محظرة آل أحمد فال.. سلسلة القضاة وأطباء مطهرة القلوب/ إعداد موقع الفكر

جمعت المحاضر الموريتانية بين تعدد العلماء وتمدد المحاظر، وكثرة قضاة العدل ورهبان المحاريب، وفرسان الأنداء، وبين الموسوعية في التأليف والبراعة في النظم، فكانوا بذلك جامعي أشتات الفضائل، ومنتديات المعارف، وسارت لهم تلك المسيرة كالمثل السائر في أدب الكاتب وحلية الأولياء في مدارج السالكين

ومن بين أشهر المحاضر اليعقوبية التي ملأ صيتها الآفاق وتجاوز أثرها العلمي أرجاء البلاد محظرة آل أحمد فال الموسوية التي تعتبر امتدادا لسلسلة علمية عريضة وحافلة بالعلماء الأجلاء والقضاة المصلحين.

وإذا نسبت هذه المحظرة إلى العالم الجليل القاضي أحمد فال بن محمذن فال، فلها أن ترتفع في أكاليل العلم والقضاء إلى الجد المؤسس القاضي ألفغ موسى اليعقوبي.

وسنكتفي في هذه الجولة مع المحظرة بترجمة علمين من أبرز علمائها ونابغتين من أثرى أشياخها إنتاجا وأعلاهما في العلم والتربية والإصلاح كعبا وهو القاضي أحمد فال بن القاضي محمذن فال ونجله العالم محمد مولود بن أحمد فال

القاضي أحمد فال.. موسوعة القضاء والإفتاء

القاضي أحمد فال ابن القاضي محمذن فال ابن القاضي الامين ابن القاضي المختارابن القاضي ألفغ موسى اليعقوبي الموسوي، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنهما، كما هو متواتر في الكتب والروايات ومجمع عليه عند النسابة الموريتانيين

مولده ونشأته

لا يمكن الجزم على وجه الدقة بتاريخ ميلاد الشيخ القاضي أحمد فال بن محمذن فال، ولا حتى بالموضع الذي تنسم فيه أولى أفياء الحياة، ويغلب على ظن مؤرخي حياته أن يكون ميلاده في حدود 1180 هـ

ومما أجمعت عليه كلمة التاريخ أنه نشأ في بيت صلاح وعلم وإفتاء وقضاء، وزهد وإعراض عن الدنيا وإقبال على الصلاح وممارسة للعبادة على كل حال، وكانت تلك صفة مائزة في سلفه من قبله، وعرف بها بشكل بارز والده محمذن فال الذي وصفه العالم الجليل سيدي أحمد بن اسمه الديماني قائلا محمذن فال بن الامين القاضي ابن المختار القاضي ابن ألفغ موسى القاضي الذي كان يكتب في انتهاء براواته وفتاويه وتساجيله: كتبه القاضي محمذن فال بن الامين القاضي إلى ثلاثة من القضاة، قال مولود بن أحمد اجويد ممازحا له: إنك لراضٍ بالقضاء. فقال له هو: الرضا بالقضاء واجب يا مولود"

وينسب إلى العلامة الولي محمذن فال بن متالي كثير من الثناء على القاضي أحمد فال، وكثير من إجلاله وتقديره، واعتقاد صلاحه وصلاح ذريته من بعده.

وقد اجتمع للقاضي أحمد فال سمو العمومة والخؤولة، فجال بذلك بين القمم العلمية، حيث أن أمه هي

الحسْنيّه بنت يوسف بن الفاظل بن بارك الله، وهي سليلة أسرة علمية عريقة.

والأثير في صحائف التاريخ عن هذه المحظرة العريقة أن القاضي أحمد فال درس على والده القاضي محمذن فال وعمه عبد الله وعلى العالم اللغوي الشهير مولود بن أحمد الجواد، وأنه أقام فترة طويلة في المغرب جائلا بين مكتباتها العامرة وحياضها العلمية الزاخرة، حتى اجتمعت له مكتبة ضخمة ومراس علمي غير مسبوق مع الكتب والمصادر.

وكان أحمد فال قاضيا معتمدا في عموم اترارزه وتميز بحسن النظم بالفصحى والعامية، ومن نظمه بالفصحى:

وإن اب ينادي كي يكلما  خفف الابن نفله وسلما

وليبدل الأم بتسبيح إذا نادته وليخفف النفل كذا

مالم يكن اصم أعمى من دعى  من والدي الإبن وإلا قطعا

وله أيضا:
دويبة سوداء لا تكاد  تفارق الإبل هي القُراد
فإن تمت بلبن تنجسا  إن كان بالتغيير قد تلبسا
وغير آسن حكى الأجهوري كحكم آسن على المشهور
وحكم قشرة الضروع حكم ما  قُدّم في القراد عند العلما.
وله:
وليس ما بقي في المذبوح  في موضع الذبح من المسفوح
ومن شعره بالحسانية:
مول الفطرَ كان ارسلهَ  واتعيثر بيهَ مرسولُ
ما لازملُ لخلاص الهَ   الخرشِ هاذَ مقولُ

محظرته وتلامذته

تأسست محظرة الشيخ أحمد فال في محيطه الذي كان يتنقل في بادية عالمة من الجنوب إلى الشمال، وقد أخذ عليه عدد كبير من العلماء والأدباء منهم على سبيل المثال أبناؤه

-محمد الامين.

