الوزير صو آدما صمبا لموقع الفكر: رجل الدين في الضفة إلى حد اليوم يعلم الناس ويرشدهم ويوجههم ويصلي بهم باللغة العربية

في إطار مواكبة موقع الفكر لمجريات الساحة الوطنية، وسعيا منه إلى إطلاع المتابعين الكرام على تفاصيل الأحداث، بتحليل متوازن، ونقاش متبصر، نلتقي مع  الوزيرصو آدما صمبا، لنستجلي من خلاله ما وراء الخبر... في لقاء شامل، عن مسيرة حياته وعن اهم انجازاته في القطاعات التي تحمل مسؤولياتها في يوم من الأيام.

وهذا نص المقابلة: 

 

موقع الفكر: نود منكم تعريف القارئ بشخصكم الكريم من حيث الاسم، تاريخ ومحل الميلاد، ومشواركم الدراسي، وأهم الوظائف التي تقلدتم؟

الوزير صو آدما صمبا: اسمي كما تفضلتم هو صو آدما صمبا بوهو،  من مواليد منطقة آفطوط المنطقة التي دائما في خاطري لأنها مهد ولادتي،  المنطقة التي كانت تتميز بالجمع بين القرى و"الفركان" و"آدوابَ"، و"آدوابَه" كانت تمثل مركز أو قلب المنطقة ويسكنها المزارعون العرب السود، و"الفركان" هي التي تحولت الآن إلى مدن وكان يسكنها إخواننا العرب، أما القرى أو "التيكاتن" فكان يقطنها الفلان وكلهم كانوا إخوة متعاضدين متحابين وكل جماعة تدرك أهمية الجماعات الأخرى من خلال توزعهم على المصلحة العامة في كل فصول السنة فهناك جماعة تختص بالحليب، وجماعة مختصة بالزروع وهم سكان "آدواب"،  وفي فترة أخرى من السنة نحتاج إلى الشاي والسكر والتمر وغير ذلك من معضدات  أواصر التراحم والترابط وكل مجموعة تخدم المجموعات الأخرى، وبما أننا نحن الفلان كنا نعتبر الثروة منحصرة في امتلاك المواشي فقد ارتأى والدي الذي أصبح لديه العديد من البقر بعد حجه هو والوالدة أن يتقرب بأصغر أولاده إلى ربه عز وجل، فقرر أن يقدمني إلى معلم للقرآن ويبدو لي أنه أول  من يتعلم القرآن من العشيرة نظرا للصعوبة التي يتلقاها الطالب المحظري عندنا، فالشيخ حر في التصرف بالولد ولذلك قدمني إلى الشيخ تقربا إلى الله وقال له هذا ابني آدم خذه معك، وأتذكر في تلك السنة أنه كانت هناك تجمعات لآدوابة في "دغفك" و"لحرش" في فترة  بداية الخمسينات زمن المستعمر وكان الناس في تلك الفترة يتحدثون عن "ولد امسيك" وكانت دائما هناك مجموعة من الفلان تتجمع وتقصد مدينة  كيهيدي خوفا من أن يتعرض لهم في الطريق، كما كان يذهب لكيهيدي أيضا بعض الإخوة "البظان" لبيع "الدهن والعلك"، وكانت تذهب إلى كيهيدي قافلة تتكون أحيانا من 20 ثورا، تركبها  نساء الفلان وهو ما يسمى بالبولارية "تويري" ويحرسهم رجال يركبون الخيول ويحملون بنادق يحرسون القافلة حتى تتصل المدينة، وكان الشيخ جبريل شيخ العشيرة تقدم إليه مجموعة من التلاميذ لينفرد بهم فذهب بنا إلى كيهيدي وبعد أن وصلنا هناك توجه بنا إلى جوول والو وليست هي جوول الواقعة في باركيول، بل هي "جوول والو" أي جوول الضفة، وبعد وصولنا لجوول أتذكر أننا عشنا هناك ولأول مرة حياة مختلفة لأننا لم نكن نعرف من المناطق إلا ما أخبرتكم عنها سلفا وهي "لفريك"، و"أدباي"، و"تيكاتن"،  وكانت أعمارنا آنذاك تتراوح بين السادسة والسابعة  ـ وكان أهل المدينة يختلفون معنا في الملبس والمظهر واللغة  فنحن كنا نعتبر أن العالم عبارة فقط عن آفطوط، قبل أن نشاهد عالما جديدا  فقال لنا الشيخ جبريل يا أبنائي هذه المدينة تسمي "يلاتون نيامتون ولايا لاتون تشكند ساتون"، وتعنى هذه العبارات البولارية "إن طلبت الصدقة تأكل، وإن لم تحصل على الصدقة تموت وتحمل  إلى المقبرة" ويجب أن تعرفوا هذا جيدا فنحن كنا في بيئة الحياء فيها مسألة أساسية وطلب الصدقة عندنا عار،  وكان الواحد منا يفتخر بقوله إنه يموت ولا يطلب الصدقة، ولكن لأننا نحن مجموعة تم التقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى وقدمنا لشيخ المحظرة،  كان لا بد من أن يرينا ما مر به من تجارب قاسية فبدأنا التعلم ودخلنا إلى المدينة وكان هناك منزل للحاج محمود با ولكنه كان غائب والمدرسة معطلة فذهب بنا إلى ناحية من المدينة وأدخلنا في غرفة ودخلنا مرحلة الترويض و كان التعلم بالبلولارية صعبا، لأنه لم تكن توجد آنذاك حروف هجائية في البولارية فكنا نبدأ بما يسمى ب"لمت" وهو أن نبدأ بالفاتحة ثم السور القصيرة  إلى أن نصل سورة قريش فنكون قد مررنا بجميع الحروف وكل حرف من هذه الحروف قد يتحول إلى ثلاثة حروف أو حرفين ليس هناك حرف واحد فعلى سبيل المثال الباء إذا كان في بداية الكلام يسمى الباء  ولكن إذا كان في آخر الكلام يسمى الباء اليابس والسين لا زلنا نعاني منها إلى اليوم نفس المعاناة فالسين والشين والصاد ليس بينها فرق عند "تيرن" ولذلك إلى حد الآن أجد صعوبة في لفظ السين والشين، وميم البداية وميم الوسط وميم النهائية لأن شيخي لم يكن يجيد ذلك، ومعنى هذا أن حروف الهجاء التي نسميها "لمتون" كانت تصل إلى 90 حرفا تقريبا والميم ثلاثة أنواع فهناك ميم تكون في بداية الكلام وميم الوسط وميم النهاية ولكل منهم اسم، والمهم أننا كنا نقضي ثلاثة أشهر أو أربعة  في ترديد هذه الكلمات دون أن نعرف مغزاها أو معناها وهو ما يسمى "لمت" ثم نبدأ بتعلم حروف التهجي بعد ذلك فالمرحلة كانت صعبة وزيادة على ذلك كان علينا أن نطلب الصدقة في النهار حوالي أربع مرات ففي الصباح الباكر نذهب لطلب الصدقة وما حصلنا عليه من النقود أو الأكل خاص بـ"تيرن" وبعد استراحة قليلة نذهب ثانية لطلب الصدقة من أجل الحصول على الفطور ونطلب الصدقة أيضا بعد الظهر من أجل الشيخ ونطلبها أيضا في الليل من أجل أن نحصل على قوت يومنا، ومعنى هذا أن هناك محصول من الصدقة خاص بالشيخ والمحصول الآخر يطعم به التلميذ نفسه زيادة على فترة ترويض قاسية لأن "تيرن" متيقن أن وفاة الطفل في سبيل تعلم العلم هو مكسب عند والديه لأنهم يظنون أنهم سيدخلون الجنة عن طريق التضحية بأبنائهم في سبيل الدراسة لذا نقول إننا تعلمنا الكثير كما تألمنا كثيرا في تلك الفترة إلى أن ساعد المولى عز وجل أن الأهل استقدموا الحاج محمود با، الذي كانوا على صلة به وطلبوا منه أن يزودهم بمعلمين، وبفضل الله تم فتح مدارس فلاحية  بجهود الأهالي وللأسف كان المستوى العلمي للأساتذة متواضع إلا أنهم بذلوا الغالي والنفيس ونظمونا تنظيما جديدا وأصبحنا نعيش حياة مختلفة لأننا بالقرب من ذوينا، فأصبحنا نلبس لباسا مختلفا ونشعر بذواتنا وأنه يمكن أن يكون لنا مستقبل ومع أن الشيخ الذي درسني في البادية ابن عمي إلا أنه وجد صعوبة في أن يجد زوجة من مجموعتنا لأنه ليست هناك فتاة تقبل أن تكون زوجة لـ"تيرن"، أما نحن تلاميذ الفلاح فقد كنا محل فخر واعتزاز بالقرآن ولذلك تسابقت المجموعات لإدخال أولادهم في مدارس الفلاح .

