعاقب عليها بالإعدام، يوضح الأسقف أن المصلّين «كلهم غير موريتانيين»، وأن المسيحيين يمكنهم ممارسة شعائرهم دون مضايقة ما داموا لا يسعون لتنصير الموريتانيين.

ويؤكد هابي، المنخرط بقوة في العمل الجمعوي، أنه يستطيع السير في الشارع حاملاً صليبه الخشبي دون خوف، غير أن البلاد تشهد انغلاقاً دينياً متزايداً، وقد عُزّزت الإجراءات الأمنية حول الكنيسة منذ عامين. ورغم التوتر، يعتزم إنهاء مسيرته في أبرشية نواكشوط «لنزع الغموض عن فكرة التعايش».

الشيخ تاروزي (27 عاماً): عاطل عن العمل

يجلس الشيخ في مقهى «تونيزي» الشهير بنواكشوط، يحتسي قهوته ويدخّن سيجارته. أنهى دراسته الثانوية والتحق بدراسة الاقتصاد لكنه لم يكملها، ثم فقد عمله عام 2014، ورسب أربع مرات في مسابقة التجنيد العسكري. ويقول: «لا حظّ لي. الحياة في نواكشوط صعبة، ولا يمكن إيجاد عمل دون وساطة عائلية».

وبلغت نسبة البطالة بين الشباب الموريتانيين 19% عام 2016 مقابل 12% وطنياً، وفقاً للبنك الدولي. ويفكّر الشيخ في العودة إلى الدراسة هذا العام، إذ إن التعليم العالي غير مكلف في موريتانيا، ويطمح إلى العمل في مجال المال «حيث توجد الأموال»، بينما تتشابه أيامه بين المقهى وتصفّح فيسبوك.

جمال ولد عبدو (56 عاماً): راعٍ حضري

على أطراف نواكشوط، حيث تحلّ الكثبان محلّ الطرق الإسفلتية، تنتشر مخيّمات الرعاة الحضريين الذين يزوّدون العاصمة بحليب الإبل بسعر 3.50 دولار للتر. ويشرف جمال، المنحدر من أسرة رعاة مالية، على قطيع من عشرين رأساً.

وصل جمال من منطقة تمبكتو إلى موريتانيا عبر الجزائر، ويقول: «أفتقد الصحراء الكبرى، لا أتحمّل المدينة وروائحها وضجيجها». وبدون قطيع خاص وبوجود ثلاثة أطفال يعولهم، كان الأسهل عليه إيجاد عمل قرب العاصمة. وتُعدّ موريتانيا ثاني أعلى نسبة تحضرّ في القارة الإفريقية، إذ ارتفعت نسبة سكان الحضر من 7% عام 1960 إلى 60% عام 2016، ما خلق حنيناً إلى حياة البادية لدى سكان المدن الذين يقصدون الرعاة ليلاً بحثاً عن حليب الإبل.

عائشة كان (79 عاماً): أول امرأة وزيرة في موريتانيا

تستقبل عائشة زوّارها في شقتها بحي «تفرغ زينة» وسط «متحفها الصغير» المليء بالهدايا والجوائز، من بينها وسام جوقة الشرف الفرنسي. وتستعيد مسيرتها السياسية التي قادتها إلى وزارة حماية الأسرة والشؤون الاجتماعية عام 1975، في السنة نفسها التي لم يكن فيها في الحكومة الكندية سوى امرأة واحدة.

وتقول: «بالنسبة للنساء، كانت رؤيتي في الوزارة عيداً، ولا يزال الناس ينادونني حتى الآن +السيدة الوزيرة+». ورغم أنها لم تشعر بعداء من زملائها، تعترف بأن مطالبها لم تكن تحظى بإجماع محيطها، إذ ناضلت ضد تعدّد

رابط المقال:

https://ici.radio-canada.ca/nouvelles/special/2017/10/mauritanie-afrique...