- محمد يحي.

- محمذن فال.

- محمد مولود "آد".

بالإضافة إلى أبناء أخواته وهم:

- أبو محمد ابن مولود بن أحمد الجواد اليعقوبي.

- محمد مولود فال بن محمذن تكرور بن موسى بن إبراهيمَ اليعقوبي.

- حدّمِينْ بن محمذن تكرور بن موسى بن إبراهيمَ اليعقوبي.

- المختار بن محمذن تكرور بن موسى بن إبراهيمَ اليعقوبي.

- محمد مولود بن محمد بن المختار الملقب: أغشُمّمْتْ المجلسي.

- محمد عثمان بن محمد بن المختار الملقب: أغشُمّمْتْ المجلسي.

- محمد عبد الله (ابّاهْ) ابن العلامة محمد مختار الملقب: النُّونُّ اليعقوبي.

- محمد الامين بن أبي المعالي اليعقوبي.

وغيرهم كثير

فضله وثناء العلماء عليه

يذكر كاتب ترجمة الشيخ أحمد فال حفيده العلامة أحمد فال بن سيدي أحمد كثيرا من ثناء العالم على القاضي أحمد فال ومن ذلك أن العلامة محمذن فال بن متالي كان يجل الشيخ أحمد فال ولا يفتي بحضرته، وكان أحمد فال كثيرا ما يزور ولد متالي، فإذا جاءه أحال إليه ابن متالي النوازل والأسئلة

وينسب الى العالم الجليل المختار بن ابلول قوله مرة لمن سأله عن القاضي أحمد فال من هذا، فأجاب المختار: هذا العلم.

ويؤثر مثل ذلك عن العلامة الولي الشيخ محمد المامي بن البخاري الذي كان يستفي الشيخ أحمد فال ومن ذلك ما ذكَره القاضي محمد عبد الرحمن بن محمد محمود بن المهدي اليعقوبي أن الشيخ محمد المام بعث برسالة إلى أحمد فال يقول فيها: "ومحل السؤال في نص الشيخ خليل عن الكنايات الظاهرة في الطلاق هل هو متكلِّمٌ عن عُرْفِهم في ذلك الزمان؟ أم على عُرْف غيرهم في غير ذلك الزمان؟ أم عليهما)

وتتواتر في الثناء عليه الشهادات والنقول فهذا العالم الجليل زيْن بن اجّمدْ اليدالي  يصفه بأنه "فقيه زمانه" فقال: ومن بيت علم اليعقوبيين الموسويين سيدي مولود فال أخو فقيهِ زمانِه: أحمد فال وعمُّهما عبد الله بن الامين من أهل بيت يعدون سبعة قضاة متوالية

وعلى السنن نفسه يسير الدكتور الشيخ محمد بن أحمد مسكه الباركي حين يقول:وكان أحمد فال عالما كبيرا معروفا بكثرة الأنظام والتحقيق الدقيق في المسائل الدينية؛ فمن ذلك أنه أنقذ أرواح بعض الناس كان بعض القضاة يريد أن يقتلهم في القصاص، فأظهر لهم هو أنهم لم تقتلهم الشريعة، ولا يزال الناس إلى اليوم يحفظون أنظام أحمد فال التي قيّد بها شوارد العلوم.

وينقل العلامة المحقق ان ولد الصفي فيما نقله عنه الشيخ أحمد فال بن سيد أحمد  قول العلامة محمد عال ابن عدُّودْ: إن أحمد فال لا يحتاج للعزْو إلى الكتب لصحة قوله.

ومن طريف ما يروى في موسوعية الشيخ أحمد فال وبراعته في النظم ما نقله حفيده أحمد فال بن سيد أحمد عن العالم الرباني محمد يحي بن المُنجى أن أحمد فال دخل مرّةً على العلامة محمد بن محمد سالم المجلسي فوجدَهم يبحثون مسألةً فقهية، ويلتمسون مظِنّتها، فقال لهم أحمد فال: هذه المسألة ذكرَها الحطاب عند قول المختصر كذا، فوجدوها في المحل الذي ذكَر لهم، فقال له محمد: لعلك أحمد فال؟ فقال له نعم، فقال له محمد: "حُوزْ عنِّ لا تَنْظَمْنِ".