ولما وصلنا إلى مرحلة معينة اقتضت أن نذهب لطلب العلم في أماكن أخرى وكنت من أوائل من وصل نواكشوط لطلب العلم والتحقت بالشيخ الحاج محمود با ودرست في مدارس ابن عامر ووجدت فيها أساتذة كانوا يتفضلون بأن يعلموننا في فصول الكبار مع أنني كنت صغيرا ونسيت أن أقول إن ذوينا كانوا يرون أنه من العار أن يدخلوا أنبائهم في المدارس الفرنسية، وأن على الإنسان أن يفدي ابنه فقط بوسيلتين إما بماله إذا كان وجيها أو أن يلجأ إلى "الحجاب"، أما إلحاق أبنائه بالمدارس الفرنسية فيلحق به القيل والقال وبالتالي آباؤنا كانوا من أولئك الرجال الذين رفضوا إطلاقا أن يدخلوا أبنائهم إلى المدارس الفرنسية وبما أن المدارس الأهلية الفلاحية كانت محدودة المستوى فقد لجأنا إلى نواكشوط من أجل الالتحاق بالإعدادية، ومناطق أخرى كنكوصة ثم بحثنا بعد ذلك عن المنح لنسلك الطريق الذي سلكه السابقون،  وقد اتهم الحاج محمود با بأنه باع أبناء الفلان في مصر وطلب منه إعادتهم والمجموعة التي عادت هي التي بدأت تعلمنا وتنور لنا الطريق كيف نسافر، والحاج محمود با كان صديقا للوالد وكان يقدر جهود الوالد في دعم المدارس الفلاحية ولدعمي شخصيا قرر أن يسافر بي، وبالتالي اقتضى الأمر أن أبقى هنا لأدرس في الابتدائية والإعدادية وكنت أتردد من  نواكشوط  إلى  كنكوصة في الفترة ما بين 1964 إلى 1972م.

وبعد أن بدأت أجواء جديدة في 1972م وبعد أن كان الصراع في السابق بين الطرق الصوفية،  ففي الجنوب كان هناك صراع بين التجانية والقادرية، والحاج محمود با وأبنائه كانوا يعتبرون من الوهابيين وأنهم خارجون من الملة وأتذكر أول يوم زرت فيه نواكشوط وكانت والدتي ستسافر إلى الحج مع مجموعة من الفلان، وكان الناس يجتمعون عند منزل أحد الفلان من  كوركول وعندما قدمت إليهم مع مجموعة من زملائي الطلاب، ولما حان وقت العشاء نادونا إلى العشاء فسأل أحدهم من هؤلاء فقيل له إن هؤلاء مجموعة من تلامذة الحاج محمود با فقال يمكن أن يأكلوا عندي لكن لا يمكن أن يقضوا الليلة عندي لأنهم منحرفون وليسوا تجانيين وهكذا كان فهمهم آنذاك فبالتالي كان هناك صراع على المذاهب وكان هناك قبل خلاف حول القبض والسدل.

 وكانت هذه هي الأجواء، ودخلت عليها أجواء أخرى تمثلت في الحركات السياسية التي ظهرت آنذاك وبدأنا كشباب في الانضمام إليها كحركة الكادحين وما شابهها. وقد نجحت بتوفيق الله ثم بدعم من الحاج محمود با وذهبت مع ابنه المسمى عبد الله محمود با الذي كان مذيعا في التلفزة الوطنية إلى مصر وتوجهنا بعدها إلى لبنان لخوض تجربة أخرى رفقة بعض السودانيين زملاء للحاج محمود با وبعد سنتين هناك التحقنا ببعض المعاهد في فترة الصيف لأن الأمور في لبنان  مختلفة وليس لنا هناك أقارب وليست هناك بيوت تعليم، وبيوت الضيافة ليست مفتوحة كما في موريتانيا بل هناك مؤسسات تعليم ومؤسسات تطوعية، ونجحنا بتوجيه من بعض الناس في الالتحاق بمعهد في مدينة صور تابع للإمام موسى الصدر وهو معهد شيعي لكن لم يفرض علينا تعلم مذهبهم بل علمونا البلاغة والبيان والنحو والأصول ومعلومات عن تاريخ مذهبهم وقضينا هناك فترة سنة استفدنا فيها الكثير ومع افتتاح السنة الدراسية توجه صديقي إلى الأزهر في بيروت أما أنا فتوجهت إلى طرابلس وهناك التقيت بتجمع أهلي  لأول مرة يستقبلون مواطنا   أجنبيا وكنت آنذاك موريتانيا متذبذبة  بين موريتانيا الإفريقية وموريتانيا التي ستنضم في 1973م إلى الجامعة العربية بل تم توقيفي عدة مرات بدعوى أنني أحمل جوازا مزورا لأن بعض  رجال الدرك اشتبهوا في جواز سفري فهم لم يكونوا يعرفون دولة تسمى موريتانيا وكان أقرب اسم لبلدنا هو بريطانيا وكانوا يقولون إن  جواز سفري  مزور فالمسلمون والفقهاء يعرفون بلاد شنقيط أو بلاد المختار بن داداه والآخرون فلا يعرفون هذا البلد وخاصة المسيحيين ووجدت صعوبة في هذا الأمر ومع ذلك بتوفيق من الله كنت واعيا لما يجري في العالم وكنت أعرف العالم العربي والدول العربية وكنت في كل مرة أخرج سالما ومرفوع الرأس فدرست سنة في أزهر لبنان وقدمنا  ملفاتنا  إلى سفارة الكويت ونظرا لجودة مستوانا تم منحنا لدولة الكويت وحصلت هناك على شهادتين الأولى منهم كانت شهادة الثانوية من المعهد الديني والذي كان يتم توجيه طلابه إلى كلية الآداب والشريعة والقانون وكان المجال مفتوحا للمتفوقين للالتحاق بكلية التجارة والعلوم الاقتصادية،  فالتحقت بها وتخصصت في العلوم السياسية وتخصصت أيضا في علم النفس وتخرجت عام 1979م بعد 6 سنوات وفي السنة السابعة عدت إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية على أمل أن أواصل التعليم رغم العقبات التي اعترضتني أحيانا إلا أنه في الكويت كانت الظروف جد ممتازة حيث أن وضعيتي وأنا طالب كانت أحسن من وضعيتي وأنا رئيس قطاع أو مسؤول في موريتانيا؛ قضيت سنة في الدراسات العليا ووجهت توجيها لم أرض به وقدمت ملفي في وزارة الخارجية وأمضيت عاما أنتظرهم وحالفني الحظ أن كنت على علاقة جيدة مع رئيس مصلحة في الوزارة فطلبت منه طلبا واحدا وهو أن يشعرني بالاكتتاب الذي ستجريه الوزارة وتعهد لي بذلك وفي نهاية ديسمبر من عام 1980م أبلغني بأنه طلبت منه الملفات وأنه تقدم بها إلى الوزير دون ملفي فسألته ما الحل؟، فقال لي: ابحث لك عن لقاء الوزير، وفعلا توجهت إلى ديوان الوزير وكان كاتبه الخاص رجل طيب يسمى بيني بن إبراهيم، فأخبرته أنني قادم من المشرق ولا أعرف الوزراء فهل يمكن أن يسهل لي لقاءا بالوزير وفعلا جمعني به بسرعة وكان يومها وزير الخارجية والتعاون هو محمد المختار بن الزامل، ولما استقبلني قلت له: معالي الوزير كما قالت الشاكية منذ قرون "وا معتصماه" فسأقول لك "وا مختاراه" فأنا قدمت ملفي هنا لأن تخصصي العلوم السياسية وهو تخصص يخص وزارة الخارجية وبلغني أنه قد يتم اكتتاب أشخاص لا علاقة لتخصصاتهم بوزارة الخارجية مع إهمالي ملفي فاتصل على الفور بالمسؤول عن الشؤون الإدارية والمالية وقال له: هل لديك ملف فلان؟، فرد عليه بنعم، فقال له أحضر لي ملفه الآن وسرعان ما اكتتبني  وعينني رئيسا لقسم الشرق الأوسط وآسيا وسافرت معه في أول سفر قام به في شهر مارس بعد الأحداث التي وقعت هنا وكنت مسؤولا عن حمل الملف المتعلق بالكوماندوز إلى الجامعة العربية في تونس وهذه هي بداية السلسلة.

