عن دور مجلة العربي في التعريف بموريتانيا- محمد الأمين الفاضل

في النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي، وفي فترة كانت فيها موريتانيا تسعى للانضمام إلى الجامعة العربية، وبأمس الحاجة لمن يقدمها إلى العرب... في تلك الفترة ظهرت ثلاثة استطلاعات خلال ثلاث سنوات متتالية في مجلة العربي، كان لها الفضل الكبير في التعريف بموريتانيا في الوطن العربي.
جاءت هذا الاستطلاعات  الثلاثة في زاوية العربي الشهيرة: "أعرف وطنك أيها العربي"، ونشِرت  في الأعوام: 1967 و1968 و1969. 
لا يحتاج من طالع تلك الاستطلاعات الثلاث إلى جهد فكري كبير ليستنتج أن من يقف وراءها، كان يسعى بالفعل ـ وبكل صدق ـ  إلى تعريف العرب بموريتانيا، وكان الاستطلاع الأول من تلك الاستطلاعات مناسبة لوصول أول بعثة صحفية عربية إلى موريتانيا، وتشكلت هذه البعثة من الصحفي الشهير سليم زبال، والذي كان يتولى الاستطلاعات والإخراج الفني للمجلة، والمصور أوسكار متري  الذي كان يتكفل بالصور، وهما بالإضافة إلى رئيس تحرير المجلة  الدكتور أحمد زكي شكلوا نواة أول فريق لمجلة العربي عند انطلاقها في شهر ديسمبر من العام 1958، وكان الأديب والشاعر الكويتي  أحمد السقاف ـ وبتكليف من أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رحمه الله، والذي كان يرأس حينها دائرة المطبوعات والنشر ـ  هو من اختار الدكتور أحمد زكي لتولي إطلاق مجلة ثقافية تكون هدية الكويت إلى العرب، فجاءت مجلة العربي.
نُشِر الاستطلاع الأول عن موريتانيا في  العدد رقم 101  الصادر في فاتح شهر إبريل من العام 1967، وكان تحت عنوان : " نواكشوط أحدث عاصمة في أقصى منطقة من وطننا العربي". 
شكلت استطلاعات "أعرف وطنك أيها العربي" جديد مجلة العربي، وكانت مع زوايا أخرى من أهم ميزات المجلة الناشئة، وقد رفض الراحل الدكتور أحمد زكي استخدام كلمة ربورتاج، لأنها كلمة أجنبية، فجاءت كلمة استطلاع. 
يقول سليم زبال في أول استطلاع للعربي عن موريتانيا : "وفي هذا الاستطلاع بالذات نعلم أن موريتانيا لم تُقبَل بَعدُ في الجامعة العربية لاعتبارات سياسية، لا يمكن أن تمنع العربي من استطلاع  قطر هو جزء من الأمة."
ويختم سليم زبال استطلاعه الأول عن موريتانيا بالفقرة التالية: "إن السعي إلى تغيير عقلية الشعب الأصيل والعمل على الانطلاق به إلى مجتمع القرن العشرين لا يمكن أن يتم إلا إذا مدَّ له العرب ـ كل العرب ـ أيديهم لمساعدته في الوقوف على قدميه من أجل مستقبل أفضل له ولأبنائه."
وبفضل هذا الاستطلاع  حصلت موريتانيا على لقب متميز لا يقدر بثمن، ستثبت فيما بعد أنها جديرة به، وهي ما تزال تعرف به حتى اليوم، إنه لقب بلاد "المليون شاعر". يقول سليم زبال في الاستطلاع : "وسألناهم: كم عدد سكان موريتانيا؟  فأجابونا مليون شاعر". بعد هذا الجواب تحدث سليم زبال في فقرة من الاستطلاع تحت عنوان "مليون شاعر" عن زيارته لإحدى مدارس البادية، وكيف التف حوله بعض الصبية وأخذوا يسألونه عن إمرئ القيس والفرزدق وجرير وطرفة بن العبد والنابغة الذبياني!.
وفي العام الموالي أطلت مجلة العربي على قرائها العرب باستطلاعها الثاني عن موريتانيا، والذي جاء في العدد رقم  118  الصادر بتاريخ 1 سبتمبر 1968 ، وكان بعنوان : "تحت هذه الرمال ترقد شنقيط".
