محظرة آل الشيخ سيديا ..مدرسة الإصلاح والأدب والتأسيس الفكري للدولة

" وهو العلم الذي رفع على قطره واستظل به أهل دهره وماذا أقول في رجل اتفق على أنه لم يظهر مثله في تلك البلاد، وقد رأينا من أحفاده ما يرفع العناد، إذ من المعلوم أنهم قاصرون عن مداه، أو لم يجاوزوه إلى ما وراه...ولم تزل فضائله تبدو حتى أذعنت له الزوايا وحسان وصار مثل الملك بينهم فلا يعقب حكمه. وكان أهلا لذلك كرما وحلما وعلما ولم تزل الدنيا تنهال عليه ويفرقها بين الناس...كانت شنقيط تجعله حرما آمنا يضم عنده آلاف الناس يطعمهم ويسقيهم ويقضي جميع مآربهم حتى لقي الله ولا يسأله أحد حاجة إلا أعطاه إياها بالغة ما بلغت, أما فضائله فأكثر من أن تعد"
تلك نبذة مما كتب أحمد بن الأمين الشنقيطي عن العلامة المصلح الشيخ سيديا بن المختار الهيبة، معبرا عن مكانته السامية وموسوعيته وعطائه وعمق تأثيره في الأنساق الثقافية والسياسية والحضارية لموريتانيا الماضي والحاضر.
ولقد بلغ الشيخ سيديا من الشهرة والفضل حتى كان أعلى مضارب الأمثال في هذه البلاد، وفق تعبير الشيخ بداه ولد البوصيري، وفي تعبير لطيف يقول العالم المختار بن حامد
هم أنزلوني فوق قدري فها أنا
أقدر أن الشيخ سيدي لي سمى
شيخ ذي التيلميت وإمام أهل الإصلاح

هو الشيخ سيدي بن المختار بن الهيبه بن أحمد دوله بن أبابك الأنتشائي الأبيري  ولد سنة 1190هـ ، 1770 المعروف بعام المرفك، و. في ذلك يقول الشيخ محمد فال بن بابه العلوي:
ووقعة المرفق عام يشفق :: ولد فيه العالم المحقق
الشيخ سيدي إمام المغرب :: جميعه من عجم وعرب.