كما كانت لي علاقات ممتازة بالمسؤولين في وزارة الخارجية بدءا بالمديرين كمحمد عبد الله بن الخرشي من تكانت، والشاب الطيب اللامع المختار بن حي، ومع الوزراء الذين مروا بالوزارة بعد ذهاب الوزير محمد المختار بن الزامل كالأخ والصديق دحان بن محمد محمود الذي من خلاله تعلمت الكثير في تنظيم وتأطير وتكوين  وتوجيه الملفات، وكان دائما عندما يريد مقابلة سفير يلزم المديرين بحضور رئيس القسم ليعد محضرا فكنت دائما أحضر في لقاءاته مع السفراء وكان يوجد في زمانه وزير خارجية مساعد وهو المفتش الماهر  محمد بن سيدي عالي، ثم تبعه وزراء آخرون كأحمد ولد منيه الذي كان صديقا حميما لي، وأذكر أيضا الشيخ سيدي أحمد بن باب مين، الذي لم يقض إلا 15 يوما وكان طيبا ووعدنا بالحسنى ففي فترته كنت قد أمضيت عاما كاملا لم يتم تحويلي ووعدني  بالتحويل، إلا أنه ذهب سريعا ومكثت بعده فترة طويلة مع الوزير أحمد ولد منيه، وقد سافرت مرات عديدة إلى المشرق العربي وخاصة إلى دول الخليج وكنت سعيدا هناك بالوجود  مع الأخ محمد فاضل الذي كان نائبا لوزير الخارجية إلى جانب أمينين عامين هما محمد أغناه الله، وجاوارا غاني، إذا أمضيت خمس سنوات في وزارة الخارجية كنت أطلع بدقة على جميع الملفات الواردة من  المشرق العربي ويومها كان هناك صراع بين مناوئين للحكومة وأخرون يدافعون عنها  وكنت أتولى تلخيص كل التقارير الموجهة إلى رئيس الجمهورية وقد كانت تقارير سرية للغاية ومنحني هذا فرصة للاطلاع على جانب مهم من الجوانب السياسة للبلد، وبعد ذلك حصلت على ترقية في وزارة العدل والتوجيه الإسلامي حيث كان يتولاها آنذاك العقيد مولاي بن بوخريص والذي ظل أخي وصديقي إلى اليوم فعينني حينها أمينا عاما للوزارة فكانت وزارة العدل والتوجيه الإسلامي بالنسبة لي قطاعا جديدا كونت فيها صداقات لا تنسى ظلت قائمة منذ دخولي للوزارة إلى اليوم.

 ولو كان هناك متسع من الوقت لعددت لك مجموعة من فحول العلماء الذين التقيت بهم هناك وأدركت من خلالهم درجة بعدي عن العلم والمعرفة وعرفت من خلالهم ما يتوفر في موريتانيا من فحول الأدب والعلم، وفي الفترة التي كنت فيها أمينا عاما للوزارة كان مدير التوجيه الإسلامي في الوزارة وزيرا سابقا وهو حمدا بن التاه وكان هناك القاضي اللامع التراد بن عبد القادر وكان من بين رؤساء المصالح أحمد يورو كيد، وآخرون ومعنى هذا أنني نزلت في بيت من بيوت العلماء ولم يكن فيه من الغرباء سواي، وحاولت أن يكون عزائي ووسيلتي هي العلاقات الطبية مع هؤلاء لأكون تلميذا لديهم وهكذا نجحت ولله الحمد، وكان من زواري آنذاك الشيخ  محمد سالم بن عدود، وعبد الله بن اعل سالم وهم من كانو آنذاك في المحكمة العليا، وكان بداه بن البصيري يعتبرني من أبنائه .

والكثير من هؤلاء العلماء كنت أطلب منهم أن لا يزوروني بل أنا من تجب علي زيارتهم، وخاصة أنه كما قلت كان هناك الإمام عبد العزيز سي وبعض القضاة الذين يأتون من الداخل وأئمة مساجد من عموم موريتانيا، وبعد أن كنت تلميذا لشيخ واحد أصبحت تلميذا لمجموعة من العلماء وكنت أقوم بتسهيل أمورهم متفاديا التعقيدات لأنه بسبب سوء الفهم بين المسؤول والوزير وبعض المرؤوسين قد تحدث بلبلة وبالتالي كان من مهامي الأساسية أن أفهم أو أتفهم فإما أن أفهم المسألة وأقوم بحلها أو أتفهمها وأتحدث معهم بما يساعد على نجاح هذه المؤسسة الرائدة في موريتانيا، لأن التوجيه الإسلامي والعدالة إذا توفرتا في جمهورية إسلامية موريتانية يكون النجاح محققا، و بالتالي ما يطلب من هذه المؤسسة أكبر وأعمق مما هو مطلوب من المؤسسات الأخرى.

 وهناك جوانب مهمة لا بد منها لاستمرار السلطة والملك وهو جانب العدالة والجانب الروحي المرتبط بكافة فئات هذا الشعب يجب أن تتم العناية به عناية خاصة.

 قضيت في وزارة العدل 6 أعوام وحظيت فيها بعلاقات ممتازة لن أنساها إطلاقا حتى تم تعييني وزيرا للعدل،  فأنا كنت أمينا عاما ثم وزيرا لنفس القطاع وزادت الأعباء ولكن الأمور تعقدت أمامي وخاصة مفهوم الوزير.

 وأصبح مطلوب مني دور مغاير لما كنت أقوم به أيام كنت أمينا عاما يتمثل في الجانب السياسي وكانت هناك لجنة عسكرية للخلاص الوطني هي المعنية بالأمور السياسية أي بمثابة البرلمان والوزير إذا لم يكن عضوا في المجلس العسكري لا يكون بينه فرق كبير مع الأمين العام للوزارة، وفهم أهلي أنه تضاعفت مصاعبي بعدما أصبحت وزيرا لأن أهلي المكونين من الشرفاء فأنا أنحدر من مقاطعة آفطوط و"الشرفة" جيراني والسودان أهلي، فالشرفة وتجكانت وإدوعيش وآدوابه والفلان يمكن أن أقول إنهم كانوا يزوروني في رحلة جماعية خاصة بعد أن سكنت في منزل كبير يمكن أن تتلاحق فيه الجموع، فلم تكن هناك راحة في المكتب فمعارفي من سكان مقاطعة الميناء والسبخة ودار النعيم وتيارت كانوا يتوافدون إلي في الوزارة حتى أصبحت الوزارة محل  "فريك" أو "تيكاتن" حتى إنه صار يسمع في المكتب أصوات بكاء الأطفال، ويرى فيه شيوخ يحملون عصيهم والكثير من الفوضى حتى أصبحنا نسمع من البعض أن وضع فلان في وزارة مضيعة للوقت، ولا أخفيكم سرا أنه في يوم من الأيام نظرا لكثرة المشاكل اضطررت لمغادرة المكتب والعودة إلى المنزل كي أتنفس ولكن المنتظرين في المنزل أيضا كانوا كثر فقالوا لي حسنا فعلت بعودتك سريعا فنحن كنا ننتظرك، فعدت فورا إلى المكتب وكنت مقتنعا أن الدولة عندما تبعدني ستكون محقة لأنه لا طاقة لي بتسيير هذه الوزارة لأن الجميع يطلب مني أن أحل مشاكلهم المادية والمعنوية والسياسية.