وفي الاستطلاع الثاني قدمت مجلة العربي لقرائها العرب شيئا من تراث شنقيط، وثروتها الثقافية المهددة بالضياع، وكشفت في ذات الوقت عن تعلق الموريتانيين بالثقافة، وقد جاء في فقرة من هذا الاستطلاع  على لسان أعضاء النادي الشبابي في مدينة أطار: "نريد أن نقرأ أكبر عدد ممكن من الصحف والمجلات العربية.. نرجوكم أن ترسلوا إلينا كل كتاب أو مجلة عربية لا تحتاجونها .. وذُهِلنا لطلبهم (يقول سليم زبال في استطلاعه الثاني عن موريتانيا).. إنهم يطلبون الثقافة قبل الكهرباء والماء والسكن اللائق."
وتشبث الموريتانيين بالقراءة يتحدث عنه حاكم وادان الشاب في نفس الاستطلاع، وذلك بعدما فوجئ فريق الاستطلاع بوجود بعض النسخ القديمة من مجلة العربي لدى الحاكم، يقول الحاكم الشاب : :إننا نحرص على شراء "العربي" التي تأتينا مع المسافرين القادمين من دكار عاصمة السنغال، والنسخة الواحدة يستعيرها كل بيت لمدة أسبوع فقط، يقرؤها كل أفراد الأسرة ثم يعيدونها ثانية، لنعيرها لأسرة أخرى وهكذا ".
وعن مدى تشبث الموريتانيين بانتمائهم العربي، ومناصرتهم للقضية الفلسطينية، وتعلقهم الشديد بالانضمام إلى الجامعة العربية، يَنْقل الاستطلاع على هامش اجتماع الفريق مع بعض رجال شنقيط أمنيتيْن مُعَبرتيْن، إحداهما لإمام الجامع أو شيخ الجامع كما جاء في الاستطلاع، والثانية لمدرس، وتتلخص أمنية الشيخ في : " تحرير فلسطين، ووحدة العرب"، أما أمنية المدرس فتتمثل في : " أن تصبح موريتانيا دولة عربية، وتدخل عضوا في الجامعة العربية".
ثم جاء في العالم الثالث ثالث استطلاع للمجلة في عددها رقم  129 الصادر بتاريخ 1 أغسطس من العام  1969 ، وكان تحت عنوان : "موريتانيا الجنوبية". وفي هذا الاستطلاع حاولت العربي أن تكشف مقدرات موريتانيا الاستثمارية، وأن تبين خطورة ترك هذه البلاد العربية ومقدراتها للأجانب، وقد أطلق الاستطلاع صفارة إنذار تتعلق بمخاطر الاستمرار في توظيف المتعلمين باللغة الفرنسية، وغياب أي مدارس عصرية تدرس باللغة العربية، وينقل الاستطلاع على لسان طلاب معهد أبي تلميت في رسالة موجهة إلى الأشقاء العرب : " نريد منحا دراسية عربية...نريد أن نتعلم لغتنا الأم على الطريقة الحديثة."
وفي فقرة أخرى من الاستطلاع، وكانت تحت عنوان : "لا تسلمونا للأجانب" جاء ذكر كلمات مؤثرة على لسان مبعوث موريتانيا في لبنان تقول :" أيها الإخوان العرب خاصة، والمسلمون عامة، أناشدكم الله.. أناشدكم بحق العروبة والإسلام، أن ألا تسلمونا للأجانب.. إننا نمد إليكم يد الأخوة رغبةَ المساهمةَ في بناء الأوطان العربية، ورجاءً أن نستمد من إخواننا في شتى نواحي بلادهم، ما ينقصنا من حضارة مادية وثقافية..".
وبعد ذلك يأتي الاستطلاع بكلمة للرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله، وقد جاءت هذه الكلمة في رسالة موجهة إلى أعضاء مجلس الجامعة العربية المجتمعين في بغداد عام 1960 قال فيها: " موريتانيا توجه الدعوة إلى جميع الدول العربية الشقيقة من أجل التعاضد والتعاون مع الجميع".
يعلق سليم زبال قائلا : "لقد أرادوا بهاتين الكلمتين أن يطلقوا صرخة مدوية، ولكن هيهات.. فلم تجد الكلمتان أي صدى لهما في الوطن العربي!؟".