آثاره وتراثه العلمي

يتفق مؤرخو المحظرة اليعقوبية على ثراء الإنتاج العلمي والأدبي للشيخ أحمد فال ومن بين ما بقي من ذلك الإنتاج:

- نظم غريب القرآن في التفسير

 - نظم شرح أسماء الله الحسنى

- نظم أسماء النبي

- كناش ضخم من الأنظام العربية والعامية (لغن) يتناول كافة مجالات العلوم الشرعية من عقيدة وقرآن وحديث وسيرة وفقه ولغة.

- مجموعة أحكام قضائية وفتاوى علمية تعالج عدة إشكالات فقهية سابعا: بيته وعقبه

ضريح الإيمان.. ورائحة عطر التقوى

ولنختم بما أورده العلامة أحمد فال بن سيدي أحمد في ترجمته لجده القاضي أحمد فال حين يقول "لم أقف بعدُ على تحديد تاريخ وفاة أحمد فال، والذي أميلُ إليه أنه توفي قبيل سنة: 1280 هـ، ودُفن رحمه الله قرْبَ والده محمذن فال بمقبرة انْتْفاشِيتْ.

وقد سمعت من الوالد رحمه الله ومن العلامة سعد بوه (انّ) بن الصَّفِّي ناقليْن عن العالم العلامة حبيب بن الزايد ناقلا عن رجلٍ من قومه يسمّى أشهبَ( ) -قال حبيب: وهو عدلٌ رضاً- أنه حدّثه أنه حضرَ دفن شاب من حيِّهم في مقبرة انتفاشيتْ، وكان تُوفِّي ليْلاً، فلما بدؤوا في حفر قبره فاحتْ عليهم رائحةٌ طيبةٌ من موضع الحفر، وصارت الرائحة تزداد طيباً بزيادة الحفر، فذهبوا إلى بقعة أخرى فحفروا بها، ولمّا كان من الغدِ رجعوا للموضع الأول الذي فاحت منه رائحة الطيب فوجدوه ضريح أحمد فال ابن محمذن فال.

قال: وقد بقيت تلك الرائحة في الآلة التي كانوا يَحفِرون بها.

آده.. المجدد الثاني لمتون الفقه والتصوف في موريتانيا

هو العلامة المجدد محمد مولود بن أحمد فال الشهير بآده، وهو ابن سابقه، قفاه على خير ما يقفو به ولد والدا، وقد ترك الشيخ آده بصمته على المحظرة الموريتانية خلال القرن المنصرم، وكان بحق مجدد القرن العشرين بأنظامه الرائعة التي تحولت إلى متون ثابتة في مختلف المحاظر الموريتانية، والمنطقة بشكل عام.

وأمه السيدة المُنجِبة مريم بنت العلامة محمد مولود ابن العلامة الناهي من آل أحمد بن الفظيل من آل زنون بن دامان، وقد كان محمد مولود هذا عالما جليلا، وقد سافَر في تلك العهود لأداء فريضة الحج، وقدِم من حجه بمكتبة كبيرة كانت من الروافد العلمية لِآدَّ رحمه الله تعلى، كما يذكر العلامة محمد سالم ولد النيه في ترجمته الموسعة لجده الشيخ آده.

 

وعن تبحُّر "آدّ" في اللغة يقول الشيخ محمد الحسن بن أحمدو الخديم: إنه يكون عنده المعنى الواحد بعدّة ألفاظ مترادفة منها الطويل والقصير فإذا وصل إلى ذلك المعنى في النظم يأخذ له الرقم الذي يناسبه.

وقد كان يَميل كثيرا إلى استخدام لغة القرآن الكريم، ولذلك لا يكاد الطالب يدرُس تآليفه إلا حصل على ثروة هائلة من تفسير الألفاظ القرآنية.

نشأته ودراسته:

أخذ الشيخ آده على عدد من أجلاء العلماء، وكان لمكتبة جده لأمه محمد مولود بن أحمد بن لفظيل- كما ذكرنا آنفا- دوربارز  في توسيع مداركه، وقد أخذ على أجلاء من بينهم الشيخ محمذن فال بن متالى فلازمه حتى توفي سنة 1287هـ وأخذ عنه معارف واسعة في علوم الشريعة فن المقرإ والتجويد، ويقول "آدَّ" إن الشيخ محمذن فال بن متالي وضع له يده على قلبه فوجَد لها إحساسا يسري في بدنه كله رحمهما الله تعلى، ولفظ آدَّ أنها: "أصَّرْعَتْ امْعَاهْ"، كما أخذ المقرأ أيضا عن القارئ محمذن فال بن بُوفرَّ الجكني نسبا الحاجي وطنا وخؤولة رحمه الله تعالى، وفق ما ينقل الأستاذ ولد النيه في ترجمة آده.

