نعم بلدنا بلد فقير حتى الآن... / القصطلاني سيدي محمد ‏

سأقولها مع فخامة رئيس الجمهورية في خطابة لجاليتنا في اسبانيا، ذلك الخطاب الذي أثار جدلا واسعا في مواقع التواصل الإجتماعي و لا أقولها تطبيلا، فمنذ أصبحت ناخبا لم أصوت لرئيس حاكم، و لا نكرانا لما عندنا من ثروة سمكية و معدنية و مساحات شاسعة تلك الحقيقة التي قرأناها في دروس الابتدائية و وعيتها بأم عيني بعد ذلك و زادت بالذهب و الغاز...!

و لكن لأنها واقع نعيش يومياته و نتنفس نسيمه و نئن تحت وطأته.

لا يحتاج هذا الواقع لتلسكوب لرؤيته، لأنه واضح كوضوح الثروات التي ندركها جميعا.

و لا يحتاج لتصريح في وسائل الإعلام   لأنه مصرح به في أزقة انواكشوط فلن تغيب عنك مظاهره حتى و لو كنت في أحسن مناطق العاصمة "تفرغ زينه".

إذن لماذا هذه الزوبعة التي قامت و تقوم بسبب الإعتراف بالواقع.

قد اتفق مع أصحابها أن فخامة رئيس الجمهورية يتحمل مسؤولية اتجاه هذا الواقع و الحكومة و المعارضة و الشعب كل يتحمل نصيبا من هذه الحالة الغير جديدة علينا...
لكن الإعتراف بها ليس تهربا من المسؤولية بل هو وقوف في وجهها بكل عز و شموخ.

و إن كنت لم أكتب سطوري هذه للدفاع عن حاكم أعتبر ان لحظة حكمه كانت تمثل خروجا للبلد من عنق الزجاجة، و لا للهجوم على افراد شعب محكوم كفاه من الهجوم هجمة ارتفاع الأسعار و الواقع المعيشي الصعب، 

و إنما لتأكيد المؤكد بأن بلدنا بلد فقير.

فقير إلى ما يأكل فما يكاد يؤمن لقمة عيشه و هو الذي إذا أغلق معبر الكركارات خلت مائدته من الخضروات رغم توفر الأراضي الزراعية الشاسعة و اليد العاملة و نهر جاري بجنبهما.

فقير لثرورته السمكية التي تباع لمستثمرين أجانب منذ الاستقلال رغم ثراء شاطئنا ، إلا أن ذلك الثراء لا نعرف منه إلا إسم نوعين او ثلاثة من الاسماك تلك الانواع التي لا تنتمي للائحة المتميزة، و  التي نشتريها بأسعار باهظة حتى نتمكن من رؤيتها على مائدة الغداء، أما البقية فلا توجد أسماؤها إلا على أوراق رخص الصيد الموقعة من طرف وزير الصيد المهداة لرجل لا يصيد إلا ثمن تلك الورقة التي يبيعها لمستثمر صيد أجنبي.

فقير بثروته المعدنية بحديدها و فسفورها و نحاسها و ذهبها.
فالحديد و النحاس و الفسفور  الذين يستخرجون منذ عقود يعودون إلينا بأضعاف اسعارهم بضاعة مصنعة على شكل سيارات و آلات و معدات، و حظنا منهم ذلك الخام الموجود في طبقات الأرض...و للأجنبي حظ منه أيضا.

أما الذهب فلغلائه من حيث خرج لا يعود و حظنا منه تلك النسبة الضئيلة(4-6)%، كباقي دول العالم الثالث و لنا فيهم أسوة(!).

فأين هي الثروات التي ندعي الغناء بها؟، إلا إذا كان المقصود الغناء عنها! و لا أظنه حاصلا.

أما الفقر الحقيقي و الذي هو سبب كل الأنواع السابقة فهو الفقر إلى الإنتاج و التسيير الجيد و الفكر الرشيد و الأيادي النزيهة و الخطط الإستراتيجية الواعدة و تطبيقها على أرض الواقع.

هنا يمكن ان نقول و بمرارة أننا بلد فقير.

فمنذ أكثر من 60 عاما و نحن لا ننتج ...كل ما نفعله هو بيع و شراء و اقتراض و طلب دعم.

كل سياساتنا تدور حول تلك المحاور الأربعة، و ليتها دارت حولها مع الشفافية و الأمانة في الأخذ و التسليم، إذن لكان حالنا أحسن بكثير مما نحن عليه الآن...

لقد انتشرت فينا مفاهيم الفساد بقوة، فنالت القمة منها أكبر حظ و انتشرت في القاعدة انتشار النار في الهشيم.

فاي مدير لإدارة يديرها ليستفيد هو لا ليستفيد الوطن.

و عشنا عقودا من الزمن و الحال تلك حتى بلغنا سن الرشد على تلك الحال.

فكم من تمويل للمياه الصالحة للشرب على حساب الشعب تم اقتراضه و في جيوب النافذين تم استلامه أما المياه، فيعرف اهل البدو كيف يجعلونها صالحة للشرب؟!

و كم من دعم لوزاراة التنمية الريفية بإسم الزراعة سْيجت به مساحات قفر لا زرع فيها، و ذهب إلى الجيوب و بقي مستهلك انتاج المزارع الوهمية ينتظر معبر الكركارات...!

و كم و كم و كم...

تلك السياسة الاستنزافية للموارد دون أي مردود معتبر للوطن، و التي عشناها سابقا و نخشاها حاليا و لاحقا، هي التي جعلتنا بلدا فقيرا رغم ثروتنا الكبيرة.

و لكم أن تراقبوا كمثال لغياب المراقبة و التعود على عقلية نهب الثروات عملية رمضان إن أدركناها أحياء و كان في العمر بقية....إن شاء الله تعالى.

فهي مثال حي يأتي بشكل دوري ليقول لنا أننا مازلنا كشعب و أطر و حكومة نعيش نفس السيناريو القديم الذي يكبح قطار التنمية عن السير.

فلا يستفيد من تلك العملية إلا من يستلم حصته على شاشة التلفاز ليدشنها بقوله أنها تجري بسلامة و سلاسة أو قليل ممن حالفهم الحظ مع ما بذلوا من تعب و مشقة للحصول على حقهم، أما النصيب الأوفر فيذهب إلى اصحاب الحوانيت و من له نفوذ خاص يوصله إليه بسهولة، لتعاد عملية بيعه بأسعار السوق.

نعم إننا بلد فقير إلى التنمية و الإرادة الحقيقية للبناء و إلى سياسات وطنية عملية دقيقة و قوية تلامس أنات المواطنيين و تطرد عنهم شبح الجوع و الفقر.

و حتى لو تأمر علينا رئيس صالح و مصلح، فلن يستطيع أن يغير الحال إلا إذا تغيرت الافكار ...تلك الأفكار التي خيم عليها شبح الفساد لفترة ليست بقصيرة فأصبحث ثقافة الفساد ثقافة سائدة...حتى لدى المواطن البسيط الذي يكمل مشهد الفساد من خلال إستنساخ ما يشاهد في كواليس الفساد و التصفيق للمفسدين مقابل لقمة العيش...مكره هو لا بطل....!