 ثم يواصل سليم زبال استطلاعه الثالث عن موريتانيا، محذرا من قبل أن يختمه، مما قد يترتب على الاستمرار في عدم الاستجابة للصرخة المدوية : "إننا بتجاهلنا وإهمالنا لموريتانيا نساعد في القضاء على عروبتها، وانسلاخها عن وطنها العربي الكبير.. محققين بذلك آمال المستعمرين  ومكائد الاقتصاديين العالميين الذين يستغلون مواردها وثرواتها الطبيعية الثمينة بأبخس الأثمان." 
ويختم سليم زبال استطلاعه الثالث عن موريتانيا بفقرة معنونة بسؤال يقول : "هل ستجد صدى"؟ جاء فيها تعليقٌ على كلمة مبعوث موريتانيا في لبنان، والتي نُشرت للمرة الثانية في الاستطلاع : "كان هذا منذ عشر سنوات، ولم تجد كلماته يومها صدى.. ونحن نعود اليوم فنرددها.. ترى هل ستجد أذنا صاغية ؟!؟"
هكذا توالت النداءات الموجهة من موريتانيا إلى الأشقاء العرب من خلال استطلاعات العربي، والعربي كانت في تلك الفترة هي أفضل صندوق بريد مضمون وسريع يمكن أن توجه من خلاله الرسائل إلى الأشقاء العرب،  فقد كان يطالعها الكثير من القراء العرب، وكانت نسخها الموزعة تصل إلى 250 ألف نسخة، بل إنها زادت على ذلك الرقم في إحدى سنوات الذروة.
وحتى نُدرك أهمية هذه الاستطلاعات، وأن الرسائل التي كان يبرقها الموريتانيون إلى أشقائهم العرب كانت تصل بالفعل إلى الجهات المستهدفة،  فلا بد أن نشير إلى أن القادة العرب والذين يعود إليهم القرار بقبول انضمام موريتانيا إلى الجامعة العربية كانوا هم أيضا من قراء هذه المجلة، فقد جاء في مقال للكاتب إبراهيم فرغلي تحت عنوان : "عهود العربي الأربعة " نُشر في العدد رقم 589  الصادر في شهر سبتمبر من العام 2007 ، أن عددا من رؤساء الدول العربية بعثوا رسائل تهنئة لمجلة العربي ورئيس تحريرها، و ذكر منهم : رئيس مصر جمال عبد الناصر، وملك المغرب محمد الخامس، والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، وحاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بن خليفة، وملك ليبيا محمد إدريس السنوسي، ورئيس الحكومة المؤقتة في الجزائر فرحات عباس رحم الله الجميع.
نعم لقد لعبت مجلة العربي دورا كبيرا في التعريف بموريتانيا، بل ويمكن القول ـ  ومن دون مبالغة ـ  إنها كانت سفيرة متجولة لموريتانيا في الدول العربية ودون الحاجة إلى تأشيرة خلال الأعوام 1967 و1968 و1969 ، وأنها عَرَّفت العرب في تلك السنوات على أحدث عاصمة في أقصى منطقة من بلادهم، وعلى شنقيط المدينة التاريخية التي يُنسب إليها علماء موريتانيا الذين عرفوا في بلاد العرب بغزارة علمهم، والتي تكاد اليوم أن تبتلعها الرمال مع كنوزها الثقافية، وعرفتهم كذلك بموريتانيا ذات المقدرات الاستثمارية الهائلة، وكأنها تريد أن تقول لهم: هيا استثمروا أموالكم في موريتانيا. ورغم أهمية هذه الاستطلاعات لموريتانيا، والتركيز عليها في هذه الورقة، فلابد من الإشارة إلى أن استطلاعات العربي لم تكن خاصة بموريتانيا، بل شملت العديد من المدن في الدول العربية، وذلك من قبل أن تصل إلى موريتانيا، وسليم زبال كان قد نال في حياته تكريما من الهيئة العامة للتطوير الاقتصادي والترويج السياحي لمدينة العين الإماراتية على استطلاعه عن المدينة، والذي يعد هو أول استطلاع تقوم به أي صحيفة أو جريدة في العالم عن هذه المدينة التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت، فالعربي كانت تريد بالفعل أن تُعرف العربي أينما ما كان بوطنه الكبير. يقول سليم زبال في العدد رقم 589 من العربي الصادر في شهر سبتمبر من العام 2007، وفي زاوية "وجها لوجه" إنه لما كان يطلب من الدكتور أحمد زكي إجراء استطلاع عن بلد غير عربي، كان يرد عليه أحمد زكي بأن يسأله: ما اسم المجلة؟ فيقول له اسمها العربي، فيرد قائلا: إذن لا استطلاع إلا في الدول العربية، ولا تفكر في الذهاب إلى بلدان أخرى، ولا الإقامة في فنادق خمس نجوم. 