وإلى جانب الشيخ محمذن فال بن متالي أخذ آده عن الشيخ  العلامة محمد مختار "ابُّوهْ" بن حبيب الله بن محمذٍ "آبّ" (ت1303) رحمهم الله تعالى

كما درس النحو على الشيخ  محمد عال "مع" بن سيد بن سعيد الحبيبلي (ت1310) وحاز معارف هذا الفن في سنة واحدة، جعلت منه بحرا لغويا لا ساحل له.

وبعد هذه الرحلة العلمية الجليلة، سافر الشيخ محمد مولود إلى المغرب بحثا عن والده المغترب يومها في طلب العلم والكتب، واجتمعا هنالك ثم عادا بعد فترة بمكتبة ضخمة

ويعرف عن الشيخ آده تبحره في المعارف وموسوعيته التي أظهرتها دائرة المعارف العلمية التي ألفها وسدت ثغرات واسعة في متون المحظرة الشنقيطية ، وينسب إليه بعض تلاميذه وحفدته قوله إن الله أعطاه علوم القرآن والعربية دون عناء.

صفاته وشمائله:

يقول الشيخ محمد سالم بن النيه كاتب سيرة الشيخ محمد مولود:

يجمع معاصرو الشيخ آده والعارفون به على تمتعه بخصال قل أن تجتمع في غيره، ومنها العلم والورع والحلم والزهد،

"وجعله للموت نصب العين" وقوة العارضة في البحث والتأليف والبراعة في النظم والموسوعية، وكان على ما أوتي من علم وتبحر متحفظا من الفتوى رافضا للقضاء وفي ذلك يقول

آليتُ لا أفتيتُ في قضيةِ  ليست بصوفيةٍ او نحويةِ

وقد كان الشيخ آده ميالا للإقامة، لما توفره له من فرص المطالعة والتحقيق والنظم والتأليف، وفي ذلك يقول

أمَرني قوْمي بالِارتحالِ  معَ ذوِي الأغنامِ والآبال

والسيرِ بالغدوِّ والآصال بعضُ الرجالِ كثرةُ التحوال

يحسِبها مِن أعظَم الخصالِ  وليسَ عندنا مِن الإجمال

في طلبٍ كثرةُ الِارتحال  لا تجعَلنْ يا باسطَ النوال

جِسمي لِأُم دَرَنٍ وبالي

ويقول أيضا:

وفِي البَوادي ليس فنٌّ يُتقَن  مِن أجلِ ذاك طُلبَ التمدُّنُ

وقد بارك الله له في عمُره، فمع التآليفِ الكثيرة وتدريس العلم فقد  كان يدرس  القرآن لعدد من الصبيان حتى حفِظوه، وكان عنده تحفُّظٌ شديد في مس الصبيان لألواحهم خوف ملابسة أيديهم للريق ونحوه، فكان يتخذ لكل صبي مِخلاةً يضع فيها لوحه ويبرز منه ما يريد حفظه حتى يحفظ الصبي القرآن كله دون أن يمس لوحه.

وقد كان معظما للقرآن تاليا له على كل حال، دائم الذكر والفكر، ينير بصائر التالين، ويذكر الجميع بزوال الدينا وضرورة الاعتبار من احوالها " عالج بمن بجمعها قد تعبوا دهرا طويلا فحووا ما طلبوا 

فبينما هم دارجوا مراقي زهرتها إذ هجمت حلاق، ومما يذكر من تعظيمه للقرآن أنه رأى يوما أحدَ الصبيان مسحَ قلمَه على ساقه وردَّ القلم للدواة فأمر "آدَّ" أن تراق تلك الدواة ولا يكتب بها شيء، وفي ذلك يقول:

يا ماسحَ الأذى عن الأقلامِ    بموْضِعِ الأقْذارِ كالأقْدامِ

أما تلوْتَ في كتاب اللهِ  ومنْ يعظِّمْ حرُماتِ اللهِ

يأخذ الكتاب بقوة وعلى عزائم الجد أداء وترتيلا وعملا بمحكم التنزيل

فالأدب الأدب يا ذا التالي    فقارئ النور يناجي العالي
هيء لنجوى الملك الديان  طهارة الحدث والمكان
واستك لها والبس لباس الزينه ولازم الوقار والسكينه
مخبت قلب مخلصا مستقبِلا  إن لم يكن في ملإ أما ملا
مجتمع لذكر أو تدارس  فينبغي تحليقهم في المجلس.