وقد عرف عن الشيخ سيديا طول رحلته في طلب العلم والتي قيل إنها استمرت قرابة أربعين سنة سبقت بعشر أخرى من الطلب بين ذويه وأسرته وعلماء عشيرته الأٌقربين، ولا تعرف رحلة في طلب العلم أطول من هذه الرحلة في مأثور تاريخ الرحلة والطلب في التراث الإسلامي.
ولد الشيخ سيديا لأمرأة صالحة هي أم المؤمنين بنت أشفغ عبيد، فسمته على أخيها العالم الجليل سيديا، فقيل لها لقد أثقلت عليه، فقالت إن ربهما واحد، وأرسلتها مثلا، وأطلقت لابنها عنان الطلب بهمة عالية، ظلت تسمو به صعدا في سماء الصالحين.
وقد أخذ الشيخ سيديا رحمه الله تعالى على علماء أجلاء من أبرزهم:
خاله الشيخ سيديا بن أشفغ بن عبيد الأنتشائي الأبيري
الطالب ألمين بن الطالب المختار التيمركيوي وعليه أخذ معارف واسعة في علوم القرآن الكريم
الشيخ حرمة بن عبد الجليل وقد درس عليه الفقه واللغة لمدة 13 سنة 
الشيخ حبيب الله بن القاظي الأجيجبي وابنه الشيخ محمد محمود بن القاظي وعليهما درس قرابة أربع سنوات
علماء وشيوخ في تيشيت وقد أقام معهم سنة كاملة، معتزلا في مكتباتهم وفيها ألف كثيرا من كتبه واستنسخ كثيرا من الكتب، وقد أسعفته هذه الإقامة بمصادر علمية هائلة لم تكن متاحة في منطقته.
وبعد أن نهل من معارف لا حصر لها سمت به همة أخرى إلى مدارج الطريق، فانتقل إلى أزواد، حيث لزم حضرة الشيخ سيدي المختار الكنتي مدة 17 سنة، الذي لم يدرك من حياته غير خمسة أشهر، وأقام بقية فترته مع نجله الشيخ سيدي محمد، الذي أجازه بعد ذلك في معارف الشريعة وحقائق التصوف، وصدره إماما موسوعيا وشيخا من أبرز شيوخ القادرية في الغرب الإفريقي بشكل عام.
وقد عاد الشيخ سيديا الكبير إلى أرضه سنة 1828 بعد أن تجاوز الخمسين وشاب رأسه، حاملا هم البناء الحضاري والتربية، وإقامة شكل من أشكال الدولة بعد أن عاين كثيرا من مثالب السيبة وضريبة غياب الدولة
وفي بوتلميت أسس الشيخ سيديا زاويته واجتمعت عليه طلاب العلم والمال والتصوف من كل حدب وصوب، وأصبحت حضرته حرما آمنا تجبى إليه الخيرات ويأمن فيه الخائف، ويجتمع أصحاب الثؤور فيصلح بينهم، دون أن يستطيع أحد أن يعدو على الآخر
وفي ذلك يقول الشاعر آبده العلوي: أنسى الورى بلدانهم وغدت لهم 
 بلدانه سلمى البلاد ومنعجا
من لم يخط البا بلوح خطه =
يمنى التليل تحصنا مما فجا.
ولأجل هذه الهيبة والمكانة انتقلت إلى حضرته وفود وجماعات وتأسست أحلاف وأقيم تجمع سكاني هائل يضم مختلف قبائل موريتانيا وأعيانها، ولذلك وصفه المؤرخ أحمد بن الأمين الشنقيطي بقوله" ولم تزل فضائله تبدو حتى أذعنت له الزوايا وحسان وصار مثل الملك بينهم فلا يعقب حكمه. وكان أهلا لذلك كرما وحلما وعلما ولم تزل الدنيا تنهال عليه ويفرقها بين الناس.كانت شنقيط تجعله حرما آمنا يضم عنده آلاف الناس يطعمهم ويسقيهم ويقضي جميع مآربهم حتى لقي الله ولا يسأله أحد حاجة إلا أعطاه إياها بالغة ما بلغت, أما فضائله فأكثر من أن تعد"
ومما يؤثر عن الشيخ سيديا عمق تأثيره السياسي ورؤيته لضرورة الدولة، حيث عمل على المصالحة بين أمراء الترارزة والبراكنة وآدرار وتكانت في فترة كانت موجة الدم والحروب فائرة بين هذه الإمارات إلى أقصى درجة، وداخل كل إمارة كانت ثمة صراعات ومعارك وانقلابات داخلية.
ويصف حفيده هارون ولد الشيخ سيديا حاله مع الشأن العام قائلا: ان الشّيخ سِيدِيَّ في غاية الاهتمام على طول الدوام بمصالح الأنام من أمته عليه الصلاة والسلام فلا يبلغه خلافُ كبير ولا صغير ولا عظيم ولا حقير بين اثنين أو قبيلتين أو قبيلة فيما بينها على فتيل ولا قطمير إلا سعى في التوْفيق بين أهله بمبلغ طاقته بوفوده بنفسه أو ببذله لكل ما يرضي أحد الطرفين أو الكتابة الوعظية الزجرية الحكميّة الشرعية التى لا تقرأ على صفاة ملساء إلا أثرت فيها لما فيها من الحق والوضوح وعدم التحاشي من إظهار الحق لمن هو له أو عليه وعدم خوف لومة لائم فيه سواء كان المخاطب من العرب أو من الزوايا أو من غيرهما وسواء بعُد منه أو قرُب وسواء كان من عشيرته أو من غيرها ،  شهد بهذا كله الخاص والعام من سائر الأنام والعيانُ فيه مُغْنٍ عن الخبَر. اهـ.
وقد كان مؤتمر تندوجة سنة 1856 أول محاولة لترتيب الجبهة الداخلية لمواجهة الاستعمار الذي كان على الأبواب، وبعد هذا المؤتمر أخذ الشيخ سيديا على عاتقه إقامة سند عسكري، فأقام مصنعا بدويا للبارود في منطقة تسمى عليب البارود، كما سعى لاستجلاب السلاح من المغرب وشارك في مواجهة عسكرية مع الفرنسيين في منطقة الركبه بمقاطعة البراكنة، رفقة مفرزة من تلاميذه الذين أثخنوا في وحدة من الفرنسيين
وقد صدر عن حضرة الشيخ سيديا ومحظرته عدد كبير من أجلاء العلماء منهم على سبيل المثال
الشيخ محمدو بن حنبل الحسني
الشيخ أحمدو بن اسليمان الديماني
الشيخ أحمدو بن ازوين التنواجيوي
الشيخ الحسن بن محم الحسني
والشيخ أحمد بن الفاللي الديماني
الشيخ سالم بن آبوده الألفغي
 والشيخ سيدي الأمين بن محمود بن اطوير الجنه الحاجي
 والشيخ محمد محمود بن الرباني التندغي 
الشيخ سيدي محمد بن سيدي أحمد بن حبت الغلاوي
إضافة إلى عدد كبير من أبناء عشيرته وأقاربه وأسرته، ومنهم خليفته ونجله الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا الذي مكث خلف والده ستة أشهر، وكانت حياته حافلة بالعطاء العلمي وكان بحق رائد تجديد القصيدة، وربان سفينة الإبداع.
وإلى جانب هذا العطاء المتعدد، لم يغفل الشيخ سيديا التأليف فقد كان سيال القلم بارعا في التأليف ومن تآليفه الشهيرة
ـ بغية الخائض في حكم المتتبع بالحائض .
ـ تحفة الأطفال على لامية الأفعال
ـ خلاص النفس من الحبس رسالة في امتناع تمثل الشيطان بالنبي صلى الله عليه وسلم
ـ جواز التنفل بالخبث
ـ رسالة في حكم تعليم النساء .
ـ رسائل في أحكام وفوائد النكاح
ـ رسالة في خواص البسملة والفاتحة
ـ العلق الثمين
ـ رسالة في القبض والبسط
ـ رسالة في المال المدفوع للأكابر ولمداراة الظلمة
ـ شذور الأذكار الماحية للأوزار
ـ شرح الصغرى للسنوسي
ـ شرح المقصور والممدود
ـ الكلام المقنع في مسألة المتمتع
ـ مجمع الطي والنشر في المسائل العشر
ـ مرآة النظر في وجوه خبايا المختصر، شرح به باب الفرائض من خليل
ـ الميزان القويم و الصراط المستقيم
ـ النفحة القيومية بتقرير الأجرومية . 
وقد توفي الشيخ سيديا عن قرابة 94 سنة، ورثاه أجلاء العلماء والشعراء، واعتبرت وفاته خسارة هائلة للمحامد والمكارم وللمحظرة الشنقيطية العريقة