وفي مرة من المرات  ولا أنسى حينها عندما سمع الرئيس آنذاك أنه توجد ضجة في مالي وربيع في إفريقيا قال إن موريتانيا لن تقدم أبدا على الديمقراطية ولما خرجنا من المجلس طلبت لقاء الرئيس وكانت تلك أول مرة أطلب فيها شيء كهذا وهو ما كان يفعله زملائي بكثرة فكلما نوى المغادرة يطلب أحدهم لقائه وأنا لم أطلب لقائه قبل ذلك إطلاقا وأحيانا أمضي شهرين من دون أن أطلب مقابلته وذهبت إلى مدير الديوان فقال لي تفضل ودخلت على الرئيس فسألني: ماذا لديك؟، فقلت له: نحن في وضعية صعبة ومحيط صعب وظروف إقليمية صعبة ويجب أن تكون هناك مبادرة من نوع ما، فنظر إلي وقال: أي مبادرة تقصد، فقلت له: أي مبادرة من المبادرات، فقال لي: أتقصد الديمقراطية؟، فقلت له: عين ما شئت فأنا لا أقصد مبادرة محددة ولكن الظروف تقتضي ذلك، فقال لي: تفضل فقد سمعتك، وخرجت عنه، وكان قبل ذلك قد أعطانا تعليمات لكل مسؤول أن يجتمع بديوانه وأن يطلعهم أن الحكومة الموريتانية غير مستعدة لتطبيق الديمقراطية وأن موريتانيا لن تقدم على تطبيق الديمقراطية فتحاشيت أن أقول هذا، وكانت هناك مجموعة من الأطر والشباب يترصدون أن أتلفظ بهذه العبارة حتى ينتهزوا فرصة لإبداء مواقفهم وبراءتهم لأن الجو حينها كان جوا صعبا ولكن لم أتلفظ بتلك العبارة وقلت فقط أنه من المهم أن نكون وطنيين ومتماسكين ومتضامنين وسنجد مخرجا مشرفا في ظل تعاوننا مع السلطة العليا فقالوا لي: لم تصرح لنا بشيء، فقلت لهم إنني لم أترك أي شيء، ورفعت الجلسة.

وبعد 24 ساعة سمعت الرئيس يصرح بأنه سيعلن الديمقراطية وستكون هناك أحزاب مفتوحة وأشعر بالفخر لهذا الأمر، ولم أتحدث لأي وسيلة إعلامية حول هذا الموضوع ولكنني أقولها لأن هناك من كانوا حاضرين لتلك الجلسة وما يزالون على قيد الحياة ومنهم الدكتور لوليد بن وداد الذي توارى داخل المدينة أو الدولة بصفة عامة.

وبعد فترة كنت أول من يفقد وظيفته كوزير فقد تم استدعائي لأكون عضوا في المجلس الدستوري مع الأخ ديدي بونعامه الذي كان وزيرا معي في نفس الفترة وكان هو المدعي العام أيام كنت أنا أمينا عاما ثم أصبحنا وزراء في حكومة واحدة، وكان هو رئيس المجلس الدستوري آنذاك، وكان من بين الزملاء أيضا الأخ كواد، وتنجا يوسف، ثم بعد ذلك الأخ سيد أحمد بن اليسع وأحمد السنهوري وسيدي محمد بن خباز وغيرهم، وقضيت ست سنوات إلى سبعة في وزارة العدل، ثم ست سنوات في المجلس الدستوري، ثم بقيت 3 سنوات بلا عمل، ثم تم استدعائي إلى محكمة الحسابات وخلال وجودي في المحكمة عرضت علي وظيفتين اعتذرت عنهما وظيفة وزير فقلت حينها لا أرى من المناسب أن أعود إلى الوزارة، ثم بعد ذلك عرض علي في الفترة الأخيرة رئاسة المحكمة العليا، ولا أنسى أنني قلت لرئيس الدولة آنذاك محمد بن عبد العزيز إنه تمت تعديلات قانونية تتطلب هذه التعديلات أن لا يكون رئيس المحكمة العليا إلا من كان تخصصه تخصصا قضائيا كمن كان قاضيا، أو قانونيا، وأنا وإن كنت عملت فترة طويلة في مجال العدالة إلا أنني لست قانونيا وبالتالي لا أريد أن آتي للدفاع عن القانون وأنا في نفس الوقت لا تتوفر لدي كل الشروط المطلوبة فأنا لست قانونيا ولست قاضيا وإنما كنت في وزارة العدل والمجلس الدستوري وأود أن تتشاور مع مستشارك القانوني قبل اتخاذ القرار فقال لي: أنا رئيس الجمهورية، فقلت له: ومع ذلك أفضل أن تستشير مستشارك القانوني، فقال لي: عد إلى محكمة  الحسابات حتى أحتاج إليك فعدت إلى المحكمة ويومها اعترض رئيس المحكمة العليا على تعيينه سفيرا وحدثت ضجة بسبب ذلك.

والمهم أن الرئيس لم يكلمني بعد ذلك إلا في مسائل تتعلق بالعمل، ولله الحمد غادرت المحكمة بعد أن سمعت مرسوما يقتضي تعيين شخص آخر مكاني، وبعد ذلك أصبحت رئيسا لمجلس إدارة لمدة محددة واليوم أنا هنا سيد في منزلي.

 

موقع الفكر: ما هو تقويمكم لنظام "آلموده" الذي تحدثتهم عنه؟

 

الوزير صو آدما صمبا: قد لا أحسن الجواب فـ"آلموده" تعني التلميذ، وفي الواقع أن الترويض الذي يقومون به والذي يظن الناس كما أخبرتك سلفا أنه تقرب من الله وتضحية بهذا الولد قبل أن يكون وسيلة لنشر العلم والمعرفة والتوجيه، وأصل الفكرة هو التضحية غير مناسب ولذلك أول مبادرة قمت بها بتنسيق مع الوزير في وزارة العدل هو إعادة إحصاء جميع الكتاتيب في موريتانيا وميزنا بالتعاون مع حمدا الفرق بين الكتاتيب وبين المحاظر والمحاظر الجامعة إذن قمنا بتقسيمهم إلى كتاتيب ومحاظر و محاظر جامعة، فالمحاظر الجامعة تدعم وكذلك المحاظر، والكتاتيب تشجع على أساس أن تتطور وكنا نقدم لهم إرشادات وتوجيهات أما في الجنوب فحاولنا أن نغير الأوضاع ولكنا لم ننجح في ذلك إلى حد بعيد لأنه كانت لأئمة المساجد والشيوخ هناك علاقة مع الدولة ومحاولة تغيير واقع "آلموده" الذي يعتمد عليه الكثير من رجال الدين قد يسبب إحراجا في الجنوب بالتالي لم أنجح ولم أكن أريد أن أضغط أكثر حتى لا يفهم أن تصرفاتنا تصرفات ثورية وأنني أفعل هذا لأنني تلميذا للحاج محمود با ومعاد لنظام "آلموده" وفي الواقع أنا بنفسي "آلموده"، إذا فكرة "آلموده" يجب أن تتغير والدولة يجب أن تأخذ موقفا صريحا وواضحا لا لبس ولا غموض فيه فيما يتعلق بـ"آلموده"، فيجب أن تكون هناك فقط محظرة تقليدية تحت إشراف وتوجيه الدولة، وفي تلك السنوات كنت مستعدا حتى لأن أكون جهاديا لو طلب مني "تيرن" ذلك،  وكنا نفترض أنه لو طلب والد أحدنا منه أن يتخلى عن "تيرن" وطلب منك "تيرن" أن يبقى هناك ووقف الأسد بجانبك والثلاثة أصدروا لك تعليمات فمن ستطيع منهم؟ فكنا نقول كتلاميذ: سنطيع الشيخ، لأن الشيخ قد يقتل الأسد والوالد قد لا يتفهمنا وبالتالي سنطيع الشيخ حتى لا نكون ضحية للتعذيب، وهذا هو ما يهيئ أرضية صالحة للتطرف من هؤلاء الذين يشعرون بأنهم منبوذون، وكثيرا ما يلجؤون إلى أساليب ملتوية في التعطيل والتوجيه والتنظيم وفي تشويه العلاقات.