حاضا على الاتباع لسنة خير الأنام: 

واجتب ما النبي كان يجتبي في مأكل ومشرب إن تقأب
كالثفل والذراع والحلواء  وبارد الكأس وكالدُّباء
وفي رسول الله أسوة فلم  يمدح طعاما النبي ولم يذُم
والنفخُ فيه يُذهب النماء  حسب ما به الحديث جاء
مما يليك كل ودع ما لا يليك  إلا إذا كان من اهلك الشريك
أو طيب القلب بذاك كانا  أو كان ما اشتركتما ألوانا
ولك حيث كنتَ أنت المرغنا  أو شركاؤك رضوا أن تقرنا
والأحسن الإيتار لكن من وحى  لشُغُل فقرنه لن يقبح

وكان له شق من "الخيمة" ، يُجعل له فيه ساتر دون الشق الثاني منها لينفرد مع كتبه وطلابه، وكان أهل البيت يَسمعونه خلال التأليف يبادل بين الأذكار والتلاوة لا يفتُر عن ذلك، وتقول ابنته خديجة رحمها الله تعلى: إنه كلما سمعهم بدؤوا يسترسلون في الحديث في أمور الدنيا انتهرهم تنبيها لهم، فكانت لا تنسى صوتَه ذلك وتذكيره رحمه الله تعلى"

كان ينادي أهله صلاتكم صيامكم مسكينكم يتيمكم

هذا ولما لم تكن ذات يدي بالغة ما بلغت مقاصدي،

هذه حاله التي سجل في نظم مأدبة الصدقات:

حمدا لمن وعد أهل الأمر بالصدقات بعظيم الأجر

إن كان أمرهم بها ابتغاء رضاه لا سمعة أو رياء

و في كتابه العزيز قرنا بالكفر ترك بعضنا لحضنا

على المساكين وسا قرينا من كان الاشراك له قرينا

وقرن الانفاق بالإيمان في غير موضع من القرٱن

ووعد المنفق بالمغفرة والفضل أسنى واتم عدة

وعنهما الشيطان الانسان يصد  يأمر بالبخل وبالفقر يعد.

من تحفة القانع والمعتر وزاد أبناء السبيل الغبري

صنعت من مطائب القرٱن ومن كلام صاحب البيان

مأدبة مشرقة الجفان اطيب من مائدة الجدعان

فكان واقع المجتمع يلدغ قلبه وأنى له أن يستريح، فجاءت كتبه نضاخة مفعمه بتلك المشاعر الصادقة الواعية، إذ لم يقتصر على الحكم الشرعي المجرد، بل ربما حاول إسقاطه على الواقع مبينا لأصحاب الأهلية كما في قوله في الحضانة:

والأصل في الحاضن أيا كانا أن يحفظ الأموال و الأ بدانا

ويصلح الدين ويحسن الأدب سلم من مؤذ ومعد كالجرب

وإن تبن قسوة الأقرب  وضره به تكن للأجنب

والشرط في الذكر كونه معه للحضن أثنى للشروط جامعه.

فكانت حياته عبرة لمن يعتبر:  صلاة وٱدابا وعلما وحكمة وذكرا وتقوى يعمرون المساجدا.

كفاف المبتدي ..المتن الفقهي الموريتاني الأكثر انتشارا

استعرض العلامة محمد سالم ولد النيه في مقدمته لموسوعة أنظام الشيخ آده عددا كبيرا من مؤلفاته، ورتبها  وفق حقول علمية متنوعة، ولعل من أشهر كتب محمد مولود وأكثرها توسعا وأعظمها مقبولية عند الأجيال كتاب كفاف المبتدي من فني العادات والتعبد.

ويظهر الكفاف براعة مؤلفه في الفقه واطلاعه الواسع على الأقوال في المذهب وخارجه وترتيب درجاته، ومداركها، وكان الجانب اللغوي بارزا في الكفاف، فهو إلى جانب فقهه يمكن اعتباره كتابا لغويا لما حوى من لغة معجمية ومن تناص وإحالات إلى القرآن والسنة وغيرهما، لذلك أشكلت الفاظ الكفاف وعباراته على الكثيرين، بسبب لغته السهلة والممتنعة في نفس الوقت، وبسبب تعدد مصادره وتنوعها.