حضرة آل كمال الدين ..تاريخ من العلم والكرم
أثر عند تلاميذ الشيخ سيديا تسميته بكمال الدين أو الكمال وقد ترددت هذه التسمية فيما مدح به من خالد الشعر ومنثور الإبداع، وقد ورث حضرته بعد وفاة ابنه الشيخ سيديا حفيده الشيخ سيديا باب بن الشيخ سيديا وهو عالم سني جليل ويمكن اعتباره المؤسس الثاني للحضرة الكمالية، وأحد كبار المجددين في تاريخ الفقه والتصوف وفكر الدولة في موريتانيا وفضائها الساحلي.
وقد ترك الشيخ سيديا باب مؤلفات كثيرة منها على سبيل المثال

إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين.

ـ شرح عقيدة أبي الحسن الأشعري.

شرح عقيدة السلف، ورسالة في التوحيد، تفسير آيات المعية.

رسالة في الحديث الموقوف، رسالة في الفرق بين القرآن والحديث والقدسي والرباني والنبوي.

رسالة في عدم جواز العادات السائدة في الأعراس بهذه البلاد، أجوبة تتعلق بأحكام الرضاعة.

رسالة في نبوية أحاديث تسوية الصفوف.

رسالة في حكم وصل المرأة شعرها، في أهل الصفة، رسالة في جواز دفع القيمة في الزكاة، فتوى في الصلاة وما يقال فيها، فتوى في ما يقال في الصباح والمساء أدعية الأكل والشرب، كتاب القبض والرفع في الصلاة، رسالة في حرف الصاد.

إمارتي إدوعيش ومشطوف.

فتاوى كثيرة ورسائل وديوان شعر متعدد الأغراض.

ومن أشهر أعيان علماء وسادات أهل الشيخ سيديا بعد باب كل مزن

العالم الجليل والمنفق المعطاء الشيخ سيدي المختار بن الشيخ سيدي محمد

العالم المحدث الشيخ محمد بن باب بن الشيخ سيديا

العالم الفقيه الشاعر ابراهيم بن باب الشيخ سيديا

السياسي والمنفق الشهير سليمان بن الشيخ سيديا

العالم والولي الصالح الشيخ يعقوب بن الشيخ سيديا

المنفق الجواد محمد بن سيدي المختار الشهير بأبي الكرام

القاضي إسماعيل بن باب بن الشيخ سيديا

العالم المؤرخ القاضي هارون بن الشيخ سيديا

العالم الجليل الشيخ يحيى بن الشيخ سيديا

الشيخ العالم إسماعيل بن محمد بن باب بن الشيخ سيديا

العالم المؤلف النظامة الشيخ إسحاق بن محمد بن الشيخ سيديا

الشيخ سيديا بن عبد الرحمن بن سيدي المختار 

                       رحمهم الله تعالى 

ومن أعيان علمائهم الحاضرين

الفقيه المحدث الشيخ ابراهيم بن سيدي المختار بن الشيخ سيديا وهو الخليفة الحالي لأسرة الشيخ سيديا

العالم العابد الشيخ ابراهيم بن محمد بن سيدي المختار

العالم المحدث الشاعر الكبير الشيخ ابراهيم بن يوسف بن الشيخ سيديا الشهير بالمفتي وهو من أجلاء العلماء في العالم الإسلامي

الشيخ سيدي محمد الفخامة بن عبد الرحمن بن الشيخ سيديا وهو شيخ محظرة البلد الأمين وأحد العلماء الأجلاء في البلد

الشيخ أحمد بن الحكومة وهو عالم محدث ورع سني ناسك يقيم في حاضرة الربيع شرقي بوتلميت

الشيخ محمد بن إسماعيل بن الشيخ سيديا شيخ محظرة تيدملين قرب بوتلميت

العالم المحدث المقرئ الشيخ عبد الله المنصور بالله بن اسماعيل وهو مقيم بالمملكة العربية السعودية

وما تزال في أسرة آل الشيخ سيديا بركات مستمرة تنجب العلماء والأجواد والمصلحين على سنن قويم مما ترك كمال الدين