 

موقع الفكر: نود منكم أن تحدثونا عن بعض التقاطعات الموجودة  بين لغة الفلان  واللغة العربية، واللهجة الحسانية؟

 

الوزير صو آدما صمبا: هناك نسبة كبيرة من اللغة البولارية بصفة عامة واللغة السونكية مأخوذة من اللغة العربية وهناك من يقول إنها تتراوح ما بين 40 إلى 60 في المائة من المفردات، فـ"آوداش" الذي كنا نتعامل معه عندما تركبه تقول له: قف، نقول له نحن: "تركسمان قف" وليس عندنا بالبولارية عبارة لتوقيف "آوداش" فقط نقول قف، وخاصة أن "آوداش" الذي كان يركب غالبا هنا في موريتانيا من النوع الذي تربيه العرب "آوداش أحمر" وكان أكثر قدرة على التحمل وعلى التدريب والترويض بينما ثيران الفلان غالبا لا تكون مروضة جدا بالتالي كانت هناك صعوبة في تربيتهم على هذه المهام، وأيضا الفلان لم يكونوا يفضلون تعذيب "آوداش أبيض"، والمهم أن من المفردات قف، ومنها أيضا المفردات المتعلقة بالجمل الراحلة فنقول لها "الراحلة"، و"لكشاط"، إذا أن المفردات المتعلقة بالجوانب التقليدية غالبا لها علاقة بالمفردات الحسانية وخاصة أن مجموعة الفلان للأمانة متأثرة بما يقال له "العرب" ولذلك عندما تقول للفلان أنت من العرب يعجب بذلك لأنه يفهم أن هذه كلمة "العرب" عبارة عن الشجاعة والإقدام والكرم والشهامة بالتالي هو يعتبر نفسه عربيا بهذا المفهوم، وخاصة أنكم تميزون بين العربية كلغة وكسلالة وقيم وعادات وتقاليد فمن ناحية القيم الفلاني يعتبر نفسه عربيا وحتى من ناحية العلاقات، ولذلك كثيرا ما تجد في "الفوتا" عند العلماء وبيوت العلم والمعرفة أنساب تربطهم بدمشق وتربطهم بآل البيت ومجموعات أخرى، فمجموعة الفلان الموجودة في الصحراء أكثر اعتدادا وافتخارا بجانب الشهامة والشجاعة والآخرون بالنسب فكما تقولون أنتم إن "لكور" منهم من هو من آل بيت رسول لله صلى الله عليه وسلم، وفيهم من هو قادم من دمشق ومنهم من هو قادم أيضا من مناطق مختلفة ويميزون بألقابهم ك"سي" و"كان" ولا أدخل في التفاصيل و التاريخ وغير ذلك.

 

موقع الفكر: اشرح لنا بعض الألقاب مثل "سي"؟

 

الوزير صو آدما صمبا: هناك مجموعات هنا في "انتيكان" ومجموعات أخرى تقول أن "سي" تقال للسيد، قد يكون شريفا وقد لا يكون كذلك، وأكثرهم يقولون إنهم من الشرفاء حتى أنه في فترة من الفترات كانت توزع عليهم دعوات من طرف رئيس ليبيا السابق لحضور المناسبات في الدول الأخرى باعتبارهم شرفاء، ومعنى ذلك أن العلاقات  ضاربة في العمق والتعاضد والتآزر والتوحد كانت تحت ظل الحضارة الإسلامية والقيم الإسلامية والروح الإسلامية، ولا يجوز أن تكون  محاولات لتجزئتهم بدل أن يكون المشرق هو قبلة الجميع كما جاء في الآية الكريمة عن رسول الله قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام}، ومعنى هذا أن جميع المسلمين قبلتهم واحدة ولكن أصبحت هناك طرق أخرى وقيم أخرى وحضارات أخرى بدأت تتلاطم في المنطقة، ومن لم يعمق الفهم ولم يعمق النظر قد يستنتج في شكليات حديثة ما يربط بقيم مجموعة أو بموقف سياسي أو موقف روحي فتكون بعيدا عن إدراك الواقع والحقيقة.

والموريتانيون الرابطة القوية التي تربطهم هي الإسلام والحضارة الإسلامية ولذلك عندما خيروا بمحض إرادتهم أن يختاروا لهذا البلد اسما قالوا الجمهورية الإسلامية الموريتانية بعد أن كانت هناك مناوشة فهناك من قال أنها تسمى بالجمهورية العربية وآخرون قالوا يجب أن تسمى بالجمهورية الإفريقية لكن في المحصلة النهائية النابعة من وجدان ومشاعر الموريتانيين سواء منهم المرتبط بالصحراء أو الأرض، والأرض هنا معناها الزراعة وحتى مفهومه يختلف من مجموعة إلى أخرى فمنهم من إذا قلت له الأرض يفهم أن تعني الأراضي الزراعية والحقول تحديدا لا المراعي، وهناك من إذا قلت لهم الأرض تكون بمعنى الأرض الواسعة والجبال والسهول والمراعي وغير ذلك.

إذا هذه المفاهيم المتعددة والمتغيرة تحمل خلفيات مختلفة قد تعقد الأمور أحيانا.

 

موقع الفكر: ماذا عن التقارب اللغوي والثقافي؟

 

الوزير صو آدما صمبا: بخصوص التقارب اللغوي هناك لغة متقاربة لأن رجل الدين في الجنوب إلى حد اليوم يعلم الناس ويرشدهم ويوجههم ويصلي بهم باللغة العربية، والتوجيهات التي تصدر من إمام المسجد تصدر باللغة العربية والجماعة لا تريد أي توجيه بغير هذه اللغة، ولذلك الاقتباس عندهم من اللغة العربية مفخرة للجميع، ومرة قلت للسلطات إذا أردتم أن تستمع إليكم الأهالي قدموا  منكم من يتحدث بلغة عربية مبينة واتركوا واحدا من الأعيان يترجم للآخرين وليس واحدا من الوجهاء أو الأطر أو المسؤولين،  يترجم للآخرين  يحتاجون إلى ترجمة لأنهم قد يسمعون ولكن يجب أن تترجمون لهم وحتى تكون ترجمتكم ناجعة وفاعلة افعلوا  ما يفعله رجال الدين، كأن يأتي شريف من المغرب ويجلس بين الجموع ويتحدث باللغة العربية ويقف أحدهم ويترجم لهم ما قال بالبولارية ويحبذون هذا الشريف ويقدرونه تقديرا لأنهم يقدسون هذه اللغة، والحاج محمود با عندما قدم إلى هنا انضمت له جحافيل لأنه كان يقف ويحدثهم باللغة العربية ثم يشرح لهم بالبولارية والكثير منهم كان يحفظ العلاقة بين هذه المفردات إذن  الناس يودون إلى اللغة العربية والمشكلة هي عندما تقول لي هل أنت عربي الأصل، أو الوجه واللسان أم لا، فهل هناك من هو أقرب للعربية إذا أخرجناها من مدلولها السلالي، ومضمونها الثقافي والحضاري قد تدخل تعقيدات وفهم مغاير لكن اللغة العربية ظلت وستبقى عامل ترابط وتفاهم بين مكونات المجتمع الموريتاني.