وحتى لا نظلم مجلة العربي، فإنه علينا أن لا نقتصر في هذا المقام على استطلاعاتها المميزة، حتى وإن كان عنوان الورقة يقتضي ذلك، فالعربي كانت لها أدوار أخرى مهمة لعل من أبرزها أنها كانت رافدا من أهم روافد صناعة الثقافة لدى العديد من الأجيال في الوطن العربي الكبير، وتبقى ميزة مجلة العربي، وهي التي تأسست من قبل استقلال الكويت، أنها استطاعت أن تصمد وأن تستمر في الصدور لأكثر من ستة عقود، وذلك في وقت اختفت فيه أغلب الصحف والجرائد والمجلات التي ظهرت من بعدها.
هناك أسباب عديدة تفسر السر وراء صمود العربي واستمرارها لأكثر من ستة عقود، منها أن العربي تأسست أصلا على احترام القارئ العربي وتقديره، وتقديم ما يفيد، ويكفي أن نعرف أن تسميتها لم تحسم في دائرة ضيقة، وإنما حسمها القراء أنفسهم من خلال مسابقة لاختيار الاسم نظمتها المجلة من قبل صدورها، ومن تلك الأسباب أيضا أنها غير ربحية، وتحظى برعاية رسمية، فالكويت أرادت بالفعل أن تقدم هدية ثقافية للعرب كُلِّ العرب، ولذلك فقد أبعدت مجلة العربي عن الخلافات السياسية الضيقة، وعن أي استغلال من أي نوع، وهذا كان من الأمور الصعبة، خاصة وأننا تعودنا من بعض الحكومات العربية استغلال الصحف والجرائد والمجلات لأغراض محلية ضيقة، ومن أسباب صمودها  كذلك أنها جمعت في تحريرها عند انطلاقها وفي مختلف فتراتها خيرة الكتاب والمثقفين العرب، فهي بالفعل مجلة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب.
يكفي العربي نجاحا ما حققت في الماضي، ويكفيها نجاحا أنها لا تزال تصدر وبعد أن اقترب عمرها من سبعة عقود، ويكفيها نجاحا أن الحديث عنها لم يتوقف في هذا الزمن الذي لم تعد فيه قراءة الصحف والجرائد تعني أي شيء لأغلب النخب، وذلك بعد تَسيُّدِ الانترنت، وسيطرة مواقع التواصل الاجتماعي على الجميع من نخب وعوام. 
يكفي العربي ما حققت من نجاح خلال العقود الستة الماضية، ويمكنها أن تعيش بنجاحها ذلك لسنوات قادمة، ولكن، وحرصا على استمرار تألق هذه المجلة، والتي يحق لكل عربي ـ أينما كان ـ أن يتحدث بشأنها، وأن يدلي برأيه حولها، وذلك لكونها مجلة لكل العرب، أقول حرصا على استمرار تألق هذه المجلة فلا بد اليوم من التفكير بجد في مستقبلها في هذا الزمن الذي يتغير بسرعة، والذي لم تعد فيه الصحف والمجلات قادرة على البقاء والصمود بشكلها التقليدي.
وحتى لا تتوقف هدية الكويت الثقافية إلى العرب، فلا بد اليوم من التفكير في إعادة صياغة هذه الهدية، ومراجعة طريقة وأسلوب تقديمها، وبما يناسب زمن هيمنة الإنترنت وطغيان مواقع التواصل الاجتماعي.
ــ
* هذه الورقة تم تقديمها يوم 21 إبريل 2024 خلال ندوة نظمتها الجمعية الموريتانية لخريجي دولة الكويت في الأكاديمية الدبلوماسية الموريتانية عن العلاقات الثقافية بين موريتانيا والكويت.