كان الشيخ محمد بن دواهي، من نجباء الدهر يحفظ القاموس عن ظهر قلب، حتى قيل في شأنه  لم تقل العرب بيتا إلا ويحفظه،  

و كان معجبا بلغة الكفاف، وذات مرة سار مع حفيد الناظم الشيخ سيدي احمد بن أحمد يحي، يستمع للنظم، فلما وصل سيدي احمد  إلى قول الناظم:

وأده لترك جهر السورة طوى  وترك جهر الأم مرة،

قاطعه محمد دواهي، مستفسرا عن معنى طوى، فقال له الشيخ سيدي أحمد، طوى بمعنى مرتين، فقال محمد  "مات القاموس إلين مات ماكط اسمع طوى بمعنى مرتين"

وكانا قريبين من حاس المحفوظ، فتركا أمر السقاية واختلفا إلى مكتبة أهل الشيخ سعدبوه الموجودة عند ذلك البئر وبها تاج العروس للزبيدي، ففتحاه وواصلا مع مادة طوى، حتى قال صاحب التاج ومما يستدرك عليه( يعني صاحب القاموس ) طوى بمعنى مرتين فأعجب محمد دواهي بذلك.

قال محمد بن أحمدو بن محمد حمى الله:  "كنت أقرأ على الشيخ محمدسالم بن عدود فصل الحوالة من كتاب الكفاف فلما وصلت إلى قول الناظم:

وانفسخت إن رد مثمن لست  أو لفساد أو لحق قد ثبت

وبعد شرح كلمة ست أنها بمعنى  العيب

قال الشيخ محمد سالم بن عدود: لم أسمع عبارة ست إلا في اللغة الفرنسية"

يقول سيدي احمد بن احمد يحي، خرجت مع الشيخ المختار السالم بن العباس، خارج الحي أقرأ عليه من الكفاف

فلما وصلت إلى النفقات وقول الناظم:

بيان مايجب من نفاق الازواج  عن خلاف أو وفاق

فقلت له  لم لم يقل الناظم، من انفاق الازواج، فقال لي المختار السالم  والله لا أدري، 

وبينما نحن نسير  التقينا بالشيخ محمدسالم بن الما، فقال لي المختار السالم بن العباس،  سيدي احمد، " سول لمرابط" عن هذا بيت محمد مولود السابق، فقال لمرابط محمد سالم ابن ألما، محمد مولود وخيرت وخيرت، فلما قرأت البيت، رد الشيخ محمد سالم بن ألما،  الل الخير،الل الخير: وقال:   بيان مايجب من إنفاق الازواج  عن خلاف أو وفاق.

فلما رجعت أنا و المختار السالم بن العباس  للخيام و طالعنا شرح المؤلف للكفاف  فإذافيه:

وفعل أيضا له فعال.. إلخ، ومن عادة محمد مولود الاختصار، وتتمة ذلك من الخلاصة قول ابن مالك: 

وفعل أيضا له فعال  مالم يكن في لا مه اعتلال

أو يك مضعفا ومثل فعل  ذو التا وفعل مع فعل فاقبل.  

و يقول أحمدو ولد حمديت حضرت مجلس العلامة  أبي بن حيمود وهو يدرس الطهارة من كتاب الكفاف فلما وصل قول الناظم:

والكره في روث الحمير القول به رجحه بن حاجب عن صاحبه.

قال ابي ولد حيمود، إنه لايعرف صاحب الحاجب الذي رجح هذه الكراهة،

حيث ظن أبي أن الضمير في( صاحبه ) ضمير استخدام.

مع أن معنى البيت كما أراد الناظم،  أن ابن الحاجب رجح القول بكره روث الحمير على صاحبه وهو القول فيه بالنجاسة.

حيث ذكر ابن الحاجب هذا الحكم في كتابه الجامع بين الأمهات في الفقه، في باب الموات.

ومن ذلك قول صاحب الكفاف:
وعاقد بعضوه رأس جمل  فما أقلته السفينة حمل
وهو يعني بالجمل حبل السفين  الذي تربط به بالمَرسى، وهو المذكور في قوله تعالى: "حتى يلج الجمل في سَم الخِياط"
  وكقوله  في نواقض الوضوء:
وغيبة الحِلم كنوم ثقلا  أو جن أو سكر أو اغما تبَلا
فالحِلم فُسر بالعقل في قوله تعالى: "أم تامرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون"                     
   وقوله فيه:
صحّ عن النبي كُره البَرد ... قبل العِشا وسمر من بعد
فالبَرد فسرت بالنوم في قوله تعالى: "لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا"، وقوله  في سترة العورة:
وبضروريّ تُعيد إن بدا  خفيفها أَمَهاً أو تعمُّدا
فالأمه قرئ به قوله تعالى: "وادّكرَ بعد أمه" على أنه النسيان
      وقوله:
وفي ركوع وسجود أوّب  وفي السجود فضلَه جلّ اطلُب
فإن التأويب فسر بالتسبيح في قوله تعالى: "يا جبال أوّبي معه والطير"

قال محمد مولود رحمه الله تعالى فى الكفاف:
    وحوزُ جُزْءِِ شائعِِ فيه كفى     أن يسبحَ الموهوبُ مَعْ مَنْ أتحَفا
ومعنى البيت ان المشاع كالنصف والثلث وغيرهما
يَتِمٌُ حوزه بتصرٌُفِ الموهوب له بحضرة الواهب
وهذا ماحصل فعلا.
وقول الشيخ محمد مولود:  "ان يسبح" ان يتصرٌَف
واستهد له الشيخ بقول الله تعالى:
{إن لك فى النٌهار سَبْحا طويلا}

وقد امتاز الكفاف بجودة النظم وبراعة الاستهلال وحسن التخلص وعمق الفكرة ووضوح البيان وعلو العزو، وصحة النقل، والاختصار دون الإخلال وقد بين الشيخ آده في مقدمة الكفاف منهجه العلمي ودوافعه إلى التأليف
هذا لما نص أعيان الكُتب ... أن مفيدات التصانيف تجب
صرفتُ همتي لصوغ نظم ... يُفيد الامي وغيرَ الامي
مبينا لما به البلوى تعُم ... لأمر الاشياخ بأُثرة الأهم
لا ما استبد ببلاد نائيه ... كالجُمعات وشراء الأهويه
فليدعه الداعي كفاف المبتدي ... في فنيْ العادات والتعبد
آثرتُ ميله إلى التوضيح ... وطي الاحكام على التوشيح
لذا كثيرا ما طوى طي السجل ... بيتا أو أكثر بشطر أو أقل
هذا وإني لم أكن جُذيله ... لكن تطفلا على سُخيله
فكم وكم من عامر في بلدي ... وعامر لمثله لم يهتد
وأسأل الوهاب علما نافعا ... وطيب العيش لمن فيه سعى
وحبه لكل من تدبره ... حتى يصير سمعه وبصره
فقلتُ بادئا بما البدء به ... نص الأجلاء على وجوبه

 

من إبداعات الشيخ محمد مولود بن أحمد فال رحمهم الله 

وينبغي فراق الاحوال التي  يعتادها في زمن المعصية 
للرجل القاتل ضط وأكملا  قافا بمن سأله فقال لا 
فسار يسأل فأرشد إلى سيرا لبصرى فتوا ما وصلا
فأمر ت بالقرب منه أمرا  بالبعد منه اللتي منها فرا 
من بعد ما بصدره لبصرى نا وخصام ملك وشبرا  
أدنى لها قد وجدوه بعدما  قد أمروا بقيس كل منهما

وإذا كان محمد مولود قد رفض تولي القضاء الذي تسلسل في آبائه، فقد كان أسدا من أسود الفقه ذا صرامة وحزم، وقوة عارضة، وكان يفتي بما رأى أنه الحق والصواب ورد على عدد من أجلاء علماء عصره
، وقد رد على أجلاء العلماء والقضاة ممن أدرك وممن قبله كالعلامة القاضي محنض باب بن اعبيد الديماني، والعلامة سيد عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي الذي خالفه في مسألة تغير الغُدر في البادية بسبب الحيوانات، وفي ذلك يقول:
ردُّ الأجلاء على الأجلا ... من الأبين والشيوخ دلا
مع قبول كل واحد نبِه ... له على جوازه أو طلبه
رد على مالك ابن القاسم ... وابن ابن عاصم على ابن عاصم
وابن ابن مالك على ابن مالكْ ... ولم يعب صاحب نقل ذلك
كذا الرهوني على رسوخه ... قد أكثر الرد على شيوخه
وذاك عندي أن حق الحق ... مقدم على حقوق الخلق

مؤلفات آده ..دائرة المعارف الإسلامية

استعرض العلامة محمد سالم ولد النيه في مقدمته لموسوعة أنظام الشيخ آده عددا كبيرا من مؤلفاته، ورتبها  وفق حقول علمية متنوعة، ومنها على سبيل المثال

علوم القرآن:

- آداب التلاوة (نثرا ونظما مشروحا)

- ما أجمع عليه القراء من واجب الأداء

- نظم بصائر التالين لكتاب رب العالمين وتعليق عليه

- القول السديد في وجوب التجويد

- نظم المترادف من ألفاظ القرآن الكريم "القنطرة"

- رسالة في تعليم الأطفال

 - تحريم مس المصحف بالنجس.

علوم الحديث:

- إنارة الأفكار بشواهد النحو من الأخبار والآثار

- نظم في تصحيح بعض الأحاديث وهو تذييل لنظم صلاحِ بن الشيخ محمد المامي رحمه الله تعالى.

-  رسالة في مصطلح الحديث.

-  في الفقه:

- الرحمة وشرحها شكر النعمة

- كفاف المبتدي وشرحه

- شرح على نظم سلم القضاة في أحكام الرعاة لابن عمته محمد مولود بن أغشممت المجلسي.

- مكتوب في حد المشهور والراجح وحكم العمل بهما

- رسالة في النهي عن كتابة اسم الجلالة في النقش على القبور

- تقييد في الأمر بالتحقق من وقتي الصبح والمغرب

- رسالة في تغيُّر الماء بما يصيبه من فضلات المواشي (أمازيرْ)

- رسالتان في السن المقبولة في الزكاة

- تقييد في شروط وجوب الحج (نثرا ونظما)

-  رسالة في ونْكَاله

-  رسالة في مُهَايَأةُ الأرِقّاء (تَوَالَه).

- الآداب والتصوف:

- آداب المسجد (نظم مشروح)

- إشراق القرار في الحض على الصلاة والطهارة (نظم مشروح)

- مطهرة القلوب من قترة العيوب (نظم مشروح)

-  تنمية النيات (نثر)

-الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (نثر)

 -  نظم في الحث على التفكر

- محارم اللسان (نظم مشروح)

- مأدبة الأنداب فيما للإنفاق من الآداب (نظم له شرحان طويل اسمه كشف الحجاب عن مأدُبة الأنداب وله شرح قصير)

 - أدبة الأدب في مأكل ومشرب (نظم مشروح)

 - الظفر بالمراد في البر بالآباء والأجداد (نظم له شرحان طويل وقصير)

- إحكام المقال في أحكام السؤال (نثر)

 - آداب الضيافة (نثر)

 - آداب طلب العلم (نثر)

- آداب عيادة المريض وآداب المريض (نظم)

-  آداب الاستئذان (نثر)/ نظم في أحوال أهل الزمن والتأسف على المروءة (الصُّرْبَه).

- اللغة والنحو:

العين الثرة فيما يخفى من ألفاظ الطرة (وهو معجم للغة طرة ابن بونا) / شرح نظم عبيد ربه.

ومن بين تآليفه التي فقدت رغم ثبات نسبتها إليه

- البشائر في تفسير القرآن (نظما ونثرا) يوجد بعضهما

- تأليف في القراءات السبع سردا

- نظم في إعراب القرءان (يوجد بعضه)

- تأليف جمع فيه أحاديث مرتبة ترتيبا معجميا (يوجد بعضه).

-  تعليق على نظم الغزوات للبدوى

- تعليق على قرة الأبصار

-  تعليق على نظم عمود النسب للبدوي

- شرح لميمية البوصيري في مدحه صلى الله عليه وسلم (يوجد بعضه)

- مفتاح الظفر في شرح المختصر (يوجد بعضه)

 - حاشية على الرحمة وشرحها (يوجد منها ورقات)

- شرح تصوف ابن عاشر (يوجد بعضه)

- شرح ألفية ابن مالك وما مزجها به ابن بونا

-  اختصار لطرة ابن بونا

- شرح عقود الجمان للسيوطي/ تأليف في تراجم علماء المذهب (يوجد بعضه).

تلامذته:

أخذ عن الشيخ آده رحمه الله تعالى عدد كبير من العلماء الأجلاء منهم على سبيل المثال

-     ابناه محمد ومحمد الأمين

-     حبيب بن الزايد

-     المختار السالم بن العباس

-     محمد حمى الله بن أحمد مولود

-     محمد الأمجد بن أبي المعالي

-     أبو المعالي بن أُمَّيْنَّ

- القاضي محمدن ابن ٱكاه

-     محمد بن محمد البخاري

-     المصطفى بن بويعدل

-     الإمام بن أبَابَه

-     محمد الخضر بن حبيب الله وغيرهم.

 وفاته:

توفي "آدَّ" سنة 1323هـ. ودفن في مقبرة "عرش أودبر" جنوب شرق مركز تكنت الإداري بنحو 12 كلم ، جنوب الطريق الرابط بين تكنت والمذرذره.

وإلى وفاته أشار الناظم: 

و عام 'باكَ' صار في انسفال ... إذ مات فيه نجل أحمد فال
محمد مولود أعني الموسوي ... من كان ذا فضل وعلم مولوي
وكان يسقي البرد كل ظامي ... من الشروح ومن الأنظام
ومن فوائد لها لم يسبق ... معتزلا، بالله ذو تعلق

ورغم انقطاع نسل آده من جهة أولاده الذكور، فإن نسبه العلمي ما زال متصلا، يزرع في كل يوم غراس حلم، ويحصد كل صباح ثناء عابرا للأزمان والمدارج العلمية، وقد نالت كتب الشيخ آده إقبال الطلاب من كل حدب وصوب، فشرحها العلماء وحفظها الطلاب في الصدور، ويمكن القول إن مؤلفات آده هي واجب يومي يدرس في كل محاظر موريتانيا، وقل أن يمر يوم دون أن يدرس منها نص أو يحيل إليها مفت، أو يذكر بها داعية أو واعظ