 ولا أنسى كلمة قالها أحد العرب في فقرة من كتاب اسمه موريتانيا العرب البيض في إفريقيا السوداء "من الصعب أن تخلص العربي من نزعته القبلية ولكن عليهم أن يتفهموا أن السود طيبين وعلى السود أن يقبلوا على تعلم اللغة العربية حتى يكون اندماجهم في المجتمع أسهل"، إذا لم تكن هناك تعقيدات وصحيح أنه تدخلت عوامل ولغة أخرى كنت لها منفعة ومردودية.

وهذه المنفعة والمردودية لم تشجع الموريتانيين على تعلم هذه اللغة والدفاع عنها وإنما شجعت أنبائها على الهجرة إليها، فهل كانت هناك هجرة من قبل متوجهة إلى الحج أو المشرق مثل ما نشاهده الآن كأن يطلب من موريتانيا الحد من موجات بعض المهاجرين الذين منهم أنباء البلد، ولكن أقول لك إن الحضارة بخير والثقافة بخير، والاضطرابات موجودة والأحداث موجودة ولكن يجب أن نتحلى بكثير من الوعي وخاصة أنتم الشباب الذي مكنكم الله من الاطلاع على وسائل الإعلام والاستفادة من الثروة العلمية والمعرفية واللغوية ولم يتلقوا معاناة مثل ما كان في السابق، فقد تعلمت من قريب وتوفرت لكم وسائل التعليم، فحاولوا أن تساعدوا هذا المجتمع على أن تكون له لغة مشتركة كما كانت وستظل إن شاء الله.

 

موقع الفكر: ما السبب في أن النخب الموريتانية المتغربة  أكثر حظ في التوظيف بالرغم من قلتها؟

 

الوزير صو آدمبا صمبا: صحيح، فالنخبة الفرنكفونية حظيت أحيانا بتكوين يأهلها لمواكبة الحركة العملية الإدارية، ووجدت من تطرح عليه الأسئلة، أما النخبة العربية إذا كنت تقصد البولارية منها قد لا تجد من يسأل عنها، فربما تكون لديهم معلومات ومعارف و تحتاج لمن يسأل عن أحوالها وأحوال المجتمع لكن غالبا لا تجد من يرشدها، فأيام كنا مسؤولين كنا متقيدين بضوابط تلزمنا بالتحفظ  على  التصريحات، فقد نشارك في الجوانب الثقافية، وسبق أن شاركت ذات مرة مع الشيخ عدود وحمدا بن التاه في لقاء متلفز ولما أعيتني الحيلة لجأت إلى وسائل أخرى لأجد ما أقوله، إذا أن النخبة الفرنكفونية وجدت تكوينا ومتابعة ووسائل للتحدث، أما النخبة العربية فغالبا ما تتحلى بالانضباط والالتزام فالموظف منهم مطلوب منه أن يتقيد بالتعليمات العامة، وانتمائه السياسي أو الاجتماعي يفرض عليه التحفظ فبالتالي حتى لا تفسر أقواله أو ردود أفعاله بأنها تقصد مجموعة معينة يجب أن يتحفظ  وهو ما يفعله الكثير منهم، وأنا دائما ما أقول أن النخب الفرنكفونية كثيرا ما تكون لها علاقات بالسفارات ووسائل إعلام متقدمة سواء إذاعة أو تلفزة أو جريدة تتحدث عنها وتتبادل معها المعلومات، أما مجموعة المثقفين العرب هي الأخرى فلها منابرها المتعددة وغالبا ما تكون المجموعة الإفريقية الأخرى ضحية للتحفظ وضحية لعدم امتلاك منبر للتعبير عن مواقفها ولا تريد أن تدخل  في الجدليات، فالثورة الإمامية دعمتها مجموعات أخرى وغالبا من دعمهم كانو من  التجانين، وبعض مجموعات الجنوب كالبولار والسونيكي والفلان ليسوا أصحاب طرق وهذه الحواجز كانت موجودة في فترة من الفترات، وعلى العموم المجموعة الإفريقية قد تكون نشطة وفاعلة إذا تم تفعيلها عن طريق توجيهات محددة وإرشادات معينة ومواقف بدل أن تكون متشتتة، وإذا أردنا التعمق فهناك ما هو أعمق وأوضح وأكثر تجليا  لما قلت يتجسد عند حدوث مناسبات معينة، وعلى العموم هي ليست متقاعسة ونظرا لأن في هذه البلدان هناك موقفين، موقف مجاري ومساند عليه أن يبقى تحت ظل توجيهات السلطة، ومجموعة مناوئة تتحدث باسم تلك المجموعات المناوئة، وحتى أن هناك مجموعات عربية لها مواقف تتعلق بالتعريب ومجموعات أخرى قد تكون عرقية أو جهوية وقد يحرم القانون ذلك دون أن يحرم ممارستها ونحن نرى أن القوانين تجرم وتحرم مسائل عديدة دون أن يحول ذلك بينها مع التمدد والانتشار ولكن في مرحلة من المراحل تعاقب مرتكبيها الذين كانت تغض الطرف عنهم ثم تسمح بمواصلة نفس الأساليب.

 

موقع الفكر: بنظركم ما هو سر نجاح دولة الأئمة في الضفة الجنوبية وفشلها في الضفة الشمالية؟

 

الوزير صو آدما صمبا: ما تفضلتم به هو تفسير شخصي وليس تفسيرا علميا بالضرورة  فالمرابطون عندما قدموا إلى هنا انطلقوا إلى الشمال وربما كان سبب الفشل هو عدم توفر العلماء ورجال الدين الذين قاموا بالثورة على السلاح المناسب ولم يراعوا تكتيكات معينة فبالتالي كانت هزيمتهم بسبب قلة السلاح وضعف الاستراتيجية والتكتيك وفرضت عليهم ظروف معينة عدم التحرك بسرعة.

كانت هنا مجموعة من الإمارات العربية المسلحة خاضت العديد من المعارك والحروب وكانت كل إمارة تدافع عن منطقة أو بيئة معينة فقامت هذه الإمارات بالتنسيق لمواجهة ثورة داخلية قد تعرضهم جميعا للخطر وتبنوا بسبب ذلك استراتيجية معينة وكان لديهم السلاح وتمكنوا من هزيمة القيادة الروحية، وفرضوا شروطا معينة حتى لا يكون هناك خريف موريتاني آخر في تلك الفترة، بينما في الجنوب تآزر رجال الدين الذين كانوا يخوضون المعارك في هذه المنطقة مع المجموعات الأخرى الموجودة هناك وانتفت الثورة في ظل وجود إمارة فلانية لم تكن على درجة كبيرة من العلم وكانت العقليات والنظام الذي تفرض على المجتمع يثير الكثير من ردود الفعل لدى معظم المزارعين ورجال الدين، وتعاون الجميع للإطاحة بالقيادة، وحتى القيادة عندما تمت الإطاحة بها تم تحييدها من دون معاقبة وحتى أن بعض رموزها حظوا بمكانة رمزية معينة وهذه الأسباب من ضمن الأسباب التي ساهمت في نجاح إمارة ديمقراطية في فوتا الجنوبية.

 

موقع الفكر: ما أهم الإصلاحات التي قمتم بها في فترة توليكم لوزارة العدل؟

 

الوزير صو آدما صمبا:  خلال سنة واحدة قمت بجولة في جميع أنحاء موريتانيا وزرت جميع المحاكم، وتفاجأت أن بعض المحاكم كانت الأدوات المستخدمة فيها موروثة من المستعمر كالكراسي والمكاتب وحتى الدفاتر، وكان القاضي أحيانا لا يملك إلا دفترا واحدا يسجل فيه كل شيء، وكانت معي خلال هذه الرحلة نخبة من القضاة من ضمنهم رئيس المحكمة العليا والمدعي العام لدى المحكمة العليا ومستشارون ذوو كفاءات عالية ومجموعة من المراقبين وتمكنا من القيام بتقييم شامل لأوضاع المحاكم من الناحية المادية، وتقييم القضاة، وكنت أطلب من رفقائي في الوفد تقييم كل قاض من القضاة من حيث الكفاءة والقدرة والنزاهة في العمل القضائي، وبعد هذا التقييم طلبنا من السلطات أن تمنحنا وسائل مادية متواضعة من أجل تغيير هذه الوضعية المزرية الموروثة من المستعمر كتلك الأدوات القديمة التي كان يستخدمها بعض القضاة، والمحاكم الجهوية لم تكن تتوفر حتى على مقرات مناسبة.

إذا، رغم تواضع الإمكانيات نجحنا في تسخير جميع الإمكانيات الخاصة بالوزارة لصالح المحاكم وسلمنا الكثير من الأدوات لقضاة المحاكم، وفي جانب العنصر البشري المتعلق بالقضاة قلنا إنه يجب أن نختار لكل قاض وظيفة تناسبه فبعضهم يجب أن نحوله إلى مستشارين وبعضهم نعينه  لرئاسة المحاكم والبعض الآخر  نرى أنهم أهل لأن  يكونوا من القضاء الواقف أو الجالس، إذا قمنا في فترة قصيرة بتقييم شامل وأقمنا علاقات مميزة مع القضاة، وربما تكون هناك تقصير، ولكن مع ذلك كان هناك حرص شديد على الإصلاح ليس فقط في المحاكم بل حتى في دور رعاية السجناء ومن خلال هذه الرحلة اكتشفنا مسجونين قضوا فترات طويلة في السجن دون محاكمة، وألزمنا بتتابع اتخاذ تعليمات سريعة ومتلاحقة  من أجل إعطاء توجيهات مناسبة للقضاة، والإسراع في محاكمة المتهمين، بل حتى أنني أفرجت بالتعاون مع المدعي العام ووكلاء الجمهورية والقانون الواقف والجالس عن بعض المسجونين الذين لم تكن هناك مبررات لسجنهم، فالنسبة لنا كعنصر قضائي محايد كانت هناك إرادة للإصلاح خلال تلك الفترة، وفي فترة تولينا لوزارة العدل كانت إدارة التوجيه الإسلامي قد انفصلت عن الوزارة ولكن نظرا لقوة العلاقة التي كانت تربطني برموز الإدارة والعلماء عرض علي الشيخ  محمد سالم بن عدود ذات مرة أن أعمل معه أمينا عاما ولكنني لم أتمكن منك ذلك نظرا للحاجة الماسة للدفاع عن المغبونين والفئات الضعيفة، وكوني أمينا عاما لوزارة العدل مكنني من التدخل دائما لصالح من يظلم في عموم موريتانيا، وحال ما يتنامى إلى سمعي أن هناك من ظلم  في أي مكان  أهرع  إلى ذلك المكان، وأذكر أنه في مرة من المرات زرت مدينة أطار لأطلب من الصالح اعل الشيخ بن أمم التدخل في حكم قضائي لصالح أحد الأفراد وناقشت معه ذلك نقاشا طويلا بحضور الوالي آنذاك كابه بن اعليوه، وعبد الله بن اعل سالم وآخرون، ففي الأيام التي كنت فيها أمينا عاما لوزارة العدل تقدم إلي صاحب هذا الملف بطلب مساعدة، فقلت له: أنا أمين عام، فقال لي: أنا سأترك عندك الملف، فبتوفيق الله حدثت أحداث في نواكشوط اجتمعت بسببها الأسرة في نواكشوط وتم تنفيذ هذا الحكم.

إذن تنفيذ الأحكام والدفاع عن المظلومين أينما كانوا كان هو شغلي الشاغل، ولا أعتبر نفسي خارجا عنه فأنا كما قلت لك من أولئك الناس المنحدرة من "الفركان" و"آدوابه" والبوادي" وأنا أقف إلى جانب المهمشين وبابي مفتوح أمامهم دائما.

 

موقع الفكر: هل ترأستم وفد موريتانيا للحج؟ ومتى كان ذلك؟

 

الوزير صو آدما صمبا: نعم، صحيح، وسبب ذلك أنني طلبت من رئيس الجمهورية أن يرفق بسكان الريف، فسألني: أنت من سكان أي المناطق، فقلت له: أنا من فلان لعصابة وكيدي ماغا، فقال لي: بلغني أن مجموعة منكم تقوم بفوضى، وكان هذا عام 1991م، فاخترت أعيانا من تلك المجموعات سيقومون باستقبال مدير الأمن ووزير الداخلية وأن يوضحوا لهم أنهم لم ولن يقفوا ضد موريتانيا وأن أي واحد تصرف تلك التصرفات يجب أن تتعامل معه الدولة كتعاملها مع المجنون والفاقد عقله، لأن من يدخل أسرته في بيت ويشعل فيه النار يريد أن يحرق أسرته قبل الآخرين، فبالتالي طلب مني بعد ذلك  أن أترأس وفد الحج وترأسته، وكانت هناك مسألة أخرى  لن أخوض فيها، ولكن يبقى الهدف الأول والأخير من هذه المسألة هو السعي من أجل المساهمة في كل ما من شأنه أن يعزز التلاحم والتعاضد بين مكونات المجتمع الموريتاني، وأن أدافع عن أولئك الذين أعتبرهم مظلومين حتى ولو كان في باب التحقيق، لأن التحقيقات والاتهامات الغير دقيقة إذا تولاها غير خبير  يستنتج والاستنتاج خطير وهناك فرق بين النتيجة المبنية على تحقيق دقيق وواع و علمي ومعرفي، وبين استنتاج يفترض التهمة قبل الوصول إلى الحقائق.

 

موقع الفكر: حدثونا عن المبادرة التي قمتم بها للصلح بين موريتانيا والسنغال؟

 

الوزير صو آدما صمبا: في تلك الفترة قلت للأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بعد التشاور مع القنصل في جدة آنذاك الشيخ بن أبي المعالي أنه من الممكن أن يلعب ملك السعودية دورا بارزا في التقارب بين الدولتين المسلمتين والجارتين موريتانيا والسنغال إثر الأحداث المؤلمة التي وقعت بينهما حتى لا تتأثر هذه العلاقات مستقبلا وتفهم الأمين العام ذلك وقال بأنه يشرفه أن يلعب دورا في الصلح، والتزم بالاتصال بالملك فهد ووفى بوعده، ولما عدت هنا أبلغت الرئيس أنني سعيت لذلك، ولكن الآن أطلب منه الإذن هل أواصل أو أتوقف، فقال لي: واصل، فاتصلت بالقنصل وأخبرته أن يواصل المهمة، مع العلم أن السلطات السعودية قالت إن الملك ملتزم في حالة تسوية المشكلة بأن يعوض الطرفين عن جميع الخسائر، فأبلغت القنصل أن الرئيس جاهز وأن يواصل مهمته، وبعد ساعة تم استدعائي من جديد إلى الرئاسة ووجدته محاطا بعدة شخصيات وطلب مني أن أكرر ما قلته آنفا فأعدت الكلام الذي كنت قد قلته، وقال أحد زملائي الحاضرين ربما بدافع الحرص على البلد والغيرة عليه "إن البلد ليس للبيع وأن موريتانيا ستظل تدافع عن شرفها وأن البلد الجار كان يعتقد أن موريتانيا لن تقوى على الوقوف في وجهه، وأننا لا نملك أدنى مقومات حتى نثبت قدرتنا في مواصلة المسير، وفعلا أثبتت موريتانيا أنها قادرة وستثبت ذلك في المستقبل وبالتالي موريتانيا ليست للبيع، فهذه المبادرة كانت استعطافية لن تتبناها موريتانيا"، فقال لي: هل سمعت هذا الكلام، كرر ورائي موريتانيا ليست للبيع وأبلغها للقنصل فأبلغت القنصل وقلت له أن يقول للأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن يتوقف عن مبادرته.

