أصحاب الغار والإسقاط على الحياة المعاصرة الحلقة (5)

كتب الدكتور المرسي محمود شولح لموقع الفكر

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

في وقوع الحجر وسده فم الغار مصلحة للناس في كل زمان ومكان .

وسبحان من أطلع حبيبه e على ذلك : ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ([1]).

( وفيه الإخبار عما جرى للأمم الماضية ليعتبر السامعون بأعمالهم فيعمل بحسنها ويترك قبيحها) ([2]).

لقد خرج الرهط يرتادون لأهليهم ، فدخلوا هذا الغار فسقط على الغار صخرة من الجبل سدت فم الغار ، و هذا الحجر قد هبط من خشية الله ليغلق عليهم ، ولكي تأخذ البشرية درساً عظيماً في التوسل إلى الله تعالى بصالح العمل وقت الكرب حين يضيع الأمل عند البشر .

واجتمعت الأسباب لدخول الرهط للغار فقد أووا إليه  بأرجلهم ، ودخلوه بأنفسهم ، واختاروا المبيت فيه .

في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه : "حتى أووا المبيت إلى غار" كذا للمصنف ، ولمسلم من هذا الوجه : "حتى أواهم المبيت " وهو أشهر في الاستعمال ، والمبيت في هذه الرواية منصوب على المفعولية ، وتوجيهه أن دخول الغار من فعلهم ، فحسن أن ينسب الإيواء إليهم ([3]).

فلم يكن دخولهم الغار وهو المكان الذي جرى فيه الاختبار ، وحصلت فيه المحنة ، بفعل غيرهم ، أو بعمل غيرهم ، إنما كان بفعلهم ، وعملهم

 ففي رواية : " فقال بعضهم لبعض : لو دخلنا هذا الكهف" ([4]).

فالفكرة لدخول الكهف نابعة منهم ، وتوافقوا عليها، ولم يختلفوا حولها .

Å المطــر :

في إحدى روايات الحديث أن المطر كان داعياً إلى دخولهم الغار ، ففي رواية : " ألجأهم المطر للغار " .

فكان المطر من الأسباب الداعية إلى تكوين المحنة ، وتشكيل صورتها العامة ، فلو لم يكن مطر ما دخلوا الغار ، و استمروا في رحلتهم ، فقد كان نزوله في وقت بعينه داعياً إلى دخول الغار .

وبهذا تشترك الآيات الكونية لتكون سبباً في تشكيل الصورة العامة للمحنة ، والتي يترتب عليها الدروس والفوائد .

Å وقوع الحجر من الجبل  :

من توافق الأسباب وقوع الحجر من الجبل ، فلم يكن وقوعه صدفة ، أو عبثاً , إنما كان وقوعه بأمر الله تعالى .

زاد الطبراني من حديث بن النعمان بن بشير : " إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سد فم الغار " .

عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِيمَا سَلَفَ مِنَ النَّاسِ ، انْطَلَقُوا يَرْتَادُونَ لِأَهْلِهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ ، فَدَخَلُوا غَارًا ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمْ حَجَرٌ مُتَجَافٍ حَتَّى مَا يَرَوْنَ مِنْهُ حُصَاصَةً ) ([5]).

فمن الدلائل في ذلك :

- استسلام الحجر لأمر الله تعالى وخضوعه لحكمته ، فقد كان هابطاً من خشية الله ، وكاشفاً استسلام الكون بأسره لحكم الله تعالى .

- وقوع الحجر في وقت بعينه ، فلم ينـزل الحجر قبل دخولهم الغار ويسد فمه ، وبالضرورة لا يدخلونه لعدم وجود مدخل إليه ، وإنما كان وقوعه وهم موجودون فيه ، فتزامن وقوع الحجر مع وجودهم فيه ليتحقق مراد الله تعالى .

- إرادة الله تعالى فوق كل إرادة ، فما كانوا يرون خصاصة في سقوط الحجر، وما كانوا يتصورون وجود محنة بسبب وقوعه  ، ولكن إرادة الله فوق كل شيء ، وحكمة الله تعالى تجعل من حبسهم في الغار مصالح وفوائد للأمة .

Å سد الصخرة فم الغار :

لم يكن الأمر في الصخرة في مجرد هبوطها ، فقد تهبط ولا تحدث مشكلة ، ولا يترتب عليها كبير شأن ، وقد تهبط على الغار ولا تسد شيئاً منه ، أو تسد بعضاً يسمح لهم بالخروج ، وإنما كان الأمر في الصخرة في هبوطها وسدها فم الغار .

قوله ( فانطبق عليهم ) أي باب الغار، وفى رواية موسى بن عقبة عن نافع في المزارعة فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم . وفى الأدب بلفظ " فانطبقت عليهم" وفيه حذف المفعول والتقدير نفسها أو المنفذ ، ويؤيده أن في رواية سالم : " فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار" ([6]).

فمقصود أن تنـزل الصخرة وأن تسد فم الغار ، وأن تنطبق عليهم تماماً، و لا تسمح لهم بالخروج ، وذلك لتحقيق مراد الله تعالى

 

([1]) سورة هود آية : 49 .

([2]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/590، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني .

([3])فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6 / 585  أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني .

([4]) مستخرج أبي عوانة .

([5]) مسند أحمد بن حنبل ، رقم الحديث ( 12221 ) ، قال الهيثمى في المجمع 8 / 143 : رواه أحمد وأبو يعلى ، وكلاهما رجاله رجال الصحيح

([6]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6 / 585  أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني .