رمضان: شهرُ الإعمار..

مَرَّتْ سنةٌ كاملة منذ رمضان الماضي، صنعت بنا ما صنعت.. تصدُّعات، وتشقُّقات، وتحوُّلات..
أما القلب فنُكِتَتْ فيه نِكاتٌ سوداء، فأظْلَمَت بعضُ أركانه وزواياه، وأما العقل فنَخَرتْ فيه عوامل الزمن، فذبُلَتْ بعضُ خلاياه، وأما الجوارح فأصابتها ظلمةُ ذنوبها وبُؤْسُ خطاياها، وأما  العلاقات فسُدَّت بعض مجاريها. 
بعد مرور عام من النحت، والنخر، والتآكل، وعوامل التعرية .. بعد صدأ القلب، وضعف العقل، ووهن الجوارح، يُظِلُّنا من جديد شهرُ رمضان، يأتينا ونحن على هذه الحال، فيعرض علينا فرصة ثمينة لإعادة إعمار  نفوسنا، وصقل قلوبنا وأرواحنا، وصيانة عقولنا، وترميم جوارحنا، وتسليك قنوات تواصلنا، وجَبْرِ الكسور في علاقاتنا. 
يأتي رمضان وقد انطفأت بعضُ مصابيحِنا، يأتي ليعرض علينا تبديلها، أو إصلاحها؛  ليُشِعَّ نورُها من جديد، وننطلق على بصيرة وهدًى من الله.

فمَنْ ذا الذي عزم على إصلاح ما فسد، وترميم ما تصدَّع، وتجديد ما بلِيَ، وإضاءة ما انطفأ؟
مَنْ ذا الذي قرَّر إزالة كراكيب نفسه؟!
أين المُشمِّرون؟
أين المبادرون؟
وأين المتنافسون؟
جَرَتِ العادة أن نستقبل ضيوفنا بتنظيف بيوتنا، وتجميلها، وتطييبها، ورمضانُ ضيفٌ كريم، أَقْبَلَ مُحمَّلًا بالهدايا والعطايا، فَلْنستقبِلْهُ بالتوبةِ، والتنظيف، والتطهير { إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰ⁠بِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٢٢].
 ثم الصلاةُ نور، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصوم جُنَّة، وقيام الليل شرف المؤمن، والقرآن شفاء ورحمة، وذِكْرُ الله حصن حصين.
حسن الخلق يُبَلِّغُكَ درجة الصائم القائم، وإطعامُ الطعام من أسباب دخول الجنة بسلام، وبالجُملة: فإن الله يحب معاليَ الأمور، ويكره سَفْسافَها.
أما الهدية الكبرى فليلة القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر.
إنه واللهِ زمنُ الإعمار الحق!
عن ابنِ عباسٍ- رضي الله عنهما- قال: " إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوةً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق".
فبالحسناتِ والطاعاتِ إِذَنْ، يكون إعمارُ أنفُسِنا، وتحديثُ أنْظِمتِنا، وتجميلُ ظاهرِنا وباطِنِنا،  وإن رمضانَ هو الموسم الذهبي لتحقيق ذلك كُلِّه.
واعلم أنه لو أعاد كلٌّ منا إعمارَ نفسه بحق، لَأُعِيدَ إعمارُ مجتمعاتِنا وأمتِنا بأَسْرِها، ولَصارتْ أقوى أمة، وخيرَ أمةٍ أُخْرِجَتْ للناس.
 إنه شهرُ إعادةِ الإعمار والجَمال، وإعادةِ الرُّشْد للأمة وأفرادِها.
{ فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لِی وَلۡیُؤۡمِنُوا۟ بِی لَعَلَّهُمۡ یَرۡشُدُونَ }

ـــــــــــــــــــــــــــ

الشيخ فؤاد علوان، خبير تربوي