 

موقع الفكر: ما أهم إنجازاتكم في المجلس الدستوري؟

 

الوزير صو آدما صمبا: الطابع العام في المجلس الدستوري هو التحفظ وبالتالي تتخذ قرارات بشكل جماعي ويتم تحويل الملفات إلى المجلس من جهات محددة ولا يمكن لعضو المجلس أن يتحدث عن تلك الملفات خلال عمله في المجلس ولا بعد خروجه منه أيضا، والطابع العام هناك كان هو التحفظ، وعضو المجلس يؤدي اليمين قبل الدخول وهو ملزم أن يتقيد بها مدى الحياة.

 

موقع الفكر: هل كان الرئيس معاوية يتدخل في عملكم؟

 

الوزير صو آدما صمبا: كما قلت لك سلفا، فالطابع العام هو التحفظ ولن أتحدث عما جرى في المجلس لا في السابق ولا في الحاضر.

 

موقع الفكر: من قام بتعيينكم رئيسا لمحكمة الحسابات؟

 

الوزير صو آدما صمبا: معاوية بن سيدي الطايع، فقد استدعاني نهاية 2001 بعد أن كنت أمضيت عشر سنوات من دون عمل إلا فترة قصيرة عملت فيها في لجنة المصالحة والتحكيم دون تعويضات.

إذن تم تعييني رئيسا لمحكمة الحسابات يوم 25 نوفمبر 2001م، ومررت هناك بتجارب مع معاوية والأخ والصديق اعلي بن محمد فال، والأخ الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله، والأخ محمد بن عبد العزيز لمدة تناهز 12 عاما.

ومهمة المحكمة أساسا مساعدة الحكومة في مراقبة تنفيذ القوانين المالية وسبقني في هذه المحكمة كل من السادة سيد أحمد بن اليسع لفترة قصيرة بضعة أشهر، والأخ محمد الأمين  ابن اكيك لمدة سنتين تقريبا، وحسني بن ديدي لمدة 5 سنوات، وكل فرد منهم ترك أثرا في المحكمة لا ينسى، وكانت مهمة رئيس محكمة الحسابات  أساسا هي  المساعدة في الحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد، وكنت أعي تماما دوري، وقد نجحت في المشاركة بعدة ملتقيات تتعلق بالدور الذي يجب أن تلعبه المحكمة للمساعدة في الحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد وتحسين طرق التسيير وبالتالي كان شغلنا الشاغل هو تكوين قضاة المحكمة، فهم لم يكونوا قضاة ولكني بذلت أقصى جهد لأن أحولهم من مجرد مفتشين إلى قضاة بعد أن بدأ القضاة يستفيدون من علاوات معينة حولتهم إلى قضاة حتى يكونوا أكثر أمنا من المتابعة والمضايقة وتكون لهم استقلالية، وقلت إن الصرامة في التسيير والمراقبة ليست فقط في الصرامة في الرقابة لأن المحكمة آلة للإنتاج ولكن هذه الآلة يجب أن لا تستغل من طرف السلطات التنفيذية، وليست للمحكمة أي وسيلة تمكنها من أن تظهر للجمهور مدى جدية عملها وفعالية نتائجه حتى يتمكن الجمهور من الاطلاع على عمل المحكمة يجب أن يكون هناك تقرير سنوي ينشر للجميع.

 وكان آنذاك التقرير السنوي ينشر بأمر من رئيس الجمهورية الذي له الحق أن يقوم بنشر التقرير كاملا أو أن ينشر فقط جزءا منه، وفي الفترة الانتقالية تم تعديل النص وأصبح من حق محكمة الحسابات أن تنشر تقريرها السنوي دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية، وفي السنة الأولى قمنا بنشر التقرير وعلقنا عليه ونظما مؤتمرا صحفيا حوله، وأنا دائما ألاحظ أنه كان من مهامنا أن لا نسمح بأن تكون المحكمة وسيلة لأي سلطة، لا أن يغريها الجمهور بالثناء فتعلن عن نشاطاتها بل كان يجب أن تظل جميع نشاطاتنا محاطة بالسرية التامة حتى لا يتضرر المسيرون من رقابتنا قبل إصدار التقرير السنوي، وإذا كانت الدولة تريد أن تطلع الجمهور على نتائج عملها فلتسمح للمحكمة بنشر تقريرها.

إذا أطلب من المراقبين بأن يكونوا متشددين ولكن يجب أن يكونوا على دراية تامة بعملهم كي يميزوا بين العمل الرقابي القائم على الوعي لأن الرقابة لها جانبين رقابة التسيير ورقابة الأداء، فحرصنا أن يكون الجانب المتعلق برقابة الأداء والفاعلية أكثر أهمية من مجرد رقابة على التسيير لأن الكثيرين يعتقدون أن من حسن التسيير عدم الاختلاس، وهذا غير صحيح، فقد تجد مسيرا يسير المليارات فيختلس منها 100 مليون، وآخر يهدر المليارات والهدر أسوء من الاختلاس، ومعنى الهدر هو الأداء السيء بدون فعالية كأن تنفق الدولة على الطرقات المليارات ولكن مع إنفاق هذه المليارات لا تصمد هذه الطرق فترة طويلة لأنها نفذت بطريقة رديئة وسيئة.

وبالتالي فالرقابة على الأداء مع وجود خبراء في رقابة الأداء أكثر أهمية بكثير من الرقابة على الجانب المتعلق بالتسيير المالي، والرقابة على حسابات المحاسبين العموميين نسميها رقابة الأداء وهي مطلب لا يمكن للمحكمة أن تقوم به إلا بناء على طلب الدولة وهي رقابة من أهم الرقابات، والرقابة على أخطاء التسيير رقابة في غاية الأهمية ولا يمكن أن تمارس هذه الصلاحيات إلا بناء على طلب من الحكومة، إذا هناك مسائل جوهرية وأساسية تتعلق بمهام المحكمة أعتقد أنه سوف يتم القيام بها بفضل وجود جو ديمقراطي يسمح لمنتخبي الشعب بمن فيهم النواب أن يتابعوا مدى ممارسة محكمة الحسابات لجميع صلاحياتها، وإذا كانت هناك عراقيل يجب أن يطلعوا على هذه العراقيل، ولذلك كنت حريصا في فترة من الفترات أن تكون هناك مستوى من الترابط والتواصل بين المراقبين والمسيرين حتى يسمح للمسيرين بأن يسمع كلامهم حول المآخذ التي تأخذ عليهم، فقد يكون المراقب أحيانا طيبا ومتعاونا فيتفهم التسيير وقد يكون متشددا فنتائج الرقابة قد لا تكون بالضرورة ذات مقياس دقيق لكل الأمور، والمهم هو التكوين فقضاة محكمة الحسابات كانوا دائما من النخبة.

 

موقع الفكر: كم عدد قضاة محكمة الحسابات؟

 

الوزير صو آدما صمبا: عددهم محدود جدا عشر قضاة أو يزيدون قليلا، والملفات في فترة من الفترات تضاعفت إلى حد الذي  لم  يتمكنوا من مراقبة جميع مؤسسات ولو قضوا عشر سنوات.

 

موقع الفكر: كيف تردون على من يقولون  إنكم تستهدفون فقط المؤسسات الصغيرة كالبلديات وتتركون المؤسسات الكبيرة والضخمة؟

 

الوزير صو آدما صمبا: ستعذرني عن الإجابة على هذا فالطابع العام لمحكمة الحسابات هو التحفظ وسأحدثكم فقط عن العموميات أما الجزئيات والتفاصيل فلن أخوض فيها.

موقع الفكر: جزاكم الله خيرا.